دراسة| الحرب في سوريا وتقلب موازين القوى (عمر نجيب)

 
عمر نجيب

 
مرة أخرى تتضارب تقديرات المحللين بشأن التطورات المستقبلية للصراع الدائر على أرض الشام منذ زهاء ثلاث سنوات وذلك بمناسبة تعثر أو فشل مؤتمر جنيف 2 في إيجاد تسوية سياسية، البعض يرى أن الولايات المتحدة ومن تحالف معها في السعي لإسقاط النظام القائم في دمشق في طريقهم لخسارة المواجهة وهم يبحثون عن أسلوب للحفاظ على ماء الوجه وتجنب ارتداء ثوب الهزيمة، فئة أخرى تقدر أن المواجهة في سوريا ستتواصل لسنوات قادمة في مشهد مشابه لما عرفه لبنان ما بين سنوات 1975 و 1991 والذي انتهى بالوصول إلى اتفاق الطائف، مجموعة ثالثة تقدر أن واشنطن ستتدخل عسكريا بشكل أو بآخر لترجيح كفة القوى التي تقاتل الجيش السوري.
هؤلاء الذين يتوقعون نتيجة إيجابية للنظام القائم بدمشق، يعضدون موقفهم بعدد من المعطيات، أهمها اعتراف خصوم الرئيس بشار الأسد أنه أصبح في موقف أفضل من أي وقت سابق.
يوم الأربعاء 5 فبراير 2014 نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها عن مدير الاستخبارات القومية الأميركية جيمس كلابر قوله إن الرئيس السوري بشار الأسد عزز قبضته على السلطة في سنة 2013 وانه استفاد من اتفاق للتخلي عن ترسانته من الأسلحة الكيماوية.
وذكر كلابر خلال جلسة استماع امام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب يوم الثلاثاء 4 فبراير ان الرئيس الاسد صار أقوى وأقوى في السنة الماضية.
وقال كلابر ايضا ان من الممكن ان يبقى العنف مستمرا إلى أجل غير مسمى و"يؤدي إلى نوع من الجمود الدائم الذي لا يستطيع فيه أي من النظام او المعارضة ان يسود".
ومثل كلابر في جلسة الاستماع مع مدراء وكالات استخبارات اميركية عدة اخرى. وحذر جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من ان الفوضى في سوريا جعلتها أرضا خصبة للجماعات المتشددة لتشن هجمات خارج البلاد.
وقال: "اننا قلقون من استخدام الأراضي السورية من جانب تنظيم القاعدة لتجنيد أفراد وتطوير القدرة ليس فقط على شن هجمات داخل سوريا، ولكن أيضاً استخدام سوريا كمنطلق".
وذكر كلابر ان تقديراته لعدد قوات المعارضة السورية الآن تتراوح من 75 ألف مقاتل إلى 115 ألف مقاتل وأنهم ينتظمون في أكثر من 150 جماعة "تتباين تباينا واسعا في اتجاهاتها السياسية".
وأضاف قوله "إننا نعتبر ما يتراوح بين 20 ألفا منهم وربما ما يصل إلى 26 ألفا متطرفين. وهم مؤثرون تأثيرا لا يتناسب مع أعدادهم لأنهم من بين أكثر المقاتلين فعالية في ميدان المعارك".
ولم تؤد شهادة كلابر إلا إلى زيادة حدة النقاش وتعزز إقتناع بعض أعضاء الكونغرس بأن المعركة في سوريا ستحسم لصالح الأسد.

تعثر السياسة الأميركية

يتعاظم القلق في كل من الكونغرس وادارة اوباما من ان السياسة تجاه سوريا تتعثر على جبهات عدة. ذلك ان الحكومة السورية لم تتمكن من مجرد اعاقة التقدم في محادثات جنيف للسلام وانما استطاعت، وفقا لمسؤولين أميركيين، تأخير نقل اخطر موادها الكيماوية إلى ميناء اللاذقية حتى يمكن شحنها إلى خارج البلاد لتدميرها وفقا لشروط الاتفاق الذي تم التوصل إليه في سبتمبر 2013 والذي يدعو سوريا إلى التخلي عن ترسانتها من الغازات السامة.
واعترف مسؤولون اميركيون بأن مبعوث ادارة اوباما الى المعارضة السورية روبرت فورد يعتزم التقاعد عما قريب. ولم ترشح وزارة الخارجية خلفا له بعد وهو ما يعكس نوعا من اليأس.
وأذكى وزير الخارجية جون كيري ذلك القلق يوم الأحد 2 فبراير بملاحظات ادلى بها في اجتماع مغلق مع مشرعين في مؤتمر للأمن في ميونيخ.
وقال السناتور جون ماكين، الجمهوري عن ولاية اريزونا، الذي حضر الاجتماع: "عبر الوزير كيري عن احباطه لعدم نجاح السياسة الحالية في سوريا". وبدا السناتور ليندزي غراهام قلقاً بصورة خاصة من الزيادة في عدد المتطرفين الذين تسللوا إلى سوريا.
وقال غراهام "الوزير كيري قال ان علينا ان نغير استراتيجيتنا عندما يتعلق الأمر بالقاعدة وكان من الواضح انه يعبر عن احباطه من الروس والأسد.وقد تحدث عن الحاجة لإعطاء المعارضة مزيدا من القدرة".
وعندما طُلِبَ من جن بساكي، وهي ناطقة باسم وزارة الخارجية، التعليق على ذلك قالت الثلاثاء ان ادارة اوباما ما زالت ملتزمة بمحادثات السلام في جنيف وتعتقد الإدارة انها تساعد في تعزيز الضغط الدولي على حكومة الاسد.ونفت ان يكون كيري قد دعا إلى إستراتيجية جديدة تجاه سوريا.
وقالت: "لا احد في الادارة يعتقد اننا نفعل ما فيه الكفاية الى ان تحل الازمة الانسانية وتنتهي الحرب الاهلية. وهذا لا يختلف عن الرسالة التي نقلها الوزير كيري خلال اجتماعه الخاص".
غير أنه وبعد فترة جد قصيرة ويوم الجمعة 14 فبراير أكد وزير الخارجية كيري، في تصريحات له في بكين، إنه سيصار إلى تقديم "لائحة خيارات" للرئيس باراك أوباما لوضع نهج جديد للمرحلة المقبلة.
وكانت ادارة اوباما تأمل في امكانية ان تسمح محادثات جنيف للمعارضة المعتدلة والمسؤولين في الحكومة السورية بالتفاوض على حكومة انتقالية لا تشمل الرئيس الاسد.لكن الاخضر الابراهيمي، مبعوث الامم المتحدة إلى المحادثات، أقر أن المفاوضات انتهت "من دون تحقيق تقدم". ويقول منتقدون ان من غير المرجح ان تنجح مثل هذه المحادثات ما لم يتم اضعاف الرئيس الاسد عسكرياً وما لم يكن عنده حافز ما للتفاوض. ولكن مع تلقي حكومته اسلحة من روسيا، ومع تقديم الولايات المتحدة دعما محدودا فقط للمعارضة المعتدلة، كما يقول منتقدون، فانه لا يبدو هناك سبب يجعل الأسد يقدم تنازلات كبيرة.
وقد أثنى الرئيس اوباما على اتفاق نزع الاسلحة الكيماوية ووصفه بأنه اختراق دبلوماسي كبير، وضربه مثالاً خلال خطابه عن حالة الأمة على كيفية فاعلية سياسته الخارجية.
لكن خبراء كثيرين يقولون ان الاتفاق يمكن ان يعمل في نهاية الأمر لمصلحة الرئيس الاسد لأنه دفع ادارة اوباما الى سحب تهديها بتنفيذ هجمات بطائرات وصواريخ كروز، وعزز مصداقية الحكومة السورية على المسرح الدولي وسمح لها بكسب الوقت. زيادة على ذلك تبين التقارير المتسربة أن تصنيع الأسلحة الكيماوية سهل نسبيا ويمكن العودة إلى تصنيعها خلال أمد قصير.
يذكر أنه في الأشهر المبكرة من الأزمة السورية في 2011، دعا الرئيس اوباما الرئيس الاسد الى التنحي عن الحكم لكنه تخلى عن هذه اللغة منذ ذلك الحين في تصريحاته العلنية عن سوريا.

في جلسة استماع لاحقة ذكر جايمس كلابر، إن هناك 7500 مقاتل أجنبي داخل الأراضي السورية قادمين من 50 دولة. وتؤكد مصادر رصد أن الأجهزة الأميركية أشرفت على تجنيد غالبية هؤلاء سواء بشكل مباشر أو عبر مخابرات دول حليفة وفي مقدمتها تركيا.
من جهته أكد رئيس وكالة الاستخبارات الدفاعية بأميركا، مايكل فلين في الجلسة ذاتها: "هناك احتمال كبير بقيام عناصر من المتشددين بصفوف المعارضة السورية بمداهمة واستغلال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في المخازن قبل التمكن من إزالتها من قبل المجتمع الدولي".
وحول اللامركزية في قيادة تنظيم القاعدة، وإن كان التنظيم في طريقة للهزيمة قدم المسؤولان الأميركيان تقيمهما للوضع، حيث قال كلابر: "لا، التنظيم يتحول ويقدم امتيازاته لجماعات أخرى، وليس فقط في شمال أفريقيا، بل وفي مناطق أخرى من العالم..لا لم يهزموا".
واضاف كلابر: "إن من بين هؤلاء المقاتلين الـ7500، مجموعة من تنظيم القاعدة قدموا من أفغانستان وباكستان وأن لهم طموح بتنفيذ هجمات في أوروبا إن لم يكن في الولايات المتحدة الأميركية ذاتها".

علاقة المخابرات الأميركية بالمتشددين

حديث المسؤولين الأميركيين عمن يصفونهم بالمتطرفين يثير سخرية عدد من المحللين خاصة وأن دراسات لمستشارين أمنيين وباحثين أميركيين رأت في الأصولية الإسلامية المُخلّص الذي في إمكانه قتل الطموحات النهضوية للعالم الإسلامي النامي، بعيدا من تدخلها العسكري المباشر، ذلك حين استنتجت أن النظرة المبغضة من الراديكاليين المسلمين للغرب أغرقتهم في الروحانية الرجعية، في رد فعل معاكس لـ "الانحلال الأخلاقي" الغربي والبعد من الدين.
ما يهم هنا، ليس مناقشة قصور الفكر الإسلامي المتشدد عندما غض الطرف عن ميزات إيجابية للحضارة الغربية، وكأن الحكمة ليست ضالة المؤمن، إنما الأهم تلك الوسيلة التي استغلها من يطلق عليهم في أبجديات العمل الإسلامي المتشدد "أعداء"، في سبيل تحقيق أهدافهم.
إن نهاية مرحلة الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي كانت في حقيقتها البداية الفعلية للعمل الإسلامي المسلح أو ما يسمى بالإرهاب، التي لا يُخفي زبيغنيو بريجنسكي، عراب ما يسمى بصراع الأديان والذي كان يشغل منصب مستشار الرئيس الأميركي السابق كارتر لشؤون الأمن القومي عدم خشيته منه، إذ أبدى في لقاء مع مجلة "نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية عدم ندمه متسائلا: "أيهما أفضل للغرب: انهيار الاتحاد السوفياتي، أم ممارسة الإرهاب من طريق الجماعات الإسلامية؟".
توظيف الدين عملية قديمة جديدة، استخدمها السياسيون كثيراً في شحذ الهمم وحشد الأتباع، لكن توظيفه من جماعات وتنظيمات تدّعي تمسكها به ثم تجعل منه مطية وإن على سبيل شق الصفوف، بغية الوصول إلى الغايات، أخطر ما يعاني منه المسلمون اليوم.

الاحباط

الملاحظون يشيرون إلى التتابع المتسارع للتقارير الأميركية المعبرة عن الإحباط فيوم 14 يناير 2014 أصدرت "خدمة أبحاث الكونغرس" الأميركي، دراسة مفصلة مفادها أنه وعلى الرغم من مرور قرابة ثلاثة أعوام على النزاع في سوريا "لا يوجد مؤشر على أن النظام يوشك على الانهيار، رغم توقعات بعض المراقبين بذلك".

وتشير الدراسة، بعنوان "النزاع المسلح في سوريا: نظرة عامة وردود الولايات المتحدة" الى أن المجموعات المسلحة التي تقاتل ضد قوات الحكومة السورية، "تخوض مواجهة فيما بينها، وأنها تفتقر إلى وحدة الهدف، ووحدة القيادة، وإلى دعم دولي موحد" وأنها ليست منقسمة فحسب بل ومن المرجح أن تبقى منقسمة بشأن التكتيكات والإستراتيجية، وبشأن أهدافها السياسية على المدى الطويل".
وأوضحت الدراسة، أنه ومنذ شهر يناير 2013، فإن معظم الجماعات المسلحة القوية "تسعى إلى تحقيق نتائج من النزاع، تتناقض بشدة، مع ما تفضله الولايات المتحدة لمستقبل سوريا السياسي، حيث تسعى الميليشيات الإسلامية لفرض القانون الإسلامي السني على المجتمع السوري، ومن بين تلك الميليشيات الجبهة الإسلامية التي جرى تشكيلها حديثاً، وتنظيم القاعدة، وجبهة النصرة، ومجموعات أخرى تلقت مساعدات أميركية".
وأشارت الدراسة إلى الاختلاف بين موقف كل من روسيا والولايات المتحدة في تفسير ما جاء في بيان "جنيف 1"، بشأن دور الرئيس الأسد في هيئة الحكم الانتقالي، أو بقائه في السلطة.
وجاء في الدراسة أن أياً من طرفي النزاع المسلح غير قادر على تعزيز مكاسبه العسكرية، أو تحقيق النصر في المدى القريب، وأن استمرار النزاع فاقم من النزاع الطائفي في لبنان والعراق.
وخلصت الدراسة إلى أن "التوفيق بين الإستراتيجية الدبلوماسية للولايات المتحدة المترافقة مع دعم بعض عناصر المعارضة المنتقاة من جانب واشنطن أمر بالغ الصعوبة، وأن الاستجابة للاحتياجات الإنسانية التي نجمت عن الأزمة، والحيلولة دون انتشار الاضطرابات في الدول المجاورة لسوريا سيبقى موضوعا أساسيا على أجندة السياسة الأميركية في المستقبل المنظور".

بريطانيا وفرنسا والفرص الضائعة

يوم السبت 15 فبراير أكد وزير الخارجية البريطاني، ويليام هيغ، إن لدى السلطات في بلاده تقارير موثقة عن مشاركة بريطانيين وغربيين في القتال في سوريا، مضيفا أن "الحل لتلك الأزمة يتمثل في إنهاء الصراع، وإلا فالخيار سيكون بين المتطرفين ونظام الرئيس بشار الأسد"، الذي قال إنه "لم يظهر أي إشارة إلى نيته مغادرة السلطة"، داعيا إياه إلى "عدم ارتكاب خطأ في الحسابات بسبب قوته الحالية".
ورفض هيغ، في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" الأميركية تأكيد الأنباء حول تعرف السلطات البريطانية على مواطن بريطاني قد يكون مسؤولاً عن تنفيذ عملية انتحارية استهدفت سجن حلب المركزي، مضيفاً "ما يمكنني قوله هو أن لدينا تقارير تتمتع بمصداقية حول ضلوع أفراد من بريطانيا في ممارسات مماثلة، وبالطبع فإن مشاركة المئات من الأشخاص من بريطانيا ودول غربية أخرى في القتال في سورية أمر يقلقنا".
وعما إذا كان موقف المعارضة السورية من المفاوضات المتعثرة سيساعد على اتخاذ قرار بمنحها مزيدا من الدعم العسكري، قال هيغ إن "هناك عددا من الدول التي تقوم بذلك بالفعل".
في حديث أجراه مع مراسلتي مجلة "تايم" الاميركية في قصر الاليزيه يوم 25 يناير قال الرئيس الفرنسي فرانسوا اولوند: "هدفنا الوحيد هو تقوية المعارضة لتجنب المعضلة التي يكون الخيار الوحيد فيها هو بين بشار الاسد والقاعدة".
ويضيف ان اخفاقات الغرب ادت الى هذه المعضلة، في اغسطس 2012 كان ينبغي على المجتمع الدولي ان يكون اكثر تصميما في التعامل مع نظام بشار الاسد. كان قد تم اضعافه من نواح سياسية، وعسكرية وشخصية. كان جزء من هيئة اركانه قد تخلى عنه".

ان التأخير قوض المعارضة وسمح لـ"القاعدة" باكتساب زخم.وذكر اولوند أنه كان متأهباً لاطلاق ضربات جوية هدفها اضعاف نظام الاسد في سبتمبر 2013 عندما ادى تحول مفاجئ من جانب الرئيس اوباما بدلاً من ذلك إلى جولة مفاوضات دبلوماسية جديدة. وقد بدأت سوريا، ضمن اتفاق توسطت فيه روسيا جزئيا، بتفكيك قدرتها على انتاج اسلحة كيماوية، فأمر اولوند قوته الضاربة بانهاء تأهبها.
وقال للـ"تايم": "كل شيء كان جاهزاً لليوم الذي اخترناه.الرئيس اوباما قرر التوجه الى الكونغرس. ولكن تهديدنا بالضرب اقنع الروس والنظام السوري بالموافقة على تسليم اسلحته الكيماوية. لذا فقد كان ذلك نجاحا لنا.لم يكن ذلك، كما قيل، نصرا للنظام السوري".
عدد من المراقبين يرون أن نجاح القوى السياسية في لبنان وبعد عشرة أشهر من الخلافات على تشكيل حكومة جديدة يوم 15 فبراير عكس توازناً جديداً للنفوذ الإقليمي في لبنان الذي كانت تتمتع به سوريا تعويضا عن انسحابها من لبنان في 26 ابريل 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانطلاق الحركة المناهضة لهذا النفوذ في 14 مارس من العام نفسه، وهو ما يعني أن هناك إقتناعا في بيروت أن نظام دمشق لن يسقط.

الكونغرس والدعم المسلح

يوم السبت 15 فبراير وبعد انتهاء الجولة الثانية من محادثات جنيف2، ودون احراز تقدم مذكور، ذكر مسؤول أميركي أنه اذا استمرت روسيا في الطريقة الحالية التي تتعامل بها مع الأزمة السورية فإنه لن يتم التوصل إلى حل.
وقال المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه: "إن روسيا تقول من جهة إنها تقف مع المحادثات بين طرفي النزاع بسوريا بجنيف 2 وتؤيد تشكيل هيئة انتقالية لها كامل الصلاحيات تتلوها عملية ارسال المساعدات الانسانية، ثم تستمتع بدورة الألعاب الأولمبية التي تستضيفها حالياً، ومن جهة أخرى هي طرف في دعم النظام السوري في حربه".
وتابع المسؤول قائلا: "لا أعتقد أن أياً منا يؤمن بأن روسيا ستغير من موقفها أبدا".
وجاءت هذه التصريحات بعد زيارة العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني لأميركا ولقائه بالرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أعلن بدوره عن مساعدات تصل قيمتها إلى مليار دولار للأردن في سبيل دعم الجهود التي تبذلها المملكة باستضافة اللاجئين السوريين.
يذكر كذلك أن الكونغرس وافق سرا على ارسال اسلحة اميركية لمقاتلين سوريين "معتدلين" عبر الاردن، كما وافق على عمليات تمويل على مدى أشهر لارسال مزيد من شحنات الاسلحة.
وذكر مصدران مطلعان ان الكونغرس وافق على تمويل الاسلحة المرسلة الى المعارضين السوريين من خلال أجزاء سرية في تشريع المخصصات الدفاعية. ولم يتضح متى تمت الموافقة على التمويل لكن التمويلات الدفاعية السرية مررت في الكونغرس في أواخر ديسمبر 2013.
ويقر مسؤولون اميركيون يؤيدون تقديم اسلحة للمعارضة السورية ان هذا لم يزد بشكل كبير التوقعات الاميركية بتحقيق نصر للقوات المناهضة للاسد سواء كانوا من المعتدلين او المتشددين.
وقال بروس ريدل وهو محلل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية "سي.اي.ايه" كما انه يعمل احيانا مستشارا للسياسة الخارجية للرئيس باراك أوباما "الحرب السورية تقف في مأزق. المعارضون ينقصهم التنظيم والاسلحة لالحاق الهزيمة بالاسد والنظام ليس لديه القوة البشرية المؤيدة لقمع التمرد. اما حلفاء الجانبين في الخارج فهم مستعدون لتقديم المال والسلاح لاذكاء الموقف المتأزم في المستقبل المنظور".

مع بداية سنة 2014 اعتبر تقرير أصدره معهد دراسات الحرب في واشنطن وأورده راديو "سوا" الأميركي يوم الثلاثاء 4 فبراير أن موقف الرئيس السوري بشار الأسد العسكري أصبح أقوى حاليا بالمقارنة مع عام مضى.
وأوضح التقرير أن قوات الأسد باتت قادرة على شن هجمات على عدة جبهات في آن واحد بعد أن كانت تحاول في مثل هذا الوقت من عام 2013 الحفاظ على الطريق الإستراتيجية الرابطة بين دمشق وحمص أمام تقدم كبير وسريع لمقاتلي المعارضة.
وأضاف أن استراتيجية القوات الحكومية التي اعتمدت منذ معركة القصير في أبريل 2013 تتضمن محاصرة المناطق المستهدفة لقطعها عن طريق الإمداد، ثم قصفها بشدة قبل الدخول وتطهيرها من المقاتلين المعارضين ومن ثم العمل على الحفاظ عليها عبر نشر الميليشيات فيها.

تقديرات خاطئة

يسجل أن أهم وسائل الاعلام الأميركية التي كانت تروج لقرب هزيمة نظام الأسد أخذت مع بداية سنة 2014 تنشر تحليلات معاكسة.
يوم 25 يناير نشرت شبكة "سي إن إن" الأميركية مقالا لقابيل كوميريدي وهو كاتب هندي مختص بشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أوروبا جاء فيه:
قال لي أحد الدبلوماسيين الأجانب في سوريا صيف 2012، إنّه ليس لدى "الفرنسيين والبريطانيين والأميركيين أي فهم بشأن ما يحدث هنا".
في ذلك الوقت كان من الممكن لأجنبي مثلي كان قد وصل مؤخرا إلى دمشق قادما من لندن، أن يتخيل رحيلا مؤكدا للأسد رغم أن الإدارة الأميركية وقتها أيضا نأت بنفسها عن اعتبار نظامه "ميتا يتحرك".
ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى أي دبلوماسي قضّى سنوات في سوريا. فقد رفض جميعهم التسليم بتقارير الإعلام الأميركي التي تتحدث عن سقوط النظام البعثي.
فبالنسبة إليهم، يتمتع الأسد بشعبية جارفة لدى الأقليات كما أنّ إخلاص الجيش له يبدو تقريبا مطلقا.
واليوم يبدو الأسد أقوى مما كان عليه قبل 15 شهرا فآلة حزب البعث ما زالت الهيكل الوحيد الذي يعمل في البلاد، كما أن الحياة اليومية في دمشق، معقل الأسد، تستمر في الغالب كما كانت من قبل. زيادة على ذلك لم تكن هناك انشقاقات جديرة بالاهتمام والجزء الأغلب من الجيش العربي السوري، رغم فقدانه لأكثر من 30 ألف عسكري، ما زال مخلصا له، وخلال الشهرين الماضين استعاد أراضي من المعارضة خارج دمشق ومناطق أخرى.
والآن بدلا من إدخال بعض التوازن على موقفها، ما زالت واشنطن لا تتزحزح بشأن ضرورة تنحي بشار. وفي تقديري فإن ذلك أمر غير واقعي بالمرة، فبغض الطرف عن صعوبة إطاحته، فإن ذلك لو تحقق سيزيد من اضطرام نار العنف ويطيل من أمده.
و"بيان جنيف 1" الذي يشكل المبادئ الأساسية لمطالب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لا يدعو واقعيا للإطاحة بالأسد الذي لن يستسلم، على الأرجح، من دون تهديد ذي مصداقية من الولايات المتحدة.
وادعى كيري أن التهديد مازال "على الطاولة" وفي الحقيقة فإن خيارات بلاده تبدو محدودة لمجرد أنّ المعارضة التي جاءت إلى سويسرا لا تملك أرضية قوية داخل سوريا. وربما ليس لها سوى شعبية أكثر بقليل من المجاهدين الذي يقاتلون النظام.
وغالبية الأراضي التي لا تسيطر عليها القوات الحكومية، واقعة تحت قبضة جماعات على علاقة بتنظيم القاعدة الذي يرفض محادثات السلام ويعرف أنه سيكون المستفيد الأول من أي محاولة يقوم بها الغرب لإطاحة بشار الأسد.
وحتى العناصر "المعتدلة" في المعارضة تبدو خارج سيطرة الولايات المتحدة وما جرى بشأن دعوة إيران للمحادثات دليل على ذلك لاسيما أن كيري عمل شهورا لضمان مقعد لطهران.
فقد عارضت تلك العناصر "المعتدلة" حضور طهران بضغط من المملكة العربية السعودية التي ترى في أي حضور لغريمها في المنطقة خسارة لها.
لكن كان أيضا غباء إيران بعد أن ألحق موقفها ضررا بمصالحها برفضها الالتزام بشروط مسبقة، قد تؤدي إلى ظهور حكومة انتقالية تابعة للملكة العربية السعودية، وذلك حتى قبل بداية المحادثات، مما أدى إلى استبعادها وبالتالي إعلان نصر دبلوماسي سعودي.
لهذه الأسباب لم يكن مستغربا أن يعتبر الأسد، رغم أنه رئيس للبلاد في خضم مجازر طالت الكثير من السوريين، المفاوضات "نكتة". ولم يكن قراره إرسال وفد لسويسرا سوى محاباة لروسيا التي جنبته عملية عسكرية عندما شددت على أهمية العمل الدبلوماسي. ولذلك سارع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى اعتبار التقاء أطراف النزاع نجاحاً.
لكن إطار العمل الذي تم تحديده سابقا للمفاوضين يبدو في خبر كان وحتى من وضعه، الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، غادر منصبه في تعبير واضح عن إحباطه.
وبالنسبة إلى السوري العادي فإن لقاء المفاوضين ليس سوى استعراض عديم المعنى. في هذه الأثناء، يرفض الأسد الرحيل شعورا منه بالنصر، والمعارضة ترفض تخفيض سقف مطالبها، والغرب عاجز عن التدخل العسكري وعن التأثير دبلوماسيا فيما القاعدة تفتح عينيها انتظاراً.
الحوار بين الرياض وطهران سيكون أكثر فعالية لوقف دائرة العنف من التفاوض بين الأسد ومنافسيه الذين ينشطون في الخارج. وسيكون من الأفضل لو وجهت واشنطن جهودها لجمع الغريمين السعودي والإيراني.
وبصفة عاجلة، ينبغي أن يتركز طموح واشنطن على إنهاء العنف. وبدلاً من الدفع صوب رحيل الأسد، فسينبغي عليها أن تعمل على الحصول على اتفاق براغماتي يقسم السلطة على أساس المصالحة لا تغيير النظام. كما أنه عليها الضغط على حليفيها في المملكة العربية السعودية وقطر لوقف دعمهما للمتشددين.وإذا لم يتم ذلك، فإن ألسنة اللهب التي تكوي سوريا ستنتقل قريبا إلى الغرب.
تييري ميسان المفكر الفرنسي، رئيس ومؤسس شبكة "فولتير" ومؤتمر محور للسلام قال: لقد منعت الفيتوهات الروسية الصينية الثلاثة الناتو من تدمير البلد، وأفشل الجيش العربي السوري استراتيجية زعزعة الاستقرار التي تصورها الجنرال دافيد بيتراوس.وتبحث واشنطن عن مخرج مشرف من هذه الحرب الخاسرة. كما وافق بشار الاسد بشروط على نزع سلاحه الكيميائي. لقد خرجت القيادة السورية أقوى من ذي قبل. الأمر الذي أتاح لها فرصة الانتقال إلى هجوم ساحق ضد خصومها.
لقد أفقدت تلك الاخفاقات الإعجاب بمن كانوا يتفاخرون وهم يؤكدون بأن أيام الرئيس الأسد أصبحت معدودة. ويتابع: في واشنطن، يكاد أنصار فكرة الانسحاب يربحون الجولة. إذ لم يعد السؤال المطروح: كم من الوقت سوف يصمد "النظام"، بل فيما إذا كان الانسحاب أقل تكلفة على الولايات المتحدة من الاستمرار في هذه الحرب.

خطط أميركية لتعديل مسار المعارك

يشير الذين يقدرون أن البيت الأبيض لا يزال يحتفظ في جعبته بورقة التدخل العسكري، إلى أن الرئيس أوباما صرح يوم الثلاثاء 11 فبراير في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي فرانسوا اولوند إن واشنطن وجهت رسالة قوية لروسيا بشأن سلامة المدنيين بسوريا في الحرب الاهلية التي تعصف بالبلاد.
واضاف "لا نعتقد في الوقت الراهن بوجود حل عسكري في حد ذاته لهذه المشكلة الا ان الموقف مائع ونحن نواصل استكشاف كل سبيل ممكن لحل هذه المشكلة".
مصادر رصد ذكرت ان الخيارات الجديدة التي تقوم إدارة الرئيس باراك اوباما بدراستها في محاولة لتجاوز مأزق الجمود في سوريا تشمل مقاربات عسكرية ودبلوماسية واسعة بما فيها "ضربات موجهة" ومجموعة من "خطط الطوارئ" للحيلولة دون اقتحام القوات النظامية السورية لمواقع "المسلحين المعتدلين"، خصوصا قوات الجيش السوري الحر.
وتقوم بإعداد "الخطط الجديدة" "فرق" من وكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الدفاع، ومنظمة الأمن القومي، وجهاز مكافحة الإرهاب.
وتهدف الخطط الميدانية "منع قوات النظام الذي حقق مكاسب مهمة ميدانيا منذ بداية العام الجديد بسبب تفكك واقتتال تنظيمات المعارضة الداخلية من تحقيق مكاسب جديدة تعطيه المزيد من الارتياح وحرية الحركة وعدم الشعور باضطراره للاستعجال في التوصل لاتفاق لانتقال السلطة".
كما تشمل الخيارات الجديدة "تفاهم الولايات المتحدة مع حلفائها، خاصة المملكة العربية السعودية وتركيا، على ايجاد سبل فعالة تحول دون وصول الدعم الميداني السلاح والمال والأشخاص إلى الجهات المتطرفة من المعارضة ومركزة كل الدعم لضمان وصوله للمعتدلين في المعارضة السورية الميدانية مثل الجيش السوري الحر".
بعض مستشاري أوباما ينصحونه بأن يستغل زيارته القادمة للرياض للعمل على إقناع ساستها بوقف دعمهم لمصر مقابل تعهد أميركي بإسقاط النظام السوري وإضعاف حلفائه في لبنان، ودفع المعارضة في البحرين إلى إتخاذ مواقف أكثر مرونة من حكومة المنامة.
دبلوماسيا، قالت مندوبة الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن، سامانثا باور، أن واشنطن ستحاول التوصل لقرار بمنتهى الصرامة فيما يخص الوضع الإنساني في سوريا بما يحسن الأوضاع على هذا المستوى.
موسكو عارضت مشروع القرار الذي تدافع عنه واشنطن معتبرة أنه محاولة ملتوية لتبرير التدخل عسكريا. وقد اعرب مندوب روسيا الدائم في مجلس الأمن، فيتالي تشوركين، عن أمله بنجاح المناقشات حول مشروع قرار آخر لمجلس الأمن بشأن الوضع الإنساني في سوريا، مشيرا الى ان القرار المقترح يجب ان يتضمن صيغة حاسمة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب.
وأضاف تشوركين أن بلاده لن تتوقف عن جهودها لتبني بيان رسمي بخصوص محاربة الإرهاب في سوريا وهو ما تطالب به دمشق. واتهمت موسكو الغرب بالتركيز على تغيير النظام، والمعارضة السورية بعدم الرغبة في مواصلة التفاوض.

ميدل ايست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى