رحلة في تضاريس القبر!

لا يمكنك معرفة سر الموت إلاّ عندما تموت، ولكن من السهل تماماً أن تتعرف على تضاريس القبر لأنك قادر على مشاهدته، فهو يشبه علبة مخصصة لكل إنسان في هذه الأرض الرحبة لينتهي فيها، تماما كما ولد منها.
والغريب أن هذا المطرح مشغول بعناية منذ قتل قابيل أخاه هابيل ، وحار ماذا يفعل بجسده، إلى أن جاء الغراب وتعلّم منه صناعة القبر”فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ. قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ أَخِي. فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”..
وأنا أسأل نفسي دائماً ، ماذا سيجري لو لم يأت الغراب؟
اللافت في الأمر أنه وفي هذه الحالة، أي إذا لم يدفن الجسد في القبر، ستنثر الرياح رفات الموتى في أرجاء الأرض وتبعثرها، وقد تبدو أنها أفضل لولا أن الجسد بعد الموت يصبح (سَوْءَةً) تحتاج إلى دفن. والعلبة في نتيجة الأمر هي مكان لانتظار الحق الإلهي “وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ” أي انقلبَ باطنها ظاهِرَها ، كما جاء في التفاسير، فالجسد في العلبة يعني تأجيل البعثرة إلى آخر الزمن، وفي ذلك سر آخر!
جاءتني فكرة الحديث عن تضاريس القبر، منذ زمن طويل ، فقبل أن أنجز سيرته الذاتية بأيام ، اصطحبني الشيخ أحمد كفتارو مفتي سورية السابق إلى فناء يجاور المجمع الديني الذي أسسه في ساحة ركن الدين بدمشق، والمعروف بمجمع أبي النور، وكان يريد أن يزور القبر الذي طلب أن يُهيأ له بجوار قبر ابنه زاهر، ويومها تذكرتُ حكاية قديمة تتعلق بأبي وأخي وأمي ، ففي عام 1979 قتل قريب لنا في ساحة العباسيين لأسباب ثأرية، وذهبتُ أنا وأخي وأبي للمشاركة بعملية الدفن في قريتنا، وهناك شاهدتُ تضاريس القبر على نحو مفصل.
أخبرني أخي عندما عدنا أن أبي كان يقف بجوار القبر ويذرف دموعا غزيرة، فأخبرته أنه حزين على الشاب القتيل، لكن أخي نبهني إلى أنها المرة الأولى التي يذرف فيها أبي هذه الدموع في حالة وفاة.
وبالمصادفة ، توفي أبي في اليوم الثاني ودُفن في المكان الذي بكى فيه، وعاد أخي ليذكرني بقصة الدموع، ويقول : كأنه كان يعرف أن سيدفن في هذا المكان !
بعد مرور أكثر من أربعين عاماً، وكان أخي نفسه قد مات، وقبله كانت أمي قد ماتت ، زرت تلك المقبرة ، فأثارت انتباهي التفاصيل القديمة لحادثة دموع أبي، فإذا قبر أبي يجاور قبر ذلك القتيل (قريبنا)، وعلى مسافة عدة أمتار دُفنت أمي في قبر جديد، وعلى مسافة أخرى رأيت قبر أخي الذي توفي بعدها بسنوات طويلة، فرحت أقرأ أسماء الموتى باندهاش، وكأن (الحبل ع الجرار)، فكثيرون دخلوا العلبة المخصصة لما بعد الموت، إلى الدرجة التي غصّت فيها المقبرة بالأسماء.
راودني سؤال غريب : ما الذي يجري تحت ، أي في القبر؟
حاولت أن أجيب عليه ، فلم أجد جواباً مقنعاً رغم ثقافتي الدينية المتعلقة بالقبور، وثقافتي العلمية المتعلقة بالفناء، وأخذتني التداعيات إلى حمص في رحلة مررنا فيها بجوار مقبرة قديمة على تلةٍ انهارَ جزءٌ منها هو الجزء المجاور للشارع، فانكشف باطن أحد القبور، ومن تلك الفجوة رأيت هيكلاً عظمياً ينام بطمأنينة غريبة ، وكأنه ينتظر شيئاً ما ، ولا أعرف كم مرّ من الوقت على وفاته!
أخذتني التداعيات أيضاً إلى قبر والدة صديقي سامر الذي طلبوا منه أن ينزل إلى القبر ليسجي جثمان أمه المتوفاة ، ولأنه صديق عزيز نزلت معه إلى القبر، وكانت الصدفة أن القبر في تلك المنطقة هو عبارة عن غرفة صغيرة ، تختلف عن قبور قريتنا، فساعدته ، وخرجت مسرعا ليكشف هو عن وجهها ، وظلت تضاريس ذلك القبر في رأسي إلى اليوم .
في تضاريس القبر حكايات كثيرة، وكلها تحكي عن الفناء أو العذاب وبقاء الجسد كما هو قبل الدفن، لكن أهم تلك الحكايات تلك التي جعلتني أقتنع أن كل أشكال تضاريس تلك القبور من الفراعنة إلى المقابر المسيحية إلى المقابر اليهودية إلى الإسلامية ، وحتى إلى قبر لينين المحنط في صندوق زجاجي قبل (البيروسترويكا)، ليست سوى نوع من العلب !
وأنا لا أريد أن أرى أحداً في تلك العلبة، وأحزن اليوم لأن صديقي وابن عمي بلال (أبو المجد) سينزل اليوم إليها، لذلك أرجوكم عندما أموت لاتنظروا إليّ وهم يضعون جسدي فيها، ثم يطبقون عليّ بالحجر والتراب ويجلسون عند حوافها لقراءة الفاتحة، فذلك المكان لا يُفرح أحداً، على الأقل لأنه مغلق، وكل شيء محزن ومجهول وكئيب ومعتم حتى لو كان علبة هدية ، ولا يمكن أن يتغير ذلك الانطباع حتى يحين وقت البعثرة ، وعندها : هل هناك أجمل من وجه الله الذي يتراءى أمامنا عند الخروج من العلبة !