غير مصنف

حكيم مرزوقي: الجار الثامن

سامر محمد اسماعيل

حكيم مرزوقي التونسي الذي شارك في تأسيس المسرح السوري، سمّى مسرحه الرصيف لأنه ينتمي إلى الهامش لا إلى المتن ويجد أن مسرحاً يفتقد إلى الأندر غراوند أي العالم السفلي، ماذا يبقى للمسرح إذن، أن يأكل من ثدي التلفزيون.

يشرد حكيم مرزوقي (تونس ـ 1966) في تمثال ابن خلدون المنتصب آخر شارع (الحبيب بورقيبة)، مديراً ظهره لبحر قرطاج ووجهه نحو المدينة؛ متذكراً جدّه في سيارة الأجرة التي تقلنا نحو حانة (الجدار الرابع) في العاصمة التونسية فيقول: «هذا الشارع (حق المرزوقي) سُمّيَ على اسم جدّي الشهيد الذي قتله الفرنسيون شر قتلة؛ بسبب إقدامه على حرق محاصيل قمحهم قبيل الحصاد، وبطريقة قيل إنها شنيعة، إذ كان جدي يصيد سمان الجرذان (يحمّمه) بالبنزين ويلقي بالحيوان الصغير كتلةً من لهب تركض مذعورةً بين السنابل اليانعة. الآن أركض مذعوراً في الشارع الطويل الذي سمّيَ باسم جدي الشهيد وقد امتلأ بالجرذان السمان!».

يضحك الكاتب المسرحي مشعلاَ لفافة تبغه؛ وهو يدلنا نحو الحانة؛ المكان المفضل لديه للقاء الندماء والأصدقاء؛ فبعد عودته من دمشق عام 2012 والتي درس في جامعتها الأدب العربي ممضياً فيها قرابة ربع قرن؛ قضاها في تأليف المسرح وإخراجه والكتابة للصحافة؛ هاهو صاحب مسرحية (قلوب ـ 2008) يستعيد الأمكنة في بلاده بعد غياب؛ مستذكراً بحرقة مسارح دمشق وحاناتها ومقاهيها: (القباني، العمال، الفريدي، القنديل، نادي الصحافيين، اسكندرون) وأمكنة عديدة كان مؤسس فرقة (الرصيف) قد حفظها عن ظهر قلب قبل أن تجبره الحرب على ترك بيته في حي (صحنايا) في الريف الغربي للمدينة: «كيف لا أتذكر دمشق التي سمعتُ يوماً في شوارعها مكبّر صوت ينبعث من سيّارة لدفن الموتى يصيح في المشيّعين بعد أن قطع أدعيته على حين فجأة: (اطلعوا على الرصيف يا جماعة، ما معنا فرام، اللّي بيموت بيروح من كيسه). ثمّ عاد وبتكنيك لافت إلى مزاولة مهنته التي نخشاها ونحتاج إليها ـ غصباً عنّا في آخر صفحة من حياتنا؛ أذكر وقتها كيف عدتُ إلى بيتي الذي كان يتوسّط مقبرة الدحداح ويحاصره موت كثير؛ وعكفتُ يومها على كتابة مسرحيّتي (إسماعيل هاملت ـ الجائزة الذهبية قرطاج 1997) والتي كان بطلها مغسّلاً للأموات بعد أن كان مكيّساً في حمّام السوق في رحلته القدريّة لقراءة الجسد الإنساني حيّاً وميّتاً».

تكشف شخصية (إسماعيل) ـ كما يخبرنا الكاتب التونسي عن «كلّ خفايا وأسرار الجسد المُسجّى أمامها من وشم وعجز واستعلاء، تحاور أصحاب تلك الأجساد الذين جاؤوا فقط كي يموتوا؛ لقد كان (إسماعيل) يشاكسهم وينتقم منهم وهم في عليائهم، أمّا التقاطع مع (هاملت) شكسبير فلا شيء هكذا سمّاه صديقه المسرحي ثم مات من دون أن يشرح له ذلك. على كل حال كان هذا تآمر بين الكاتب والمتلقّي حول الشخصية، وربما لأنه جاء هذا اليوم ليغسّل جثّة عمّه الذي ظلمه كثيراً».

يدعونا المرزوقي إلى تناول نبيذ (ماغون) ثم يردف: «أقول اليوم لنفسي بعد مضيّ ما يقارب العقدين من الزمن على تلك المسرحيّة التي طافت بلاد العالم: شكراً لذاك الصوت المنبعث من سيّارة دفن الموتى ذات يوم دمشقي فقير وبائس؛ وذات رصيف حنون ودافئ، شكراً لكلّ أصدقائي الرّصيفيين ـ الأحياء منهم والأموات، الطيبين منهم والأوغاد ـ أكرههم أحياناً لأنّهم دفعوني للكتابة رغماً عنّي».

الرصيف

نسأله عن سبب تسمية فرقته (الرصيف) التي كوّنها عام 1996، بالتعاون مع المخرجة رولا فتال، ليقدّم العديد من الأعمال المسرحية، وينتزع أهم الجوائز في مهرجانات عربية ودولية، كان أبرزها جائزة مهرجان بروكسل للفنون المسرحية عام 1998، وجائزة مهرجان (ليفت) بلندن عام 1999: «(الرصيف) هامش في صفحة مكتظّة اسمها المدينة، صفحة تزدحم فيها خطوات المسرعين إلى حتفهم. فالرصيف ضفّة نهر معدني نقطعها مراراً خائفين ومذعورين كالفئران تحت الزمامير والصّافرات والأضواء. أعرف فتاة دهستها دابّة معدنيّة لأنّها كانت تعبر من رصيف إلى رصيف لأجل معانقة حبيبها المنتظر والمتغيّب منذ سنوات».

إذاً هو الرصيف الذي غنّى له يوماً (جاك بريل) و(لوي فيري) و(فرانك سينترا) وفيروز ـ يضيف (المرزوقي): «وحده الرصيف يحفظ أرقام أحذيتنا ودموعنا وتيهنا، هو من أحجار صبورة بينما الطريق من زفت قاس وعديم الإحساس. ولهذا وقفتْ فوق ذلك الرصيف (عيشة العانس) ـ بطلة مسرحيتي؛ أجل وقفتْ زُهاء ثلاثين عاماً بوردتها الحمراء تنتظر حبيبها الذي وعدها على السّاعة (تنتين ونص) لتهرب معه خطيفة، ولم يأتِ، لكنّه سوف يأتي، وربما جاء ولم تنتبه.. هكذا كان يقول لها الرصيف»!.

الرصيف خلق العديد من الشخصيات التي كتبها المرزوقي، منتشلاً إياها من ضحالة الواقع وقتامته إلى ضوء الخشبة ورطوبتها الحنونة، فماسح الأحذية (أبا عرب) بطل مسرحيته (حلم ليلة عيد ـ 2006) عرف كيف يقرأ الآخرين من خلال (كنادرهم) وكيف عليه أن لا ينظر إلى الأعلى كثيراً ـ يشرح المخرج التونسي معقباً: «الرصيف نبّه (صلاح صلّوحة) الورّاق الأشهر في الشام ـ كيف يقرفص مثقّف حقيقي على الأرض ويلتهم صفحات من كتاب لا يمتلك ثمنه الزهيد في غفلة منه ومن الزمن، أجل.. كنّا نلوم دمشق على ضيق أرصفتها، فأصبحنا اليوم نشكرها على ذلك لأنّها دائماً كانت تسمح لنا بالمكاتفة والتحيّة والعناق».

اتخذ المرزوقي في عروضه المسرحية من الذين يفترشون الرصيف بيتاً وعالماً وفضاءً معرفيّاً كما هو الحال في مدينة باريس، حيث اصطلح الناس على تسميتهم بـ(الكلوشار) نسبة إلى (سانت دي كلوش)، الفرنسي النبيل الذي كان يجمعهم كعروة الصعاليك في تكيّة خاصّة ويقدّم لهم وجبة من الحساء والكونياك الشعبي لمقاومة قسوة البرد وأصحاب السطوة الماليّة ـ يخبرنا الرجل الذي نال درجة الماجستير في الأدب من جامعات باريس وبروكسل: «هؤلاء صاروا اليوم معلماً من معالم عاصمة الثقافة والتنوّع وصار واجباً على السائح القادم إلى باريس، أن يقدّم لهم بعض النقود مقابل أن يلتقط صورة إلى جانبهم مع غيتاراتهم وكلابهم وشعورهم الحرّة ومفرداتهم النّابية، ولكن عندما اضطرّت البرجوازيّة الغربيّة إلى الارتفاع بعماراتها إلى السماء، احتاجت إلى الممرّات والسراديب والدهاليز تحت الأرض، فسكنها أناس العالم السفلي ليلاً وخرجوا إلى الأرصفة نهاراً؛ فنشأت ثقافة (الأندر غراوند)، التحتيون بكلّ معاناتهم وصرخاتهم التي يفترسها الزحام. لقد أنشأت هذه الثقافة أسماء كثيرة في عالم الموسيقى والمسرح والرسم والشعر والغناء، واقتحم بعضهم صالونات الثقافة؛ فمشوا فوق السجّاد الأحمر وتحت الأضواء ومات الكثير منهم كما تموت أوراق الخريف؛ أمّا في عالمنا العربي؛ فلا وجود لـ (أندر غراوند) لأنّه لا وجود لميترو أنفاق وما يمكن أن يرافقه من بنى تحتيّة كالمتاجر وأنفاق الممرّات ومآوي السيّارات؛ أو حتّى الصّرف الصحي.. فلا مكان للمهمّشين غير الأرصفة التي بدأت تضمر وتضيق في مدننا العربية ويقضم منها المستكرشون لمصلحة المتاجر والبنايات وأصحاب السيّارات العريضة».

«الأندر غراوند»

تُرجمت أغلب نصوص مسرح (الرصيف) إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية؛ فمنذ تأسيس الفرقة عمل (المرزوقي) على تحرير المسرحية من رطانتها وبرجزها اللغوي؛ والذهاب نحو (مسرح الحكي) الذي يعمل أدواته في معظمها لمصلحة الممثل، بعيداً عن الحالة التزيينية ومن دون مبالغات في الديكورات أو نوع الإضاءة المستخدمة، بل لتكون هذه العناصر في خدمة الممثل على الخشبة قبل كل شيء، وليكون الخطاب الذي أراده هذا الفنان، منسجماً مع تنظيراته الكثيفة التي يكتبها باطراد في الصحف العربية: «كيفما كنتم يُمسرح عليكم، المسرحي العربي اليوم مهدد في مهنته، كون السياسي هو المنافس الأول له، هذا السياسي يقف اليوم فوق مسرح هائل تُضخ له الأموال وتسخّر له حملات الدعاية، كمسرحي أتساءل ما الذي يمكن مسرحته؟ وحالك كحال فنان الكاريكاتور الذي يرسم بناءً على حساسيته اتجاه المفارقات والمبالغة، الآن نعيش عصراً مليئاً بهذه المبالغة، فكيف لك أن تبالغ اتجاه المبالغة نفسها؟ فكرة الدراما نتجت عن فكرة التعدد التي أدت بدورها إلى النزاع، إلا أن أية حالة توحيد تلغي الدراما وتحد منها، فالدراما بحد ذاتها صراع بين الإنسان والآلهة، والصراع هنا هو الاختلاف وقبولي للآخر شريكاً فيه، أما نحن في موروثنا وتاريخنا العربي فلم يتحدَّ إبراهيم الخليل الآلهة، بل عندما أمرهُ الإله بذبح ولده إسماعيل مسك السكين وكاد أن يقتله، لولا أن الرب ترفّق به وأرسل له كبشاً فداء لابنه».

فكرة الدراما لدينا منفية وقائمة على التصالح، ونبذ التعددية ـ يعلق صاحب مسرحية (لعي ـ 2003) صابّاً كأساً إضافياً من (البوخا) شرابه التقليدي المفضّل: «إذا أردتُ اليوم أن أقدّم مسرحاً ماذا سأقدم؟ هل أقدّم مسرح المصالحة؟! كأنكَ هنا صحافيٌ يورد خبراً عاجلاً كالآتي: (جاء القطار في موعده)!. أين الغرابة في ذلك؟ المسرح اليوم هو الاختبار الحقيقي للعقل، لقد ولّى زمن التقية المسرحية والترميز والتشفير».

كتب المرزوقي عدة سيناريوهات لأفلام سينمائية منها (مايسترو)، و(الصورة الأخيرة)، و(المراهن)، ورواية بعنوان (سيد الوقت ـ قيد الطبع) كما صَدر له مجموعةٌ شعرية بعنوان (الجار الثامن ـ 2009 ـ كنعان ـ دمشق) وفي هذا الكتاب يستعرض الكاتب التونسي أرشيف المدن التي زارها وقدّم فيها عشرات العروض على خشبات مسارحها؛ فبين برلين وأمستردام وطنجة والقاهرة وبيروت وبغداد ولندن وبرشلونة وروما وحلب تمكن صاحب مسرحية (الساعة الأخيرة من ماضي السيدة حكمت ـ 2009) من تحقيق عالمية المسرح كفن عصي على التوطين وفي هذا يقول عن علاقته بالمدن التي زارها: «لا تدخل مدينةً من دون حقيبة ولا تضيّعها فيها، لأنكَ سوف تحتاجها عند الخروج، ولا تبح بأسراركَ لمدينةٍ مسيّجة لأنها سوف تسخر منك، ولا تبحث عن مدينة في مدينة فلن تجدها، لا تنسَ لكنتكَ فيها وليعتد لسانكَ مذاق طعامها قبل لغتها».

عام 2009 قدم المخرج الفرنسي (جان ماكرون) بالتعاون مع الممثل الفرنسي (كريستوف غارسيا) مسرحية (إسماعيل هاملت) باللغة الفرنسية على مسرح (نجمة الشمال) في باريس، فكان حدثاً لافتاً في حياة هذا المسرحي: «انطلقتُ من خصوصية البيئة الدمشقية التي استقيت منها شخصيتي؛ فأنطقت الآخرين بلغات أخرى لأجعلهم يحترمون الكتابة المسرحية العربية، أذكر وقتها كيف دللتُ الممثل الفرنسي (كريستوف غارسيا) على شخصيته؛ حيث قام وقتها (غارسيا) بزيارة خاصة لدمشق للتعرف عليّ وعلى الشوارع التي عاشت فيها شخصية (إسماعيل ـ هاملت)؛ فبعد أن دعوتُه للغداء وتناول كأس من العرق في حانة (اسكندرون) في شارع (العابد) مشيتُ مع بطل مسرحيتي بين أضرحة مقبرة (الدحداح) وسط دمشق وشرحتُ له عن المدينة وأن الشخصية التي سيلعبها هي نتاج مزيج شعبي وتنوع فريد لدمشق التي تعيش في قلب الشرق». ‏

حقق المرزوقي العديد من العروض التي ما تزال في ذاكرة العديد من عشاق المسرح في سوريا والعالم العربي؛ منتصراً لكائنات الهامش لا المتن، مصغياً لعذابات هؤلاء سواء في كتاباته المسرحية أو الشعرية؛ فكانت مسرحيات من قبيل (ذاكرة الرماد ـ 2002)، (الوسادة ـ 2005) بساط أحمدي ـ 2008) وفي هذه الأخيرة تنبأ الشاعر التونسي بما ستؤول إليه حال العالم من نزعات عولمة التطرف ورهاب الشرق كمكان خطر ومصدر للانتحاريين وموجات الإرهاب الدولي المنظم.

هكذا سنعثر في أعماله على أبطال لحكاياته الشعبية الصادمة من مثال: (أبو عبدو اللحام) و(أبو سعيد الباطونجي) لكنه اليوم يرثي تلك الأيام، موجهاً هجاءً مريراً لحال المسارح العربية: «الصراحة أنّي لم أعد أتحمّل (التعتير والشنططة) ـ بلغة العامّة قبل الخاصّة بعد عقدين ونيف من المسرح الخيري والتطوّعي؛ بل الانتحاري في أحايين كثيرة. لن أتشدّق بإنجازات ومساهمات ومشاركات وجوائز وشهادات، فهذا الأمر لم يعد يعنيني لكنني على يقين بأنّ محرّكات البحث الإلكتروني أقوى ذاكرة منّي ومن المهتمّين بالتجربة. لم أستسلم ولكنّي مللت؛ مللت استجداء ساعة بروفة من موظّف يعمل ضدّ المسرح بتفانٍ مدهش، مللتُ رشوة عامل يقطع عنّا الكهرباء في التمارين كلّما قصّرنا في حقّ جيبه ولم ندفع بالتّي هي أحسن من المسرح. مللت تبرير كلّ شيء للجان القراءة والمشاهدة والتعديل والتجريح، أجل مللت الاقتطاع من حليب طفلي ومصروف بيتي كي أحجز مقعداً لـ(ناقد عظيم) يشتمني بعد العرض ويمضي!. مللت ممثّلا يهدّدني بالتخلّي و(اللجوء التلفزيوني) بعد شهر أو ما يزيد في البحث عن وعد بالعرض ومكان للبروفة وراع ـ (سبونسر) يحفظ ويحرس ماء المسرح من إمعان الدخلاء في إهانتهم لعزيز فنّ ذلّ».

رصاصة الرحمة

طال بي هذا المرض العضال، لكنّي لا أحبّ رصاص الرحمة ولا نقود الرحمة ولا مؤازرة الرحمة ولا أن يجوع المسرح فيأكل من ثدي التلفزيون ـ يضيف المرزوقي: «مللت سؤال الأحبّة عن (جديدي) وصرت أخجل من الأوراق الصامتة في أدراجي وأخجل من آل بيتي حين يشاهدونني أرتّب المشاهد والحوارات على شاشة الكمبيوتر من دون أن تقفز السطور فوق الخشبة وعلى ألسنة الممثّلين وبين أكفّ الحاضرين. مللت (الآن وهنا) فهل مصيري أن أبحث عن (أمس، أو غداً.. وربّما) من دون مصافحة الذين يأتون إليّ مثل النبلاء. محبّين أو معترضين بـ(بروشورات) في أياديهم؛ هل شاهدتم يوماً مسلسلاً مع (برشوراته) في أياديكم؟ هل صافحكم ممثّلوه بعد انتهاء الحلقة؟». يواظب (حكيم) على إسداء الشكر للمسرح الذي علّمه التفاؤل والإيمان بأنّ الحياة حتماً سوف تبدأ غداً ـ كما يقول مستنكراً ما وصلت إليه الذائقة العربية: «(شكراً) للتلفزيون الذي علّمني كراهيّة عالم تتحكّم فيه بكبسة من إبهامك على (الريموت كونترول) ما أتفه العالم حين يمسي جهازاً في راحتك؛ ما أثقل دم الممثّل حين يعيد إحساس لحظة أمام مزاج (مخرج) خلف جهاز (المونيتور) وما أتعس شخصيّة لا تفصح عن مصيرها من الحلقة الأولى؛ ما أشدّ صبر متفرّج ينتهك ويسفح ثلاثين حلقة من حياته من دون أن يطفئ شاشته ويتخيّل النهايات».

الشاعر في شخصية هذا الفنان ينهل من يومياته المسرحية، ملخصاً الحياة كبروفة دائمة ولا يمكن لها أن تكتمل كعرض إلا في الموت ولكن ماذا بعد موت الشاعر وانتهائه إلى خشبة اللحظة الأخيرة مع جمهوره؟ يقول المرزوقي مجيباً بقصيدة يحبها: «يموت الشاعر فلا يختصم الورثة، يموت الشاعر وتستمر المطابع في رجم عمالها بالحبر والأوراق؛ ويستمر العشاق في عشقهم، لكن من دون مواساة، من دون راعٍ يحرس وحدتهم، يجمع قبلاتهم باقة ويرمي بها إلى النهر الذاهب إلى جرح الحياة».

يخيّل للمرء أنّ الصخرة التي يدفعها سيزيف كلّ صباح هي حصان امرئ القيس الذي حطّه السيل من علِ ـ يقول المرزوقي شارحاً: «لا، هذه الصخرة هي كناية عن الكاتب الذي يعي جيّداً وهم القمّة ومع ذلك يسعى إليها، أمّا سيزيف فهو هوس الكتابة وغليان الحبر في الأقلام قبل أن يسكب في قدور الورق. هناك كتّاب من دون منابر وهناك منابر من دون كتّاب، هذا هو حال الكتابة في عالمنا العربي؛ سيظل هذا الخلل قائماً ما أقامت بيننا الضغائن والمحسوبيات الضيّقة، بل الأمر جزء من جدليّة المناسب وغير المناسب التي وقفنا أمامها كمعضلة من دون حلول. الغريب في الأمر أنّ (كتّابا) يشتكون من ضيق الهامش واتّساع التهميش ضدّ أهل المهنة يمارسون أشنع الأساليب ويأتون بمثل ما يدّعون مقارعته ومواجهته؛ لقد كان الجاحظ دقيقاً حين فرّق بين الكتّاب والكتبة ووصف الكتابة بالصنعة أو المهنة وليس الامتهان؛ لأنّه ارتهان أمّا الهواية فغواية وما أجمل الغواية حين تمسي عشقاً مزمناً وعصيّاً عن المنابر والتصنيف».

صحيفة السفير اللبنانية


developed by Nour Habib & Mahran Omairy