افتتاحية الموقع

بين (الواضح) و (الحقيقي) في حرب غزة… والتسوية المزعومة

د.فؤاد شربجي

بالفعل إن (الواضح) في حالة الحرب ليس هو (الحقيقي). هذا ينطبق أكثر ما ينطبق على ما يجري في الحرب الإسرائيلية على غزة. الواضح فيها يستر وربما يخفي الحقيقي منها. لذلك سنحاول تلمس هذا الحقيقي دون ان نهمل الواضح فيما تقوم به إسرائيل وما تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية بناءاً على حرب غزة، وما تتأهب إيران لإشهاره بعد هذه الحرب. وفي تلمسنا لهذا الحقيقي سنحاول أن نفهم الدور العربي في صناعة مستقبل منطقتهم.

‏الحقيقي في العدوان الإسرائيلي انه ينفذ استراتيجية صهيونية قديمة ومستمرة و لها وجهان :  الأول، (استراتيجية التأمين) المتمثلة بالأمن والأمان. ثانياً (استراتيجية التركيز)، حيث تسعى تل أبيب لاستعادة قوة الأمن عبر إزالة كل تهديد يشكل خطورة عليها أو إضعافه لدرجة كبيرة كما تعمل تجاه حماس وحزب الله. ‏وإذا كانت حماس قد تأثرت قوتها العسكرية نتيجة الحرب على غزة إلا إن حزب الله مازال على قوتة الكاملة وهذا يعني أن هذا الوجه من الاستراتيجية الإسرائيلية يواجه صعوبات ومعيقات من المقاومة. وعلينا أن نتابع ما الذي ستفعله إسرائيل لمعالجة هذه الصعوبات الناتجة عن صمود المقاومة وما ستفعله المقاومة بها. اما عمل الجيش الإسرائيلي في عدوانه على غزة فهو يطبق (استراتيجية التركيز) التي كما قررها هرتزل في منتصف القرن التاسع عشر تقوم على دفع السكان أصحاب الأرض وإجبارهم على ترك أرضهم. وحشرهم أو تركيزهم في منطقة ضيقة بعيدة كي تتاح الأرض المنزوعة من أهلها لتكون أرضاَ للاستيطان، وهذا ما يرتكبه الجيش الإسرائيلي بتدمير أسس الحياة في القطاع ودفع سكانه إلى الجنوب، إلى الحدود مع سيناء. و يستمر الاجرام الإسرائيلي يقصف ويقتل ويدمر ويرتكب الإبادة الجماعية لتحقيق أهداف استراتيجية التركيز، تركيز السكان الأصليين في منطقة ضيقة بعيدة و الإستيلاء على أرضهم للإستيطان.

‏أمريكا من جهتها تؤيد حرب إسرائيل في غزة وتدعم تحقيق أهدافها مع بعض التصريحات الإنسانوية التي لا تعرقل العدوان الصهيوني. ومع تأييدها لهدف إسرائيل لإنهاء المقاومة (حماس) أو أضعاف قوتها العسكرية، فإن أمريكا ترى مستقبل غزة والفلسطينيين ضمن تسويه شاملة تعيد رسم المنطقة بحيث يكون لا مكان فيها لدول أو كيانات معادية او مهددة للسياسة الأمريكية، و تكون خطيرة على إسرائيل. ويعتمد هذا الرسم للمنطقة على تعاون و تحالف الدول العربية الاساسية مع إسرائيل وأمريكا كي لا يكون هناك دور لإيران أو نفوذها. وكل ذلك يروج على وعد إمكانية تحقيق ازدهار اقتصادي وتنمية توفر حياة جيدة للشعب الفلسطيني ولشعوب المنطقة… و علينا أن نتابع كي نرى كيف سترسم أمريكا شكل وهوية المنطقة، وهل ستنجح بتحقيق ما ترى أن الفوضى التي خلقتها ستلد كجوهر للمنطقة وهوية لبلدان ودول المنطقة العربية وفق هذه التسوية..

‏الإحساس العميق لأي متابع يعرف يقينا أن (الحقيقي) في قوة الحماس و في إنجاز طوفان الأقصى هو الدور القيادي و التمويلي والتسليحي الإيراني. كذلك فإن الحقيقي حول حزب الله والفصائل العراقية والحوثيين هو ارتباطهم ولاؤهم لإيران. ولكن ومنذ إنطلاق إسرائيل وأمريكا لاستثمار طوفان الأقصى بأقصي طاقتهما اتخذت طهران مواقف تجنبت فيها الصدام المباشر كما جنبت حزب الله الحرب الواسعة، وحصرت فعل الفصائل العراقية ضمن نطاق لا يؤدي للصدام الكبير والمفتوح. حلفاء إيران يجدون هذه المواقف حنكة إيرانية تجنبها وتجنب المنطقة الانفجار. اما منتقدوها فيرون ان طهران تتفاوض مع أمريكا سرا ويجري التفاهم بينهما على حدود اتساع الحرب، وربما يكون هذا مقدمة لحصول إيران على مكاسب لنفوذها ضمن التسوية الشاملة التي ستنجز نتيجة الحرب على غزة.  فما الحقيقي في كل ذلك؟؟ وماذا يعني تجاه شعوب و دول المنطقة العربية..

‏الحقيقي في موقف الدول العربية تأييدها للشعب الفلسطيني وتقديرهم للصمود المذهل لأهل غزة. كذلك فإن من الحقيقي للدول العربية دعمها الإعلامي والدبلوماسي والإنساني لما فعلته و تفعله حماس، مع استبدال اسمها (حماس)  بصفتها (المقاومة). الدول العربية بمعظمها تغص بحقيقة أن المقاومة في غزة يقوم بها الإخوان المسلمون ممثلين بحماس. والعقده التراجيدية أمام العرب أنهم يتخوفون من جماعة الإخوان المسلمين ويعتبرونها (إرهابية) بينما هم مضطرون علناً لتأييد ما تفعله ضد وبمواجهة العدوان الإسرائيلي. بالفعل هو موقف تراجيدي يستلزم حلا تبادر إليه الدول العربية للتطبيع مع الأخوان المسلمين وفق تعهدات من الجماعة تجاه الدول العربية. أو يستلزم مبادرة من الإخوان تقنع الدول العربية أنها جماعة دعوية في الداخل العربي ومقاومة تجاه إسرائيل. ومع قوة هذا الموقف التراجيدي فهو حقيقي ولابد انه يؤثر في (تشكيل استراتيجية عربية تسعى لحفظ الهوية العربية في إطار التسوية التي يجري إنتاجها بناءا على حرب غزة)، وإذا كانت السعودية هي القادرة على قيادة المصلحة العربية فإن المنتظر أن تقيم المملكة شكلا من التفاهم بين الدول العربية يكون الطرح العربي متفق عليه ومنسقا بين دولهم بما يشكل قوة على طاولة التسوية الشاملة القادمة. هل تبادر المملكة؟؟؟ وهل تستجيب الدول العربية؟؟؟ وهل يقدر الحكام العرب أن تفاهمهم ضرورة لبقائهم ولإنقاذ المصلحة العربية في مستقبل المنطقة.

‏كما يقال. ‏عندما تغلى الماء لا يمكننا رؤية ما بداخلها حقيقة ونضطر للإكتفاء بالواضح الظاهر. ولكن و لضمان مصلحة شعوب دول المنطقة العربية لابد من التقاط الحقيقي فيما يجري. للسعي في تحصيل حقوقنا الوطنية والقوميه. ولا يجوز لنا أن ننتظر حتى يبرد الماء لأن الجميع يحضر لتقاسم منطقتنا. ولا يجوز أن تترك الساحة لهم بأي شكل .

‏حاولنا ونحاول دائما إلتقاط الحقيقي فيما يجري دون ان نهمل الواضح من وهج الحرب. نحن حاولنا و نحاول ولكن النجاح او الفشل بذلك تظهره الأيام وتوضحه نتائج الحرب في غزة العسكرية والسياسية.. المهم أن لا يفوتنا الحقيقي و ألا  يغشنا الواضح بوهجه للنهاية.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى