عملية السلام ودعم الرأي العام (جيمس زغبي)

 

جيمس زغبي

هناك العديد من الأسباب التي تدعونا إلى الشك في الدوافع التي تقف وراء مبادرة جون كيري بإعادة إطلاق محادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية. وأفضل ألا أكون سلبياً في هذا المجال، لأنني أدرك على الأقل أن من السهل الجلوس على الهامش وإطلاق الأحكام العشوائية. ولعل الاعتبار الأكثر أهمية هو أن السلام يُعدّ أمراً جوهرياً بالنسبة لحياة ومستقبل شعوب المنطقة، وللمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، إلى درجة أن أي جهد مبني على النيّة الحسنة يستحق منا الدعم وتوفير الحظوظ اللازمة لنجاحه.
وقد أكد كيري على أن تجري المحادثات من دون تسريب أي شيء عنها لوسائل الإعلام، أو المبالغة في التعليق على مجرياتها أو «التشويش» عليها. وفيما يمكننا أن نتفهّم ونقدّر التوجّه نحو حماية المفاوضات من الضغوط التي لا تتوقف من قبل الصحافة وبقية الأطراف الخارجية، فإن لدينا أيضاً ما نحذر منه في هذا الشأن.
هناك علاقة وثيقة بين توجهات الرأي العام الإسرائيلي، والفلسطيني، وفرص نجاح أي مفاوضات سلام بين الطرفين. وفي نهاية المطاف، لن يهم مستوى الذكاء أو البراعة في ترتيب الصيغة النهائية للتسوية المنتظرة، بل يجب أن تمر بفترة اختبار حتى يمكن الحكم على درجة قبولها من الطرفين.
وعندما عمدنا إلى استطلاع آراء العامة من الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني من أجل معرفة المكان الذي يقبع فيه الحل المنشود، بدا وكأن جهودنا لم تثمر عن شيء. وغالباً ما كنا نتوصل إلى استنتاج يفضي بأن معظم الإسرائيليين يعبرون عن رغبتهم في أن تعطي أي اتفاقية سلام للفلسطينيين ما هو أقل بكثير من الشروط اللازمة لبقائهم. والمفاوضون من كلا الطرفين يعرفون هذا جيداً، ولهذا السبب، نجد كل طرف يهتم بكل شاردة وواردة، ليس باعتبارها مجرّد مشكلة ينبغي إيجاد الحلول المناسبة لها، بل باعتبارها أيضاً قضية ينبغي أن تحظى بالقبول من شعبه المصون. وفي إطار التركيز على هذه القاعدة، كان كل من قادة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني يحرصون على التمسك بشرط عرض نتائج المفاوضات على الاستفتاء الشعبي. وهذا يعني أن على المجتمَعَيْن الإسرائيلي والفلسطيني أن يتحضرا وأن يكونا راغبين في قبول أي اتفاقية تسوية من أجل السلام. ويمكن لصرف النظر عن الدور الذي سيلعبه الرأي العام في هذه العملية، أن يقوّض الجهود كلها منذ البداية.
والسلام، شأنه شأن أي عملية سياسية أخرى، يجب أن يستمد قوّته مما هو ممكن التحقيق. وكما سبق لي أن أشرت، ومن خلال سعينا لإجراء الاستطلاع المذكور، تبيّن لنا أن السلام لا يبدو ممكناً. وعلى التوازي مع المفاوضات، ينبغي أن يتركز العمل الحقيقي على توسيع هامش الأشياء ممكنة التحقق عن طريق العمل على تغيير المواقف المتصلّبة عند كلا الطرفين.
ويصبح هذا الشرط الأساسي أكثر إلحاحاً عندما يتبيّن لنا كيف يمكن لأي مؤشر للتقدم أن يستثير معارضي السلام بشكل مفاجئ ويستنهض هممهم لتأليب الرأي العام عليه. وهذا يفسر كيف سعى حزب «الليكود» بعد توقيع اتفاقية أوسلو العام 1993، وقبل أن يجف الحبر الذي كتبت به، إلى تنشيط شبكته في الولايات المتحدة من أجل حثِّ الكونغرس على تمرير مشروع قانون لتجميد المساعدات للفلسطينيين، وهي التي يمكنها أن تعزز من ثقتهم بعملية السلام. أو كيف عمد آرييل شارون عقب توقيع «اتفاقية واي ريفر» في واشنطن، الذي كان يعارض الاتفاقية، إلى دفع مؤيديه لاحتلال قمم التلال من أجل تأسيس حواجز متقدمة لحماية المستوطنات في المناطق الحساسة من الضفة الغربية. أو كيف أن منظمة «حماس» كانت تستجيب لكل خطوة متقدمة في عملية السلام بتصعيد حملة العنف ضد إسرائيل في محاولة منها لتأخير العملية خطوة إلى الوراء عن طريق إحراج القادة الفلسطينيين وبثّ الرعب والخوف بين الإسرائيليين.
وتغمرنا الثقة بأن معارضي السلام سينشطون هذه المرة أيضاً. وحتى القراءة المتواترة لما تنشره الصحافة من مواقف صادرة عن كلا الطرفين يمكنها أن توضح ذلك بجلاء. فلننظر مثلاً إلى الهستيريا التي تفجرت في إسرائيل عقب توقيع الاتفاقية الحكومية لإطلاق سراح مئة وأربعة سجناء فلسطينيين من ذوي أحكام السجن الطويلة. وإذا ما تركت هذه الظواهر من دون علاج، فإن من شأن مثل هذه الإيماءات السلبية المتعلقة بـ «بناء الثقة» أن تقوّض العملية كلها.
وفي وسعنا أن نتقبل الدعوة للإبقاء على سرية وخصوصية المفاوضات التي يقودها كيري، إلا أن من الواجب أن يتم تدعيم الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، بأن يعمل الإسرائيليون والفلسطينيون بصرامة لتغيير مواقف معارضي السلام في كلا البلدين.
وهنا يمكن لأوباما أن يلعب دوراً بالغ الأهمية. وقد كانت خطاباته في القاهرة، وخلال زيارته الأخيرة إلى القدس ورام الله، بالغة الأهمية، إلا أن كلامه لا يمكن أن يمثل نقطة النهاية فيما يتعلق بمستوى اهتمامه بالموضوع. ويجب إعادة التذكير بهذه الخطابات عند الوصول إلى اللحظات الحرجة في المفاوضات خلال الأشهر القليلة المقبلة. ويحتاج الإسرائيليون والفلسطينيون إلى أن نقدم لهم رؤية حول المستقبل المشترك الذي ينتظرهم لو نجحوا في إحلال السلام، والذي ينطوي على غد مشرق وأمل بما يكفي لتعلقهم وتطلعهم للمستقبل.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن لأوباما أن يكون اللاعب الوحيد في هذا الجهد. ويتحتم على أولئك الذين يريدون للإسرائيليين والفلسطينيين مستقبلاً أفضل أن يتضامنوا الآن وأن يشدّوا من عزائمهم حتى يتمكنوا من دحر معارضي السلام. وتكمن الخطوة الأولى التي ينبغي أن يخطوها الرئيس في دعوة اليهود والعرب الأميركيين المؤيدين للسلام إلى العمل سوياً لدعم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وإذا ما قُدِر لهذه المفاوضات أن تطرح ثمارها، وإذا ما كانت لهذه الجهود التي تُبذل الآن حظوظ في النجاح، فإن من الضروري أن تحظى بقاعدة داعمة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين. وحتى ينجح السلام، لا بد أن تتوفر الإرادة التي تعمل في هذا الاتجاه.
وهذه الجولة من مفاوضات السلام التي أطلقها الوزير كيري قد تنجح أو تفشل. وإذا ما نجحت، فإن السبب الحقيقي لا يمكن أن يُعزى لكون المفاوضين وحدهم قاموا بعملهم المطلوب. وستنجح تلك المفاوضات لو أن المجتَمَعَيْن الإسرائيلي والفلسطيني كانا على استعداد لقبول النتائج التي كانا يتوقعانها مقابل المجهودات التي بذلاها. وأما إذا فشل المتفاوضون في التوصل لاتفاقية سلام، أو إذا توصلوا إليها ولكنهم وجدوا الأرض تنهب من تحت أقدامهم بسبب انعدام الثقة والخوف، فلن نتمكن من الحصول على فرصة أخرى خلال جيل مقبل على الأقل. وهنا بالضبط يكمن السبب في ضرورة تعاون المجتمَعيْن المعنيين ومعهم الأميركيون من أجل دعم السلام قبل أن يصبح معارضوه هم أصحاب الكلمة العليا.

صحيفة السفير اللبنانية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى