بين قوسين

حين تعود الفكرة إلى أرضها: تجربة عودة من الغربة إلى الفعل

جولي الياس خوري

بعد عشر سنوات من الحياة في الولايات المتحدة، لم تكن العودة إلى سوريا قرارًا عابرًا أو اندفاعًا عاطفيًا مؤقتًا، بل كانت خطوة واعية تحمل في جوهرها التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا تجاه وطنٍ يستحق أن يُعاد بناؤه على أسس الحرية والعدالة والكرامة. كانت تلك السنوات كفيلة بأن تمنحني استقرارًا شخصيًا وعائليًا، لكنّها لم تُضعف يومًا شعوري بالمسؤولية تجاه بلدي، بل عمّقته.

اخترت أن أعود، رغم أن جزءًا من قلبي بقي مع أطفالي في أمريكا، لأنني أؤمن أن الأوطان لا تُبنى من بعيد، وأن التغيير الحقيقي لا يكون بالتنظير، بل بالفعل والمشاركة من قلب الواقع. أردت أن تتطابق أقوالي مع أفعالي، وأن أكون جزءًا من الحراك اليومي، من الشارع، من الناس، من التحديات الحقيقية التي يعيشها السوريون.

إن العودة بالنسبة لي ليست مِنّة، بل واجب. واجب تجاه بلدٍ أنهكته السنوات، وتجاه شعبٍ يستحق أن يعيش بكرامة ضمن دولة قانون تُحاسب المخطئ وتنصف المظلوم. ومن هذا المنطلق، أرى أن مسؤولية إعادة بناء سوريا لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية، تشترك فيها الدولة والمجتمع والأفراد، داخل البلاد وخارجها.

ليس مطلوبًا من الجميع أن يعودوا، فلكل إنسان ظروفه، لكن يمكن لكل شخص أن يكون جزءًا من الحل، ولو بأبسط الوسائل: بكلمة طيبة، بدعم مبادرة إيجابية، بالمساهمة في خلق فرصة عمل، أو حتى بنشر الأمل بدل الإحباط. فالكلمة قد تكون أحيانًا حجر الأساس في إعادة ترميم النفوس قبل الأبنية.

إن ما تحتاجه سوريا اليوم، إلى جانب إعادة الإعمار المادي، هو إعادة بناء الثقة بين أبنائها. وهذه الثقة لا يمكن أن تنمو في بيئة يسودها خطاب الكراهية أو التحريض الطائفي أو التخوين. من أخطر ما يواجه المجتمع السوري اليوم هو تفشي هذا الخطاب، إلى جانب غياب العدالة وتطبيق القانون.

لذلك، فإن المطالبة بدولة قانون ليست ترفًا، بل ضرورة ملحّة. دولة تُجرّم خطاب الكراهية، وتضع حدًا لكل من يسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وتحاسب كل من ارتكب جرائم بحق السوريين خلال السنوات الماضية، دون استثناء أو انتقائية. العدالة هي الأساس الذي يُبنى عليه السلام، وهي الضامن الوحيد لعدم تكرار المآسي.

كما أن من واجبنا دعم كل من يعمل بصدق وإخلاص على الأرض، بعيدًا عن حملات التشويه أو الاتهام. فبدل أن نكون عائقًا أمام أي جهد إيجابي، يجب أن نكون داعمين له، لأن نجاح أي مبادرة هو خطوة إضافية نحو تعافي الوطن.

إن سوريا ليست ملكًا لحكومة، ولا لطائفة، ولا لفئة دون أخرى، بل هي وطن لكل السوريين. وإعادة بنائها تبدأ من وعينا بهذه الحقيقة، ومن استعدادنا لوضع الخلافات جانبًا والعمل بروح الفريق الواحد.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج السوريون إلى الأمل. يحتاجون إلى من يُذكرهم بأن هناك مستقبلًا ممكنًا، وأن ما ضاع يمكن استعادته، وأن الألم ليس قدرًا أبديًا. وهذا الأمل لا يُزرع بالشعارات، بل بالمواقف، بالفعل، وبالإنسانية التي نُظهرها تجاه بعضنا البعض.

قد تكون البداية بسيطة، لكنها صادقة: أن نكون أشخاصًا أفضل، أن نُحسن إلى بعضنا، أن نُخفف من قسوة الكلمات، وأن نُدرك أن كل خطوة صغيرة نحو الخير هي لبنة في بناء وطنٍ يستحق الحياة.

هذه ليست قصة عودة فرد، بل دعوة مفتوحة لكل سوري، أينما كان، ليكون جزءًا من الحلم… لا بالكلام فقط، بل بالفعل.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى