شاعر النهايات وحاصد الخيبات (نصري الصايغ)

 

نصري الصايغ

مات أنسي.
هذا وجع نعرفه، وجع يتصل بالغياب وفداحة الفقدان وتهافت البقاء على قيد حياة، لا تنبت فيه وردة أو قصيدة أو يستعاد حلم.
مات أنسي.
بدا لي أن «العالم صندوق»، وأن الغناء جنازات، وأن الزمن الباقي لا يستحق أن نحصيه، فهو لا يخصنا وهو ضدنا، فما كان، لن يكون، وما سيكون اجترار لوطأة السحق. كل آتٍ بعدُ، ماضٍ نشفق عليه.
مات أنسي وقبله عاصي.
عندما ودع أنسي عاصي الرحباني سأله في غيابه: «ألهذا نعيش ونموت؟ لهذه النهايات، لهؤلاء الرجال، لهؤلاء النساء؟ ما أغبانا، أليس كذلك يا عاصي؟… لا أحد يقدِّر خيبة أملك أكثر مني… أأقول نيالك. كدت أقولها، لولا أني أكثر جبناً من أن أعنيها. ولكن بالفعل نيَّالك، فلا البلد بلدنا ولا الناس ناسنا ولا الحياة حياتنا».
مات أنسي؟ نيَّاله. أليس كل ما كتب من أجله قد مات من زمان، وان كان لم يدفن بعد؟ ألم يمت الحلم من عقود؟ ماذا ظل من الوطن؟ في أي كمين وقعت الحرية؟ ألم ينطفئ الجنون؟ والتمرد ماذا بقي منه؟ والجمال، أي قبح متوحش ينهشه في وضح الفجيعة؟ مات أنسي؟ من قبله، مات كل ما آمن به، باستثناء القهر الذي لازمه، والخيبة التي نذوق طعمها، كلما اكتشفنا أننا بضاعة بشرية وأن الشعر يفر من كلماتنا إلى أقصى العبث وفداحة الألم ولغة لا جدوى من كذبها وافتتانها بذاتها.
كان أنسي، في موقع الضد دائماً. يتحسس ويدرك أن البلد يُهدر وأن السخف خبزه اليومي. أراد أن ينقذه بالحلم. ما أجمل ذلك الحلم إن قورن بذلك الواقع: «نحن بلد بلا قضية، نحن مواطنو الإهدار والسخافة. نعيش في محرقة. نأكل بعضنا البعض، تافهون، منافقون، لصوص. نحن بنك وكازينو وشركة طيران وسمسرة وعمولة وتهريب… ليس في لبنان شيء حقيقي. حتى المجانين لم أعد أصدق أنهم حقاً مجانين. حتى الموتى يخيل إليَّ أنهم يموتون بشكل مستعار».
«لن» تشبهه. عاصياً كان. معتصماً بالحرية، يتقن فن الصراخ والغضب، ببراءة المؤمن، أو بنبوءة التغيير… عنون صفحته في «ملحق النهار» بـ«كلمات، كلمات، كلمات» لوليم شكسبير… كان لكلماته إيقاع وصدى وتموّجات. كانت عابرة لحواجز الطوائف وصنوف السياسة. يتلقفها جيل من الشباب، تربى على تغذية الحلم بالقبضات والتظاهرات وحيوية الأيام… كلماته العابرة، لم تكن عابرة. تولد من قلمه وتبقى. مدماك يعلو مدماكا. كان صخبه هداماً فظيعاً ومدويا، فيه بلاغة الثورة وعبقرية الجنون، فكل ما حوله، ما حولنا أيضاً، كان مزوراً وكذاباً: «يسارهم كذاب ويمينهم كذاب… (جعلوا) من لبنان جمعية للصوص الاحتكار والمنافسة… منذ ربع قرن (وهو عمر لبنان آنذاك) وهم، رأسماليين وطائفيين وعائليين، يستعبدوننا روحاً وجسداً، يفرضون الخوة ويزورون الإرادة، يتاجرون بالحشيش ويتاجرون بالسلاح ويتاجرون بالرقيق الأبيض… هؤلاء هم إسرائيل».
لأنسي الشاعر، سيرة سياسية ثقافية كتبها بحد السكين. خرَّب القصيدة حتى استقام نثرها شعراً مصفى. تغلَّب على الوزن وبحور الشعر والتفعيلة. افتتح للشعر العربي حقبة إلى جانب محمد الماغوط، وسار عليها بعده كثيرون. أنصفته خالدة سعيد، واعتنت به أقلام النقاد، ولم يحفل باتهام التآمر على اللغة وعلى الحضارة العربية… كان متآمراً فذاً، وإمرته من ابداعه لا من خارجه… خرَّب اللغة، فاستقامت شعراً جديداً، فيما الخراب اللبناني لم يستقم في مسار البناء…
قصيدته تخصه. أما «كلماته» في الملحق، فكانت غذاءً أسبوعياً لجيل يحلم ويعمل. أنسي يحرض والشباب يختزن. هل نمدحه عندما نقول عنه، كان أقوى من كل الأحزاب. «كلماته» منشور سياسي فضّاح ومؤلم ومثير ومهيج ومتطلب… شغفه بالحرية دفعه إلى ابتداع حالة من الرفض، إلى ممارسة القطيعة التامة، مع ماض متخلف وحاضر معاق وسياسة منافقة، وقادة دجالين، وطوائف معيقة وعاقة. وتورط أنسي ببرءاة الحالمين، حيث اعتبر ان لا حل ولا يمكن أن ننتظر شيئاً إلا بالعنف. العنف خلاق شرط أن يقترن بالحرية، وإلا تحوّلت الثورة كابوساً:
ولقد تحوَّل العنف إلى مذبحة، واستحالت الثورة كوابيس، ولا تزال.
هنا، في هذا المقام، يقيم وجع بلا نوم. رجل «العواصف الهوجاء» انتهى به المقام، إلى أن أصبح رجل الأطياف. ثقيل الوطء كان، خفيف الظل صار. هذا الشيطان، انتقل في ما بعد إلى مصاف الملائكة، كأنه انفصم… كان يدرك أكثر من سواه، أن ما ينبه اللبنانيين من أحلام، وما ينجزونه في حياتهم، إنما هو بناء فوق الهاوية، وليس على حافتها. لقد سقط كل ما كان جميلا، كل ما كان حلماً، كل ما كان إرهاصاً بجديد، في هاوية الحرب اللبنانية.
رسول العنف هذا، هل يلام على دعوته وتحريضه؟ هل يعاتب أو يعاقب على ثورته؟ هل كنا سنطلب منه أن يعتذر منا وأن يتلوَ فعل ندامة وأن يتراجع عما كتبه؟
عنف أنسي لا يشبه العنف اللبناني السابق واللاحق والقادم. كان عنفاً خلاقاً مرتبطاً بالقيم والوطن والحرية والإبداع… عنفهم، هو عنف «الثورة المضادة» دائماً. خمسة عشر من عمر الحرب اللبنانية، كانت لتأبيد الطائفية، وقتل الأمل، واستنفاد الحلم، وتحويل البشر إلى قطعان يقودهم من يسوقهم إلى الذبح.
ثم إن عنف الكتابة لا يشبه عنف الخديعة. قال: «قد أسأل عن موقفي من الهدم، قد أسأل عن معنى احتجاجي على الإجرام والعنف، بل على الحرب كلها، فيما ان كتاباتي منذ الخمسينيات لم تتوقف عن شحن العنف… بأي حق أنصب الآن نفسي داعية تأمل وحكيم تقريع هل فقط لأن الذين نفذوا العنف هم الآخرون».
يحيل أنسي الجواب إلى تلك المشكلة المأساوية، مشكلة الفرق بين المثال والواقع وبين الكتابة والحياة… فهناك «شرك التوهم بأن العالم سيتجاوب وروح الكلمة وان الإنسان سيلبي نداءها من دون إساءة تفسيرها»… غير أن السذاجة هي «في عدم التفطن لقناصي التاريخ، قطاع طرق الحياة، الذين يرثون اليوم، بكفاءة مرعبة، تقاليد عريقة في الاستعمال والتحريف والتشويه».
عنف أنسي، عنف بريء. ليس من جنس مختلف: «انه من غليان الحق وهدير الحلم»، وهو أعلى من السماء… «أما الحروب التي استعمل لبنان مسرحاً لها فليست تظاهرات عنف إنما أعمال وحشية وبهيمية، لم يسجل فيها أثر واحد لذلك الجمال المخيف، الذي هو جزء لا يتجزأ من العنف الحقيقي».
لم يكن عنف أنسي ينتمي إلى معسكر الموت والقتل، كان عنفاً ينتمي إلى تأصيل الحياة وتحريرها من عنفها المهترئ، والتحريض لتكون في مرتبة الجمال والإبداع والحرية… وشتان ما بين العنفين: عنف مجرم لا يريد غير تغذية القبور، وعنف مغرٍ يستجيب لنداء القلب واستفزاز الخلق.
يبرئ أنسي نفسه من لوثة العنف المدنس. يقول: «وبعدما كانت اللغة سلاح الأحرار أضحت عاهرة الثعابين والسعادين وقناع المزيفين، مختبراً للعقم ومصنعاً لجيف التقليد وجثث التجديد على حد سواء… لم تُقهّر الكلمات فحسب بل أفرغت من سحرها وجعلت جلداً خاوياً جافا».
وكأنه في هذه البراءة التي أغدقها على نفسه، يعلن انسحابه من المشهد. «إني لا أقول بهذا الكلام كله أكثر من كلمة واحدة هي الخيبة». ويختم شهادته في مسيرته: «كلمات كلمات كلمات. خيبات خيبات خيبات… فما من شيء أعمق من الخيبة… الخيبة هي النهاية»… أليس هذا حكم من أنسي بإعدام أنسي بالذات؟
مات أنسي. وفي غيابه نسأله كما سأل عاصي الرحباني في وداعه: «ألهذا نعيش ونموت؟ لهذه النهايات؟ ما أغبانا يا أنسي. لا أحد يقدر خيباتك أكثر منا، نحن الذين بلغنا الجحيم وأقمنا فيه، منذ اندلاع العنف، حتى اعتيادنا عليه، والتصفيق له، واحترام أصوله، والتبني لفروعه، وصولاً إلى انتشاره في جسدنا وروحنا ومستقبلنا».
ألهذا نعيش يا أنسي؟ كنت تقول: «ما من بلد أجمل من الشوق إلى بلد». نحن لم يعد عندنا اشتياق. لم يكن عندنا بلد ولسنا بصدد تصديق ان يكون لنا بلد. نحن من جنس التوحش الديني، والبربرية الأسطورة وتقديس القتل واعتبار الذبيحة البشرية قربانة الطوائف والمذاهب والديكتاتورية والأصولية وإسرائيل والغرب. ونحن كذلك، بكل ما أوتينا من أحقاد تربت على الثأر وفجور المذبحة.
ألهذا نعيش ونموت يا أنسي؟
كان أنسي رائياً لنفسه ونبيّاً منذراً لنا. في خاتمة مقدمته لـ «لن»، فاتحة الشعر الحديث، وما كان مثلها من قبل، يقول أنسي:
«نحن في زمن السرطان… هنا، وفي الداخل. الفن، إما يجاري وإما يموت. لقد جارى، والمصابون هم الذين خلقوا عالم الشعر الجديد… نحن في زمن السرطان، نثراً وشعراً وكل شيء. (خريف 1960).
حتى هذا السرطان، خاننا. لقد خرَّبنا حتى باتت عوارض السلامة والصحة مفاجأة غير متوقعة وغير محسوبة. البلاد في حالة «الميتاستاز». السرطان، بكل أديانه ومذاهبه وطوائفه وعنفه وقتله ووحشيته، غزا جسد البلاد… سرطان الشعر خرب اللغة واستولد نسلاً جديداً، جماله في إبهامه وتشتته وابتعاده عن الينابيع. اللغة التي تفجرت على يدي أنسي، تنتمي إلى ينابيع المستقبل. من هذا المجهول ترتوي وتحيا… أما السرطان العادي، فقد أخذ أنسي، وأخذ بلاداً وشعوبا وفتتها عن بكرة وجودها، فما عادت تتحد وتتفاعل وتنسجم وتحيا.
ألهذه النهايات كنا نعيش؟ ألهذه النهايات سنعيش؟ في وداع أنسي نسأله: أين نلتقي؟ يجيب: «في وداع آخر». فلننظم هذه الوداعات قبل أن تستدعينا الملائكة إلى الضفة الأخرى… من العدم الساحر.


صحيفة السفير اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى