عداد الخسائر المستمر.. هل نحتاج 200 مليار دولار تمويل؟!

منذ أن بدأت الأزمة السورية، تسجل خسائر بالإجمال سواء بالمدن أو بالبشر أو بالقطاعات الإنتاجية، وعداد إحصاء الخسائر يستمر ويتوسع، دولياً ومحلياً.. الجميع يحصي الخسائر السورية ليشير إلى حجم العبء القادم في مرحلة إعادة الإعمار!

أصبح لرقم 200 مليار دولار وهو الرقم الأكثر تداولاً في كلف إعادة الإعمار وقعاً مريراً على السوريين يشير إلى ثقل المستقبل المحمّل بالدّين.. فهل فعلاً حجم الخسائر هو ذاته حاجات التمويل؟!

لا بد أن إصدار رقم لتقديرات خسائر الكارثة الإنسانية السورية، هو رقم هام وذو دلالة على فداحة استمرارها، وضرورة إيقافها. إلا أن ربط هذا الرقم بمسألة إعادة الإعمار، وبحجم التمويل المطلوب، له غرض آخر. كأن تقول: بأن على السوريين أن يكونوا مستعدين للبحث عن مصادر لتمويل بهذا الحجم، وأن يستعدوا بالتالي لأثمانه! فإيصال الرقم إلى مئات مليارات الدولارات، يعطي الإيحاء بأن الحديث عن «التمويل عبر الموارد الذاتية» هو أمر غير واقعي..ولكن هل تقديرات الخسائر تنطبق فعلاً على حاجات التمويل؟!

الدردري فتح المزاد!

أول جهة بدأت تقدر الخسائر وكلف إعادة الإعمار، كانت منظمة الإسكوا، على لسان مدير إدارة التنمية الاقتصادية والعولمة في المنظمة عبد الله الدردري، في منتدى رجال الأعمال السوريين، في منتصف عام 2014، حيث أشار من حينها إلى أن «التكلفة المقدّرة لعملية الإعمار والتنمية في سورية تتراوح بين 165 و200 مليار دولار، منها نحو 60 ملياراً من الاستثمارات العامّة التي يفترض أن تتحمّل كلفتها الحكومة»، وهذا وفق ما ورد في ورقة العمل التي قدمها الدردري للمنتدى بعنوان «الاقتصاد الكلي لسورية بعد الأزمة».

يومها انتهى الدردري أن الحاجة الاستثمارية البالغة 165 مليار دور بالحد الأدنى، يجب أن تؤمن بخيارات محددة: أولاً: المنح، ثانياً: الدين الخارجي، ثالثاً: الدين الداخلي عبر سندات الخزينة والتي يرى أنه من المنطقي أن تصل إلى نسبة 87% من الناتج الإجمالي كما في النموذج التونسي، رابعاً: التمويل عبر الضرائب.

البنك الدولي يريد أن يبني المساكن!

تقديرات البنك الدولي اختلفت عن تقديرات الإسكوا، فحتى منتصف عام 2014 أيضاً، كان التقدير بأن الخسائر في سورية هي حوالي 70-80 مليار دولار. إلا أن إعادة بناء ما تم تدميره في ست مدن سورية، من المدن الكبرى والأكثر تضرراً، حتى اليوم في قطاعات الإسكان والصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والنقل والطاقة يقدر بنحو 6-7.3 مليار دولار. وهذا وفق ما نشره البنك الدولي على موقعه الإلكتروني، حول مبادرة استخدام تكنولوجيا الأقمار الصناعية لتقدير الخسائر والكلف. حيث انتهت هذه المبادرة التي ركزت على قطاع الإسكان، إلى مقترح عملي، بإنشاء صندوق إقليمي لشراء مستلزمات عملية إعادة بناء المساكن.. ليقرر البنك الدولي بأنه بناء على أن قطاع الإسكان هو الأكثر ضرراً، فإن الأولويات السورية يجب أن تكون إعادة بناء أكثر من 1,5 مليون مسكن مدمر، بشراكات إقليمية لشركات عقارية إقليمية، فهل هذه ستكون الأولوية فعلياً؟! هل ستبدأ سورية مرحلة إعادة الإعمار ببناء المساكن؟ ألا يجب أن نعيد أكثر من 5 مليون سوري من دول الإقليم ومن أوروبا، ليقطنوا في هذه المنازل؟! وإذا ما قامت شركات ببنائها، فكيف سيستطيع السوريون أن يسددوا أثمانها؟! وهل الظرف السوري يتيح أن تؤمن عمليات الاستثمار أرباحاً كبيرة لشركات بناء عقارية بمال أجنبي؟! أسئلة كثيرة حول جدوى أولويات البنك الدولي المبنية على تقديره لطبيعة الخسائر..

الحكومة تتبنى الرقم الدولي الأعلى!

الحكومة السورية في الشهر الثالث من العام الحالي تبنت أعلى رقم دولي مطروح، دون الكثير من التفصيل والنقاش، والقائل بأن حاجات تمويل إعادة الإعمار في سورية، هي 200 مليار دولار، متجاوزة بذلك آخر تقديرات لرئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، الذي أعلن في نيسان من العام الحالي، بأن حاجات التمويل لإعادة إعمار سورية ستبلغ 180 مليار دولار.

فهل يناسب الحكومة ارتفاع الأرقام وتضخيمها؟ وأين تقديراتها المستقلة لحاجات إعادة الإعمار، أو خطة للمرحلة القادمة؟ لا يوجد إلا بعض الإشارات التي تقول أن :«المفهوم العقاري» لإعادة الإعمار يناسبها، فالحديث الحكومي عن إعادة الإعمار، هو مشاريع عقارية كبيرة، على أراضي المناطق العشوائية المحيطة بدمشق، حتى لو كانت مأهولة بسكانها، وغير مدمرة، كما في مشروع بساتين الرازي!.

مصدر الـ 200 مليار دولار

تتباين نسبياً تقديرات الخسائر، إلا أن مصدرها الأساسي يعود إلى دراسات سورية، مدعومة من الإسكوا، ومن الأرقام الرسمية للحكومة السورية، والتي تقوم على تقدير الخسائر الاقتصادية الإجمالية بما يزيد عن 250 مليار دولار، ولكن من ضمن هذه الخسائر فإن الخسائر المباشرة في رأس المال الناجمة عن التدمير الكلي والجزئي للمؤسسات العامة، والمعدات والأبنية السكنية وغير السكنية المتضررة تبلغ 67 مليار دولار نهاية عام 2015، بينما الخسائر من رأس المال المعطل الذي لا يدخل عملية الإنتاج أو الاستثمار تبلغ 23,5 مليار دولار.

أما ما تبقى من المبلغ فهو ناجم بمجمله عن طريقة لتقدير الخسارة من «الفرص الاقتصادية الضائعة»، حيث يتم افتراض أن الأزمة السورية لم تكن، وأن عملية النمو الاقتصادي استمرت، ويتم مقارنة رقم الناتج المتوقع بناء على هذا السيناريو في عام 2015، ومقارنته مع الواقع، ويكون هذا الفارق هو حجم الخسارة في الناتج، والبالغ وفق التقديرات حوالي 163 مليار دولار. كما يعتبر الإنفاق العسكري هو خسارة تضاف لمبلغ الخسائر الإجمالي، وكذلك عوائد النفط التي لم تتحقق تعتبر أيضاً خسارة تضاف بمقدار 5,2 مليار دولار. وعملياً نستطيع القول بأن الخسائر المباشرة مما تم ذكر كله هي الرقم المذكور لحوالي 67 مليار دولار من خسائر رأس المال المادي المباشر. أما باقي ما تبقى فهو رقم تقريبي للإيحاء بما كان ينبغي تحقيقه، فيما لو لم تنفجر الأزمة.

فكيف نستطيع أن نجد علاقة بين الوصول إلى تقدير الخسائر بـ 250 مليار دولار، وتقدير حاجات التمويل بقيمة قريبة؟!

فهل المطلوب أن تتأمن حاجات تمويل لتستثمر في الاقتصاد السوري، لتعوض مباشرة قيمة الخسائر؟ فمفهوم خسارة الناتج المحلي الإجمالي، يحمل دلالات هامة، وهو يدل فعلياً على حجم الخسارة الحقيقية، حيث يتضمن هذا الرقم، بمزيد من التفصيل، خسارة الأجور، وبالتالي توسع الفقر، وما يقابله من توسع النهب والفوضى. وهو يتضمن خسارة القدرات البشرية، والإنتاجية، والقوى المنتجة السورية، من عدة جوانب، وتستطيع أن تجد فيه التعبير عن مجمل مؤشرات التنمية المتراجعة. ولكن هذا لا يعني أن الوصول إلى رقم خسارة الناتج سواء كان 163 مليار أو 200 مليار دولار، يدل على حجم التمويل المطلوب!وهذا يشبه أن تقول بأن القضاء على الفقر، يتطلب استثمار بمقدار «فقر الفقراء»! بينما يجب القول بأنه يتطلب استثمار بالمقدار والكيفية الضرورية، لإزالة مسببات فقر الفقراء، أي تشغيلهم وزيادة نسب إلى أجورهم، وتخفيض الأسعار لتناسب دخلهم، وتحديد حاجات دعمهم وما إلى هنالك..

وضع التمويل رقم واحد!

يطابق المهتمون اليوم بمسألة إعادة الإعمار من قوى سياسية واقتصادية محلية ودولية، ما بين تقديرات الخسائر الموسعة للحرب، وبين حاجات التمويل لإعادة الإعمار. وهي مطابقة غير علمية، الغاية منها وضع مسألة تأمين التمويل: «رقم واحد»، وبالتالي «ينبغي على السوريين أن يقبلوا أي تمويل بأي ثمن!» وعوضاً عن تقدير حاجات التمويل بناء على تقدير الخسائر الكلية المباشرة وغير المباشرة، ينبغي أن يتم الذهاب، إلى تحديد أمرين:

الأول: المهمات الملحة المطروحة القائمة على معرفة ما هي النتائج الاقتصادية- الاجتماعية للحرب الأكثر كارثية والتي ينبغي إيقافها بأسرع وقت، وبالتالي الانطلاق بالعمل منها، ومعرفة حاجات تمويلها رقمياً، وكيفية الاستثمار والإنفاق بالشكل المناسب لحلها.
فهل هي بناء المساكن والمشاريع العقارية، أم هي وقف توسع الفقر والجوع؟ أم ينبغي إعادة السوريين المهاجرين إلى بلادهم؟ أم ينبغي إيقاف تدهور الليرة، والإنتاج، والناتج المحلي الإجمالي؟!

والثاني: هو تحديد نقاط الاستناد الممكنة، أي القطاعات الأقل تضرراً والأسرع انتعاشاً، والأعلى مردوداً، لأن حاجات هذه القطاعات هي أيضاً ضمن الأولويات لأنها تقلص من حاجات التمويل. كما تعد من نقاط الاستناد تحديد مواضع الموارد أي الإجابة عن سؤال: من يربح من خسارة السوريين كل هذه الخسارة؟ وكيف نسترد ما خسرناه؟

فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات كافة إلى أن قطاع النفط السوري لم يتعرض لأضرار مادية مباشرة تذكر، وإن مسألة استعادته بـ 70% من إمكانياته حالياً، تستطيع أن تؤمن 5 مليار دولار سنوياً، بسعر 50 دولار للبرميل.

كما أن استثمار مبلغ 250 مليار ليرة سورية، أي حوالي 500 مليون دولار، في تمويل الصناعة المحلية مباشرة، قد يحقق نمواً في الناتج الصناعي يقارب 10% خلال عام، وهو ما يعني إيقاف التراجع في القطاع الصناعي والمقدر بأكثر من 7% في عام 2015، وتحقيق نمو في الصناعة يقارب 3%. كما تقدر الإسكوا بأن خسائر سورية من العقوبات الاقتصادية حتى نهاية عام 2014 كانت حوالي 20 مليار دولار، ألا ينبغي أن يكون مثل هذا المبلغ هو تعويض مباشر عن الخسارة دون قيد أو شرط من الدول التي عاقبت السوريين وساهمت في حصارهم؟! يضاف إلى ذلك أن العمل المأجور الذي يخلق الناتج المحلي، قد خسر من أجره الحقيقي أكثر من 85% من قيمة أجره خلال الأزمة، وهذه الخسارة تحولت إلى زيادة بحصة الأرباح بالنسبة ذاتها. ألا ينبغي بناء على ذلك أن تكون الحصة المتضخمة للأرباح من الناتج الحالي، هي مصدر موارد لحل مشكلة كبرى مثل تراجع الأجور الحقيقية، وما يترتب عليها من الفقر، وتراجع الإنتاجية، والهجرة، وتراجع الاستهلاك والطلب، وتعطيل الإنتاج.. وغيرها

صحيفة قاسيون السورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى