تحول إصلاحي: الدلالات السياسية لفوز روحاني برئاسة إيران (سوزان مالوني)

 


سوزان مالوني*

عرض: طارق راشد عليان **

قد يكون من السهل أن نفهم لماذا أيّد الجمهور الإيراني حسن روحاني في الانتخابات ليكون رئيسا. أما الشيء الأقل وضوحًا، فهو السبب وراء سماح آية الله علي خامنئي بتمرير هذه النتيجة. هناك تفسير واحد فقط، مفاده أنه يريد تجنب تكرار ما حدث في عام 2009. وهناك سبب آخر – يفسِّر على نحو أفضل الموقف المتساهل تجاه حملة روحاني الحادّة – هو أن آية الله على استعداد لتمكين شخص توافقي يستطيع إصلاح علاقات إيران المتوترة مع العالم، والسير على طريق يساعدها في تخطي كارثة اقتصادية، وذلك بحسب ما نشرته مجلة "فورين أفيرز".
قبل أربع سنوات، بعد إعادة انتخاب مشكوك فيها للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، امتلأت الشوارع الإيرانية بالمتظاهرين المطالِبين بمعرفة ما حدث لأصواتهم. في نهاية هذا الأسبوع، أخيرًا حصل الناخبون على ما يريدون. ومرة أخرى، نزلوا إلى شوارع البلاد، واحتشدوا فيها. ولكن هذه المرة كانت مختلفة، حيث نزلوا إلى الشوارع ليحتفلوا إثر إعلان الحكومة فوز حسن روحاني بالرئاسة باكتساح. وكان البرنامج الانتخابي لروحاني يعد المواطنين بالإصلاح، وإعادة الانفتاح أمام العالم.
وفي تحليل لمجلة الفورين أفيرز، رأت سوزان مالوني، زميل أول في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينجز، انتخاب روحاني، وهو رجل دين وسطي كان على مقربة من قمة السلطة في إيران منذ ثورة عام 1979، بمثابة نهاية غير متوقعة لعصر أحمدي نجاد. وروحاني براجماتي حاد يمتلك الكثير من الخبرة والقدرة على المناورة داخل النظام الإيراني الثيوقراطي، وهو أبعد ما يكون عن الانغماس في رغبات الاستيلاء على السلطة مثل أحمدي نجاد. وبصفته رجل دين، فإنه يهدّئ من مخاوف الطبقة المتدينة في الجمهورية الإسلامية.
الخطاب الإصلاحي لروحاني
ركز روحاني في حملته على الخطاب الإصلاحي، لكنه لن يحيد بعيدًا عن مبادئ النظام، والتي من أهمها سيادة المرشد الأعلى. وفي الأثناء، لا يزال تركيز روحاني على التكلفة الاقتصادية لسوء إدارة أحمدي نجاد يتردد صداه بين المتمسكين بالتقاليد داخل النظام والشعب الذي رزح لصعاب وضغوط على مدى عقد من الزمان. وإجمالاً، يمكن أن يستفيد الرئيس الجديد من قاعدة دعم أوسع نطاقًا أكثر من أي رئيس آخر في تاريخ إيران ما بعد الثورة، وهو ما سيشكّل رصيدًا مهما في سعيه للخروج بالبلاد من العزلة والأزمة الاقتصادية.
وبالحديث حول الانتخابات، بدا فوز روحاني بعيد الاحتمال. قيل إن المرشح المفضل للمحافظين هو سعيد جليلي، ذلك البيروقراطي التّقي المتزمت الذي عُيِّن رئيسًا للمفاوضين النوويين منذ ست سنوات. وكان أهم مؤهل لتولي جليلي المنصب هو منزلته كـ "شهيد حي" (حيث فقد ساقه في الحرب مع العراق)، وجبهته متغيرة اللون (من كثرة الصلاة)، وولاؤه لآية الله علي خامنئي على مدى السنوات العشر الماضية. لذا، من السهل أن نفهم لماذا كان يُنظر إلى جليلي كأحد المرشحين الرئيسيين، فهو نسخة محسَّنة من أحمدي نجاد، متشدد لجيل أكثر شبابًا يتفاخر بالالتزام الكامل بالمثل العليا للثورة. ولكن نظرا لسجله الوطني المحدود، سيكون خاضعًا تمامًا لخامنئي.
على النقيض من ذلك، لم يلفت روحاني في البداية اهتمام الكثيرين داخل إيران، وكان الاهتمام به أقل خارجها، على الرغم من حصوله على اعتمادٍ ضمنيٍّ من علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وسيط السلطة السابق لإيران. ونظرًا لعدم حصول روحاني على شعبية كبيرة حتى في إيران في الوقت الراهن، ولأن المتشددين قلّلوا من شأن روحاني في القضية النووية، فقد بدت التوقعات بفوزه قاتمة. علاوة على ذلك، وفي حال حصول حملته على دفعة بشكل غير متوقع، بدا أن المتشددين لن يتورعوا عن فعل أي شيء لتحييد تهديدٍ محتملٍ.
على الرغم من ذلك، تقول سوزان مالوني: كان من السهل في وقت لاحق أن نرى أن روحاني يتمتع بمجموعة من المزايا الخاصة. أولا: كان الخطاب الانفعالي الحاد لحملته إحدى الميزات، فقد تكلم ضد الخطوط الحمراء للنظام، على سبيل المثال، من خلال الوعد بإطلاق سراح السجناء السياسيين. وفي إشارة واضحة إلى مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، وهما المرشحان الإصلاحيان اللذان اعتقلتهما السلطات الإيرانية بعد انتخابات عام 2009، قال إنه سيطلق سراح جميع أولئك الذين لا يزالون تحت الإقامة الجبرية.
ودخل روحاني في جدال حماسي مع رئيس حملة جليلي، وتجاوز وسائل الإعلام الحكومية عن طريق نشر فيديو مثير ألقى من خلاله الضوء عن تجربته أثناء الحرب مع العراق (كان يشغل منصبًا في مجلس الدفاع الأعلى، وكان عضوًا في المجلس الأعلى لدعم الحرب، وكان قائدًا لقوة الدفاع الجوي الإيراني، وغيرها من الأدوار) وكذلك دوره في المفاوضات النووية (كان كبير المفاوضين النوويين لإيران 2003-2005). أشعلت حملته المغامرة حماس السكان الساخطين الإيراني، الذي بدأوا حشد المسيرات له في نهاية المطاف.
كما استفاد روحاني من تحالف غير مسبوق بين حركة الإصلاح المحاصرة في إيران، وحركة يمين الوسط التي ينتمي إليها كل من روحاني ورفسنجاني على وجه العموم. يعود الانقسام بين الفصيلين إلى السنوات الأولى للثورة، وتعمَّقَ أكثر بعد فوز الإصلاحيين بالسلطة عام 1997، عندما انتُخب محمد خاتمي، حامل لواء حركة الإصلاح، رئيسًا، محقِّقًا مفاجأةً كبرى. ومن خلال التحالف مع يمين الوسط الآن، حصل الإصلاحيون على مسار للخروج من التصحر السياسي الذي ضعف منذ نهاية رئاسة خاتمي. ومن خلال التحالف مع الإصلاحيين، وانسحاب المرشح الإصلاحي الوحيد المعتمد، محمد رضا عارف، من السباق، حصل روحاني على قوة دفع تصويتية. على النقيض من ذلك، كان المعسكر المحافظ لا يزال منقسمًا خلف عدة مرشحين، ولم يقف أبدًا وراء مرشح واحد. وإذا كان قد تمكن من ذلك، فلربما على الأقل وجدنا هناك جولة إعادة.
وترى الباحثة مالوني المختصة في الشأن الإيراني أن أقوى ميزة لروحاني كانت هي التعاسة المريرة للشعب الإيراني، الذي شهد انهيار عملته، وعودة تدابير التقشف التي لم تشهدها البلاد منذ الحرب بين إيران والعراق، وتآكل الحقوق والحريات على مدى السنوات الثمانى الماضية. وتؤكد حقيقة استعدادهم للأمل مرة أخرى، حتى بعد خيبة أمل سُحقت في انتخابات 2009، التزامهم الملحوظ بالتغيير السلمي والمؤسسات الديمقراطية.

لماذا سمح خامنئي بالنتيجة؟

كل هذا قد يفسر الإقبال الهائل على يوم الانتخابات، وانتصار روحاني الساحق. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يفسر أسباب تجنب خامنئي المغالطة التي أحاطت بتصويت عام 2009 ، ولماذا ترك النتيجة على ما هي عليه. هناك تفسير واحد، بحسب مالوني، هو أن آية الله قد انتابه سوء تقدير للأمور، ووجد نفسه مرة أخرى مأخوذًا بالأحداث، عندما تقدم روحاني بدون إنذار مسبق. في الواقع، من المرجح أن خامنئي نفسه قد توقع تصويت الإيرانيين لصالح المحافظين. وبرغم كل شيء، كان المحافظون يمتلكون كل الأوراق في إيران منذ عام 2005، فهم يهيمنون على مؤسساتها، ويملون شروطهم على أي نقاش. ومع حبس سجناء الرأي من الإصلاحيين الرائدين، أو نفيهم، لم يتوقع أحد أنه يمكن إحياء قوى التغيير بقوة على هذا النحو. وعندما لم تصدق توقعاته يوم الجمعة الماضي، من الممكن أن خامنئي لم يرد ببساطة المجازفة، وتكرار سيناريو عام 2009.
وهناك احتمال آخر، وفقًا للباحثة، يفسر بصورة أفضل موقف خامنئي المتساهل بشكل غريب تجاه حملة روحاني الحادة، والحوار الاستثنائي الذي جرى بين مرشحي الرئاسة الثمانية المتبقين على التليفزيون الرسمي، قبل أسبوع من الانتخابات. ففي تلك المناقشة، تحوّلَ تبادل الآراء حول قضايا السياسة الخارجية العامة بشكل غير متوقع إلى تمرد بشأن القضية النووية. فقد قام أحد المرشحين المحافظين، وهو علي أكبر ولايتي، بمهاجمة المرشح جليلي لفشله في التوصل إلى اتفاق نووي، والسماح بزيادة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
وقالت سوزان مالوني إن المناقشة الصريحة المثيرة للدهشة التي أعقبت الاتهامات الموجهة لولايتي قد تجاوزت وعي المؤسسة الإيرانية بالمخاطر المتزايدة التي تحيق بالنظام. ويمكن حسبان هذا النقاش نوعا من التدخل والاعتراض على أي مناقشة بدأها الأنصار المخلصون للنظام، والهدف منها إنقاذ النظام من خلال الاعتراف بالمشكلات غير المستقرة، والانجذاب نحو البراجماتية السياسية (بدلا من الدوجماطيقية التي يعبر عنها جليلي). وكان النقاش أيضاً اعترافا بأنه لم تعد هناك فرصة للتخفيف من مآسي العقوبات المفروضة على الشعب الإيراني بالكبرياء النووية، أو حتى شعارات القومية الدينية.
ولذلك، من الممكن أن نتصور، والكلام للباحثة، أن كل شيء كان مخططا له سلفًا، ومن ضمنه ذلك السخاء غير المتوقع لخامنئي، ومناشدته في اللحظات الأخيرة لكل الإيرانيين المشاركة في التصويت، حتى أولئك الذين لا يؤيدون الجمهورية الإسلامية. في هذه الحالة، فإن أولئك الذين يرون في انتخاب روحاني إعادة للاضطراب السياسي المروّع الذي عطله خاتمي في عام 1997 مخطئون، برأي سوزان مالوني.
ورأت الباحثة انتخاب روحاني صدىً لتحول خامنئي المفاجئ في عامي 1988 و1989، عندما اتهم رفسنجاني البراجماتي بإنهاء الحرب مع العراق، ثم ساعد رفسنجاني في الفوز بالرئاسة ليتمكن من صدارة برنامج إعادة الإعمار بعد الحرب. وما أشبه الليلة بالبارحة، فخامئني ليس عازمًا على التضحية بلا حدود، ولعله سمح بانتصار روحاني، حتى يكون مطيّة لتمكين رئيس توافقي يعمل على إصلاح علاقات إيران المتوترة مع العالم، والتوصل لبعض الحلول بشأن النزاع النووي، بما يمكّن البلاد من إنعاش صادرات النفط، واستئناف التجارة العادية، على حد قول مالوني.

الطريق ليس ممهدا أمام روحاني

وهذا لا يعني، بالطبع، أن روحاني سيخوض طريقا معبَّدًا – كما تقول مالوني- ، إذ يتعيّن عليه انتزاع دعم المتشددين، والحصول على دعم مستمر ضمني على الأقل من خامنئي. ولعمل ذلك، سيكون عليه التغلب على عشر سنوات من الاستياء والسخط. وخلال الفترة التي قضاها في قيادة المحادثات النووية، اتخذ روحاني قرار التنازل الخطير الوحيد الذي عرضته الجمهورية الإسلامية بشأن طموحاتها النووية، ألا وهو تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم التي كانت قد انتهت لتوها، قبل تولي أحمدي نجاد السلطة لعدة سنوات. كانت نتيجة هذا القرار أن روحاني لم يسلم من غضب المتشددين، بمن في ذلك خامنئي الذي وافق على الصفقة، لكنه شنّ هجومًا حادًا ضد الدبلوماسية النووية ـ لروحاني في وقت قريب من الصيف الماضي علنًا.
ومع ذلك، وحتى وقتنا هذا، ينظر العديد من الإيرانيين بإعجاب إلى قدرته على صياغة صفقة قابلة للحياة مع العالم بشأن القضية النووية. وبالتالي، تؤكد عملية انتخاب روحاني إمكانية حدوث تحوّل تاريخي في طريقة تعامل إيران مع العالم، والملف النووي في المستقبل القريب. وللتغلب على الكراهية القديمة لدى المحافظين، والمضي قُدُمًا في أجندته للتغيير في الثقافة السياسية الإيرانية المكيافيلية، سيتحتم على روحاني الحصول على دعم واضح وثابت من خامنئي، وهو الأمر الذي فعله المرشد الأعلى لرئيس واحد خلال فترة ولايته على مدى 25 عامًا، وهو أحمدي نجاد في ولايته الأولى.
في الوقت نفسه، أكدت الانتخابات لواشنطن تأكيدًا صارخًا بأن استراتيجيتها تؤثر في إيران، على الأقل إلى حد ما. كما أكدت نتيجة الانتخابات أن الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق نووي موجودة داخل الجمهورية الإسلامية. وحتى مع وجود رئيس أكثر اعتدالًا في سدة الحكم، لن تُحل القضية النووية بسهولة، ولا يزال المشهد السياسي المنقسم لإيران على تعقده. وسوف تحتاج الولايات المتحدة إلى التحلي بالصبر للتغلب على عقدة الارتياب عميقة الجذور (وليس غير المبررة تمامًا) لدى صناع القرار النهائي في إيران.
على سبيل المثال، سوف نحتاج إلى فهم أن روحاني سيكون بحاجة إلى أن يثبت للإيرانيين أنه يمكن أن يأتي بثمار ملموسة من خلال المبادرات الدبلوماسية. وهذا يعني أن على واشنطن أن تكون مستعدة لتخفيف العقوبات بشكل كبير مقابل الحصول على أي تنازلات بشأن القضية النووية. وعلى واشنطن أن تفهم أيضًا أن روحاني قد يواجه قيودًا حقيقيةً في السعي إلى حل النزاع النووي، دون تفاقم انعدام الثقة من جانب المتشددين. وخلال كل ذلك، يتعيّن على إدارة الرئيس أوباما أن تمضي قدما بحذر، حيث إن الظهور بمظهر المتعجل سوف يقلل من موقف روحاني داخليًا.
وتخلص الباحثة إلى القول إن الطريق للخروج من العزلة الدولية والأزمة الاقتصادية محفوف بالمخاطر، ولكن الرئيس الإيراني الجديد، الذي يُطلق عليه أحيانًا "شيخ الدبلوماسية"، قد يكون الرجل المناسب في اللحظة المناسبة لتسيير الأمور.

*خبيرة الشئون الإيرانية في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينجز.
** باحث في العلوم السياسية.


مجلة السياسة الدولية (تصدر عن مؤسسة الأهرام المصرية)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى