تحليلات سياسيةسلايد

دوامة الأزمة الإيرانية وتعقيدات المخارج

نور الدين اسكندر

هل يقود التصعيد الحالي ضد إيران إلى عودة الحرب بكثافتها السابقة؟ وهل أخطأت إيران حين فتحت المضيق؟ ثم ماذا عن اتجاه الأزمة الإيرانية بكلّيتها… وماذا عن الأزمة المزمنة في تحليل الأزمة؟

 

سريعاً تحوّلت الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران إلى أزمةٍ دولية خطيرة ومعقدة وقابلة للتوسع إلى حدودٍ كارثية على العالم. المشاهد يرى كيف أن الأزمة الأوكرانية توسعت خلال السنوات الأربع السابقة، وكيف باتت اليوم على شفير اندلاع مواجهة غربية-روسية كبرى، قد تقود إلى أحداث دراماتيكية غير تقليدية.

وبموازاتها، انفجرت الأزمة في إيران، على خلفية نسقٍ غير مألوف في العالم المعاصر من صناعة القرار الأميركية، وتطرفٍ جنوني مألوف بالنوع، وجديد بالدرجة، في صناعة القرار الإسرائيلي.

فهل يقود التصعيد الحالي ضد إيران إلى عودة الحرب بكثافتها السابقة؟ وهل أخطأت إيران حين فتحت المضيق؟ ثم ماذا عن اتجاه الأزمة الإيرانية بكلّيتها… وماذا عن الأزمة المزمنة في تحليل الأزمة؟

منذ اندلاع الحرب في 28 من شباط، كان واضحاً -على الأقل بالنسبة إلى من تابع هذا المسار بعيداً عن ضجيج العناوين اليومية- أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يعد يملك رفاهية التراجع عن أهدافه الأصلية. فإشعال نار في حقل قمح شيء؛ والتحكم باتجاه الريح شيء آخر تماماً.

زجّ الرئيس الأميركي بنفسه، وبالولايات المتحدة، وبإيران، وبالمنطقة كلها في مواجهة لا أحد يعرف أين تنتهي، ولا أحد يجرؤ على الادعاء بأنه يملك خريطتها الكاملة. وكلما حاول أحدهم رسم خط النهاية، جاءت الأحداث ومسحت اللوحة.

اليوم، مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، يحاول ترامب استدعاء “الناتو” إلى الفصل التالي من الرواية. لا يريد حرباً تنفلت من عقالها فتتحوّل إلى كرة نار عالمية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التخلي عن سياسة الضغط الأقصى التي يعدّها الطريق الوحيد لإخضاع إيران، والأهم لإقناع الصين بأن زمن تمددها المريح قد انتهى. هنا تحديداً تعود القضية إلى جذورها، وإلى السبب الحقيقي للحرب، بعيداً من موضوعات القشرة وحلوى الشاشات.

ومن هذه النقطة أيضاً، تبدأ أزمة أخرى، هي أزمة تحليل الحرب. فمنذ الأشهر الأولى، انشغل كثيرون بعدّ الصواريخ والطائرات، فيما بقي السؤال الأكبر في آخر اللائحة: لماذا اندلعت الحرب أصلاً؟

وما دام هذا السؤال بلا إجابة متماسكة، سيظل الجميع يطاردون ظلال الأحداث. ستشغلهم البيانات المتناقضة، وتلهيهم مسرحيات توزيع الأدوار، ويغرقون في تفاصيل التفاوض، وفي لعبة “خطوة مقابل خطوة”، بينما تستمر القوى الإقليمية والدولية في تدوير تناقضات الصراع على طاولة الرهان المستديرة.

لهذا، لا بد من العودة إلى نقطة البداية الأولى، وإلى ما سبقها في غرف التخطيط الاستراتيجي الأميركي، والذي يتطلع أولاً إلى المنافس العالمي، قبل أن ينظر إلى التهديدات الإقليمية على نفوذه في إقليمٍ بعينه.

عناوين كثيرة والهدف واحد

في الأيام الأولى للحرب، كان العنوان الأميركي-الإسرائيلي شديد الوضوح: إسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل تقويضه من الداخل. فقد بُنيت الحسابات الإسرائيلية على تقديرات استخبارية واثقة إلى حد الخديعة، مفادها أن المعارضة الداخلية تمتلك من الزخم ما يكفي لتحويل الضربات العسكرية واغتيال القيادات إلى شرارة تشعل تغييراً شاملاً. لكن ما يصلح على الورق لا ينجح دائماً على الأرض.

فشل الرهان في حزيران 2025. وبين الحربين، ضُخت جرعات من المتممات الغذائية في شرايين عملية تفكيك إيران من الداخل، عبر الدعم العسكري والاستخباري لمعارضي النظام، وكأن المشكلة كانت في كمية الوقود لا في المحرك نفسه. المعارضة لا تعمل، والنقاش الإيراني في مكان آخر.

ثم جاء 28 من شباط 2026، واغتال الأميركيون والإسرائيليون المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، على أساس أن سقوط الرأس سيجعل الجسد ينهار تلقائياً، أو على الأقل سيدفع من ينجو من القيادة إلى الاستسلام أو إعادة التموضع بالشروط الأميركية. لم يسقط أحد! سقط الرهان.

وعندما تعثر عنوان إسقاط النظام، خرج عنوان جديد من الأدراج: حرية الملاحة في مضيق هرمز، بعدما فرضت إيران قيوداً على المرور فيه. غير أن هذا العنوان بدوره لم يكن كافياً بمضامينه ليحمل على كتفيه حرباً بهذا الحجم. وعندما بدأ يترنح، عاد الخطاب إلى الشعار الأكثر قابلية للتسويق عالمياً، وهو منع إيران من امتلاك السلاح النووي.

يصلح هذا العنوان ليكون أساساً لتفاهم قابل للحياة، لو أن إنهاء الحرب كان هو الهدف فعلاً. لكن المشكلة أن العناوين شيء، والمحركات شيء آخر. فما كان يحرك الأحداث شيئاً مختلفاً تماماً. وبرأيي، فإن السبب الأوسع للحرب لا يزال هو نفسه، وهو موقع إيران في الصراع الأميركي- الصيني.

لم يكن السؤال الأميركي الحقيقي يوماً حول عدد أجهزة الطرد المركزي، ولا نسبة تخصيب اليورانيوم، بل كان دائماً يتمحور حول هوية المشروع الاستراتيجي الذي تختار إيران أن تكون شريكةً فيه. فهل ستكون شريكة في جهود إعادة تشكيل النظام الدولي التي تقودها الصين، أم يمكن سحبها، كلياً أو جزئياً، إلى الضفة الأميركية لتدمير المشروع الصيني من خلال قطع امتداده العالمي (الممرات المائية، خطوط النقل البري، الموانىء، منابع الطاقة)؟

وإذا كان انتزاع إيران بالكامل مستحيلاً، فما هو الحد الأدنى الذي يستطيع ترامب انتزاعه؟ وأي تنازلات يمكن أن تقدمها طهران بحيث تتحول، ولو جزئياً، إلى شريك لا إلى خصم في معركة السيطرة على ممرات الطاقة والتجارة العالمية؟ هنا بيت القصيد بالنسبة إلى واشنطن. أما لـ”تل أبيب”، فالقصة مختلفة. إضعاف إيران هي الجائزة الكبرى التي تراهن عليها!

وهنا العقدة التي تجعل التراجع بالنسبة إلى ترامب بالغ الصعوبة. لكن، إذا كان الأمر كذلك، فكيف وصلت الأطراف إلى مذكرة التفاهم؟

الصدمة النفطية أخطر خيارات إيران

كلما امتدت الحرب، ازدادت قيمة الورقة الإيرانية الأهم، وهي مضيق هرمز. والمضيق بحد ذاته، لم يكن يوماً مجرد ممر مائي شديد الأهمية على مستوى صادرات النفط من غرب آسيا، بل أكثر من ذلك، كان عنواناً حيوياً للاقتصاد العالمي، واليوم أصبح أشبه بإصبع موضوع على زر إنذار الاقتصاد العالمي من انهيارٍ هائل متوقع.

الصدمة النفطية هي السلاح المخيف بالنسبة إلى واشنطن. فبمجرد الاقتراب من تعطيل المضيق، يبدأ الأثر التسلسلي، لكن السر ليس في الإقفال وأثره المباشر. بل في التراكم. وهنا يدخل عامل الوقت الذي وحده هو الشحنة المفعّلة للصاعق المفجر.

تشديد الخناق على المضيق كان كفيلاً برفع أسعار النفط، وإرباك الأسواق، ودفع المستثمرين إلى الهروب كالطيور قبل عاصفة مؤكدة. ولو استمر هذا الضغط أسبوعين أو ثلاثة أسابيع إضافية، لوجد الغرب نفسه أمام احتمال كبير وحقيقي لاندلاع أزمة اقتصادية عالمية ثقيلة، تتضرر منها أولاً الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد والطاقة الخارجية.

قبل تجدد التصعيد هذا. قامت “مورغان ستانلي” بتخفيض توقعاتها للنفط مرتين في أسبوعين. وكانت توقعات المحللين أن يبلغ متوسط سعر خام برنت في الربعين الثالث والرابع نحو 75 دولاراً للبرميل، على أن ينخفض إلى 70 دولاراً بحلول نهاية 2027. كان التعافي السريع للإمدادات عبر هرمز، وارتفاع صادرات النفط الأميركية، وضعف الطلب الصيني، عوامل تدفع باتجاه عودة السوق تدريجاً إلى حالة الفائض. الملاحة كانت تتعافى، لكن على حساب الأمن الإيراني، والمكاسب المتوقعة من مذكرة التفاهم.

من زاوية المصلحة الإيرانية البحتة، كان يمكن لطهران أن تواصل المراوغة أسبوعين أو ثلاثة قبل توقيع مذكرة التفاهم، ثم تستقبل ترامب على طاولة التفاوض وهو يحمل من التنازلات أكثر مما حمله فعلياً. (لكن ذلك كان ليكبد الجبهات الأخرى ضغطاً هائلاً).

ومع ذلك، فإن السياسة ليست لعبة شطرنج فقط، بل كثيراً ما تشبه السير على حافة جبل في ليلة ضبابية.

الإيرانيون لم يكتفوا بإظهار قدرتهم على دفع خصمهم نحو الهاوية، بل جعلوه يراها بأم عينه، ثم ذهبوا معه إلى مذكرة التفاهم، على قاعدة أن الجميع يستطيع الخروج من الحرب من دون إعلان هزيمة رسمية.

وفي المقابل، حاولت طهران بناء شبكة ضمانات تمنع العودة إلى نقطة الصفر. فجميع تصريحات مسؤوليها تقريباً أوحت بأنهم لا يثقون بأن ترامب سيلتزم بما وقّع عليه، وأنهم يتوقعون منه محاولة كسب الوقت، وملء الاحتياطات النفطية، ثم العودة إلى سياسة الضغط الأقصى.

أي مستقبل للأزمة؟

لم يكن الإيرانيون، أو على الأقل جزء مؤثر منهم، يعيشون أوهام حسن النيات الأميركية. ومع ذلك، كان هناك من رأى أن المضي في تنفيذ المذكرة قد يكون أقل كلفة من العودة إلى الحرب، رغم أن واشنطن كانت تقدم، يوماً بعد يوم، إشارات متزايدة إلى رغبتها في التملص من التزاماتها.

وفوق هذا كله، لم تتوقف “إسرائيل” عن محاولة نسف التفاوض بالكامل، ودفع ترامب مجدداً إلى قلب الحرب، لا المناورة على هامشها. تحاول “إسرائيل” استخدام ترامب لمرة أخيرة كعود ثقاب يرمى بعد إشعال الحريق، ثم تركه يواجه وحده نتائج المغامرة، فيما تتكفل الانتخابات النصفية الأميركية بابتلاع مشروعه السياسي. فإلى أين يقود ذلك كله؟

يمكن القول إن إيران، عملياً، منحت ترامب والاقتصاد الأميركي فرصة لالتقاط الأنفاس عندما أعادت فتح المضيق، مقابل وعودٍ كبيرة في مذكرة تفاهم لم تكن تملك حتى لحظة توقيعها ضمانات كافية لتنفيذها.

ويمكن القول إنها أنقذت ترامب مرحلياً، في مقابل مكاسب متوقعة منه، لكنه لم يستطع داخلياً تحمل كلفة ما تركه لطهران في المذكرة.

حاولت طهران تعويض هذا النقص في الضمانات لمنع تجدد الحرب عبر تفاصيل دقيقة تتعلق بالملاحة، وحجم الوجود العسكري الأميركي، وسلسلة التزامات متبادلة، لكنها لم تكد تجف أحبار التوقيع حتى بدأ ترامب يتعامل مع المذكرة كما يتعامل السياسيون مع الوعود الانتخابية. هي صالحة حتى مساء يوم الاقتراع فقط. فإعلانه أن إيران لن تحصل على الأموال الموعودة لم يكن شيئاً يمكن العبور فوقه.

وصحيح أن كثيرين فسروه بأنه رسالة موجهة إلى الداخل الأميركي لتخفيف الضغوط قبل الانتخابات، لكن قراءته بوصفه بداية تراجع فعلي عن الالتزامات تبدو منطقية أيضاً. فالرجل يحتاج إلى الوقت لملء الاحتياطات النفطية الغربية، ثم استئناف الضغط من موقع أكثر راحة، وربما العودة إلى التفاوض تحت سقف النار لا تحت سقف الاتفاق والالتزامات، وها هو يفعل ذلك الآن. ولهذا تحديداً يبدو المشهد بالغ الحساسية.

أما في الواقع، فعلى الأرجح، لن يستطيع ترامب خوض حرب واسعة غير مضمونة النتائج، وعالية المخاطر السياسية قبل الانتخابات. فيما تمتلك إيران ما يكفي من أوراق الضغط في المضيق لإجباره على احترام ما وُقّع، أو الذهاب نحو اتفاق أوسع وأكثر ثباتاً.

وفي التقدير الأرجح، فإن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الحرب لم تحقق بعد الغاية التي بدأت من أجلها. لذلك يبدو التراجع من النقطة الحالية بالغ الصعوبة. كما أن قبول إيران بالتحول الاستراتيجي الذي يريده ترامب يكاد يكون مستحيلاً.

وفي المقابل، فإن الاستمرار في الحرب يشبه الإصرار على الإبحار وسط إعصار بينما أدوات تحديد الاتجاه معطلة؛ مقامرة بنتائج لا يعرفها أحد. أما الاكتفاء باتفاق لا يحقق الهدف الأصلي للحرب، فسيعني هزيمة سياسية ثقيلة لترامب في الداخل الأميركي.

وإيران ليست في موقع مريح أيضاً، فالحرب والعقوبات والحصار تركت جميعها آثاراً عميقة على اقتصادها، تجعل أي مراوحة باهظة، وأي هزيمة مصيرية. لهذا، فإن الكفة سترجح لمصلحة الطرف الذي ينجح في الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، ويملك قدرة أكبر على الصبر واستيعاب الضغوط.

لن يسحق أحد الآخر، ولن يرفع أحد راية النصر سريعاً. هذه ليست من تلك الحروب التي تنتهي بصورة تذكارية أمام عدسات الكاميرات. ويبقى تفصيلان أخيران لا ينبغي إغفالهما.

الأول، أن إعلان ترامب انتهاء مذكرة التفاهم يبدو أقرب إلى رفع سقف التفاوض منه إلى قرار نهائي، ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره نهاية المسار.

أما الثاني، فهو أن إطلاق يد نتنياهو في لبنان لا يبدو خياراً مرجحاً بالنسبة إلى ترامب في هذه المرحلة. فلبنان بالنسبة إلى الحسابات الأميركية ملف مختلف، بقواعد اشتباك مختلفة، واحتمال أن يتحول التصعيد الحالي إلى انفجار دراماتيكي على الساحة اللبنانية لا يزال، حتى الآن، محدوداً.

الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى