علاقات اجتماعية

ظاهرة العنف والجريمة في مجتمعاتنا

ظاهرة العنف والجريمة في مجتمعاتنا.. تتناقل وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الاخيرة العديد من أخبار حوادث الجرائم والعنف (القتل – السرقة – الاغتصاب- الخطف..) التي تقع في العديد من مجتمعاتنا العربية، وأحدثت تخوفاً وقلقا بين صفوف هذه المجتمعات  المرهقة بالأساس بمشاكل جمَة. وظاهرة العنف موجودة سابقا ولم تخلق فجأة ولكن الذي اختلف هو أمرين: الاول هو سرعة واتساع نشر المعلومة بأسلوب تفصيلي ودرامي في بعض منها مما جعل من الفرد شاهداً على الحدث ومتفاعلاً معه، والثاني هو السؤال عن مدى توسع وزيادة العنف والجريمة والاسباب الكامنة وراءه.

العنف ظاهرة تنتشر وتخترق كافة حقول المجتمع (السياسية – الاجتماعية – الثقافية – الاقتصادية …) فلا تكاد دولة تخلو منها سواء كانت متقدمة أم غير ذلك، وقد تكون ظاهرة للعيان أو مستترة، و العنف من حيث هو وسيلة يستخدم أدوات عديدة لتحقيق غايات وأهداف وقد لا يكون له هدفا، ويمارس على عدة مستويات (الدولة والجماعي والفردي) ويتخذ أشكالاً مشروعة حسب وصف بعض علماء الاجتماع (مثل العنف المشروع الذي تمارسه الدولة شريطة  ان يكون ضمن سلطة القانون ) أو عنف غير مشروع يكسر القواعد الاخلاقية والقانونية، والعنف الفردي المشار اليه في منصات التواصل الاجتماعي هو ما بصدد ان نتكلم عنه لما احدثه من هزة أخلاقية في مجتمعاتنا، ولكن هذا لا يعني ان هناك قطيعة وفصل بالحواجز بين المستويات المذكورة فكل منها يتأثر ويؤثر بالأخر.

والغاية من الحديث عن العنف هو الحد من ممارسته و تقليل اثاره المختلفة الجسدية والنفسية فلا يمكن القضاء نهائيا عليه، و أيضا لفهم كيفية عمله والاليات التي يستخدمها ومحاولة لإيجاد مضادات ( مثبطات ) ضد الاسباب المؤدية للعنف و التي تعمل كمحفزات ومنشطات له، ويمكننا تشبيه ذلك بمواجهة كريات الدم البيضاء ضد البكتريا والجراثيم المسببة للمرض في الجسم البشري، ومنه ننتقل الى جسم مجتمعاتنا في الوقت الحالي لنتعرف ماهي أهم الاسباب التي تؤثر على مناعتها وتجعلها في مرمى هجمات ظاهرة العنف والجريمة. يمكننا البدء بالبيئة المحيطة بنا (من حيث هي فضاء يعبر عن الحالة الصحية للمجتمع) فهي غير صحية وغير سليمة بالمعنى الاجتماعي، فمفرزات الحرب والصراع جعلت التربة خصبة لنمو العنف وتكاثره حتى انه أصبح في بعض الحالات اعتبار فعل العنف حالة اعتيادية غير شاذة، وليس أكثر سوءاً من العنف ذاته سوى استسهال العنف.

لو أخذنا مثالاً على ذلك جريمة الشرف فهي موجودة في مجتمعاتنا سابقا فهل تغيرت الأعراف والتقاليد لتزيد منها؟، الجواب لا، فقد ظلت كما هي موجودة ولكن ممارستها أصبح أكثر سهولة في الظروف الحالية، وبذلك يكون للوضع العام والازمة المستمرة تأثيراً أكبر على تحفيز العنف من باقي الاسباب الاخرى، ولمواجهة تلك العوامل يبرز دور انتاج نقاط مقاومة من داخل الجسم الاجتماعي (مؤسسات دولة- منظمات المجتمع المدني- التنشئة الاخلاقية – الوازع الديني- التنوير الثقافي..) تعمل بدروها على خلق سلسلة من خطوط الدفاع عن ذلك الجسم.

أول تلك النقاط هي ايجاد حل للازمة يفضي الى الاستقرار والتوافق لتتمكن بعدها مؤسسات الدولة وباقي البنى الاجتماعية الاخرى من أداء مهامها بفاعلية أكبر، ويأتي بعدها دور نقطة مقاومة ثانٍ كالتوعية الاجتماعية لتغلق الباب على السبب المتعلق بالعرف والتقليد …، وهكذا نرى بشكل أعم أن العنف كفعل يسير ويدفع بواسطة محفزات معينة وفي الجهة المقابلة له توجد نقاط مقاومة له وكأنهم في حالة حرب وكلما كانت تلك قوية ضعف العنف والعكس صحيح.

ولا يخفى على أحد أن الحالة الاقتصادية الحالية المتردية لها الحصة الثانية الاكبر في انتشار العنف والجريمة، فالفقر والحرمان من أهم الدوافع في توجيه سلوك بعض الافراد وفي بعض الاحيان لا تقوى القيم الاخلاقية والتربوية والدينية عن ردعها، وكما قال الامام علي ” لو كان الفقر رجلا لقتلته”، يستحضرني ان اتذكر ان بعض حالات الخطف التي تمت قام بها أفراد على مستوى جيد من التعليم الجامعي ولكن الضائقة المالية كانت المحرك والفاعل الرئيسي في اتيان الفعل، وأن شاباً قد أقدم على قتل جدته بدافع السرقة، … وتحسن الحالة الاقتصادية مرهون بتحسن عدة عوامل أبرزها ما ذكرناه سابقا، وهنا يتوضح مدى التشابك والتعقيد في العلاقات بين مسببات العنف لتتوزع ما بين رئيسة وثانوية فلا سبيل لحل عقدة قبل العروج على الاخرى.

ويبقى للعنف والجريمة أسباب أخرى عدة غير قابلة للحصر منها السيكولوجي والتنشئة الاجتماعية الخاطئة والسياسي والثقافي… ولكن ركزنا في الحديث عن أهم عاملين مؤثرين في حالتنا الراهنة، ولكل مجتمع خصوصيته ومناعته ومقاومته لتلك الظاهرة، فمدى وقوة العنف واتساعه في دول امريكا الجنوبية يختلف عن ما هو عليه في الدول الاسكندنافية. ونختم كما بدأنا بأنه يجب علينا أن نقلق ونخاف ونواجه المشكلة ونتفكر بها ونفرد لها مساحات من النقاش ونخضعها للتشريح والتحليل والنقد عوضاً عن اغلاق العين والسكوت عنها فالنفي بعدم حدوث الحدث أو المحاولة من تقزيمها وتحجيمها يفاقم المشكلة أكثر، والركون الى مقولات من النوع العاطفي أن مجتمعاتنا محصنة ضدها مخدر مؤقت ليس الا وقد اثبتت الوقائع ذلك، و القاء المسؤولية على جهة معينة في انتشار العنف والجريمة جهل وعدم ادراك لمدى تعقيدها واتساعها واتخاذها لأشكال عدة فالمسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً في انتشارها وفي مواجهتها أيضاً.

بوابة الشرق الاوسط الجديدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى