تسلف الإخوان … النزوع إلى المحافظة (حسام تمام)

 

حسام تمام


يؤرخ بقضية سلسبيل السنة 1992 لبداية استراتيجية المواجهة بين النظام المصري وحركة الإخوان المسلمين، فالحركة التي تمتعت طوال عقد ونصف في عهد مبارك، بحرية نسبية في ممارسة العمل العام، بدأت تواجه متابعة مستمرة حاصرت وجودها تدريجيا في معاقلها الرئيسية في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية وتقلصت حظوظها في المشاركات الانتخابية قبل أن تلاحق مؤسساتها الاقتصادية، ومصادر تمويلها. ومع منتصف التسعينيات وتوقف المواجهات بين النظام والجماعة الإسلامية، كان المجال السياسي قد أحكم تماما باتجاه منع الإخوان من الاستمرار في استراتيجية التمدد والمشاركة.
لم ينكسر أفق العمل العام تحت وقع تجدد ضربات النظام كما في الحالة الناصرية؛ فالمشهد الثقافي والفكري الفقهي أيضاً (مع القرضاوي والغزالي) خلال ما يقرب من عقدين ونصف كان يسير في اتجاه حماية أطروحة المشاركة بسياج من الاجتهادات التي وإن كانت تعقب الوقائع على الأرض ولا تسبقها غالبا إلا أنها شكلت سداً منيعاً أمام أي محاولة من الانسحاب من العمل العام، سواء من داخل الإخوان أو استجابة لنقد من خارجهم. فأفتى يوسف القرضاوي بأن الأحزاب في السياسة كالمذاهب في الفقه، ونظم محمد سليم العوا أمر غير المسلمين في الدولة الإسلامية، وحل طارق البشري مشكلة المواطنة الكاملة، وحل فهمي هويدي مشكلة الأقباط باعتبار أنهم "مواطنون لا ذميون".
وكان محمد الغزالي صخرة ضد "الفقه البدوي"، وكتب عن المرأة المسلمة. لكن مع منتصف التسعينيات كان أغلب هؤلاء قد غاب تأثيره (توفي الغزالي وجاد الحق والشعراوي وخالد محمد خالد، وأيضاً عادل حسين لاحقاً)، أو تراجع حضوره (مثل البشري والعوا وهويدي) قبل أن يتحول هؤلاء لاحقاً إلى أطراف إلى أطراف في التعقيدات المرعبة التي انفتح عليها المشهد المصري وعلى رأسها المسألة الطائفية.
ضعف الإخوان
يضاف إلى التعقيدات الإقليمية التي أعقبت حرب الخليج الثانية بحيث تشظت الحركة الإسلامية ما بين مؤيد لصدام ومعارض له، وعلا الخلاف فيما بين فروعها في الدول، فكان عاملا اّخر في ضعف المركز الإخواني المصري ونمو تأثير الفروع الخليجية لا سيما في الكويت.
لقد أدى ضرب الإخوان ومحاصرة وجودهم في النقابات والاتحادات الطلابية والجمعيات ومصادرة مؤسساتهم الاقتصادية؛ وتضرر الشبكات المجتمعية المرتبطة بها؛ ثم أخيراً محاصرة المساجد، أدى على جانب عوامل أخرى، إلى تراجع تزامن مع انفتاح المشهد الديني المصري على فواعل جديدة وأخرى كامنة شكلت السلفية أهمها. فسطع نجم مدرسة الدعوة السلفية في الإسكندرية، وعمر عبد الكافي شحاتة في جامع أسد بن الفرات في القاهرة. وتلتهم مرحلة الدعاة الجدد الذين استفادوا من شيوع البث الفضائي بدءاً من النصف الثاني من التسعينيات.
ثم اتسع المشهد تدريجياً باتجاه نمو الوجود السلفي في المساحات التي تراجعت فيها الاطروحة الإخوانية: فبقيت المساجد السلفية ورموزها الذين ضاعفوا عملهم الدعوي في غياب واضح لدعاة مؤهلين ينتمون للإخوان بعد أن كانت السياسة قد استهلكتهم. ثم اتسعت اللائحة لاحقا فظهرت حركات إحياء للتراث وشبكات مساجد ومؤسسات اقتصادية متوسطة ثم استثمارات في البث الفضائي الذي أصبح سلفياً بامتياز أيضاً.
حين زاد الطلب على التدين والمعرفة الدينية بدا أن القاعدة الاجتماعية للجماعة الإخوانية وجمهورها المفترض صار يميل إلى المحافظة؛ والاقتراب من الأطروحة السلفية تماشياً مع المزاج الديني للمجتمع المصري لا سيما من جيل التسعينيات ممن انضموا إلى الحركة في ظروف وسياقات اتسمت بزيادة الإقبال على المعروض السلفي والنزوع نحو المحافظة؛ وهذا يعني أن التغييرات الجديدة في الجماعة إنما تمثل بشكل ما تلبية لطلب واسع في المجتمع المصري على المحافظة وليس بالضرورة انقلاباً ضد التوقعات المنتظرة.
لا عجب أن تظهر رموز سلفية إخوانية جمعت بسلاسة بين التركيبتين أمثال محمد حسين عيسى القيادي التاريخي في الإسكندرية وجمال عبدالهادي الأستاذ في جامعة الأزهر وعبدالخالق الشريف المسئول البارز في قسم الدعوة.
تحولات التثقيف والتنظيم والايدولوجيا
هكذا، لم يكن الانقسام الذي حصل في الحركة الإسلامية الناشئة العام 1976 بسبب مسألة الانضمام إلى جماعة الإخوان قد وصل إلى درجة الحدة؛ فالسلفية التي ثبتت أقدامها في منظومة الإخوان ستظل كامنة إلى أن تستفيد من انفتاح المجال الديني المصري على فاعلين وأدوات بث وانتشار على النحو الذي ذكرنا. وهي في هذه المرة ستعيد ملء الفراغ الإخواني في المناطق السابقة نفسها: في ميدان التثقيف التأطير، وعلى المستويات التنظيمية، وبالنتيجة، في استجابات الحركة الإخوانية أيديولوجياً.
مستل من كتاب تسلف الإخوان … تآكل الأُطروحة الإخوانية وصعود السَّلفية (مكتبة الإسكندرية 2010)، تأليف: حسام تمام (باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية، توفى 26 أكتوبر 2011). ولتمام أيضاً كتابيّ: "مع الحركات الإسلامية في العالم – رموز وتجارب وأفكار" "تحولات الإخوان المسلمين تفكك الأيدولوجية ونهاية التنظيم".

   ميدل ايست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى