أحوال الدنيا

فيلم نورمبيرغ: كيف هرب “هتلر الثاني” من الإعدام؟!!

د. فؤاد شربجي

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصرت الولايات المتحدة على محاكمة قادة النازية المهزومين الأحياء وكان هدفها استكمال استحواذها على النصر وتكريس فكرة أن أمريكا هي من هزم النازية، وذلك عبر تحويل المحاكمة إلى عرض “شو” تقوم فيه أمريكا بمحاكمة النازية وإعدام قادتها لتأكيد موت ودفن هذه الأفكار السياسية الخطيرة المتمثلة بعنصرية التفوق العرقي النازي.

‏واستمرت أمريكا بإحياء عرض “شو” محاكمة نورمبرغ كبرهان على امتلاكها للانتصار وحرمان المنتصرين الأساسيين الآخرين (الاتحاد السوفيتي وبريطانيا) مما حققوه من كسر وهزيمة للنازية. ولم تغب ‏صورة هذه المحاكمة باقترانها بالنصر الأمريكي منذ نهاية الحرب الثانية. وآخر مبتكرات هذه الصورة “فيلم نورمبرغ” الذي انتج في العام 2025 وبدأ بثه على منصات التدفق الرقمي الأسبوع الماضي. وهو سيناريو وإخراج جيمس فاندربيلت. بالاعتماد على كتاب (النازي والطبيب النفسي) تأليف جاك إيل هاي، والذي يعتمد على شهادات من عايشوا تلك الأحداث ومن لم يعايشوها. وطبعا مثل انتصار أمريكا في الفيلم القاضي “روبرت جاكسون”. الذي وضع (الاجتهادات القانونية التي ارست دعائم محاكمة نورمبرغ. وأصبحت الأساس الذي ترتكز عليه جميع ملاحقات جرائم الحرب الحديثة). أي أن الفيلم يقدم أمريكا لا كمنتصرة عسكريا فقط بل يعرضها المنتصر بسلاح القانون والعدالة أيضا، وهذا مهم جدا لمعنى الفيلم وسياقه كجزء من السردية الأميركية للانتصار في الحرب.

‏فيلم نورمبيرغ اختار مسارا دراميا مدهشا وجذابا ومعبرا بنفس الوقت. اختار ملاحقة مهمة الطبيب النفسي الأمريكي الملازم دوغلاس كيلي الذي كلف بمقابلة القادة النازيين المعتقلين وتقييم حالتهم العقلية استكمالا للعرض “الشو” القضائي الذي يقضي بضرورة السلامة العقلية للمتهم. وأكثر ما ركز عليه الطبيب كيلي كان شخصية هيرمان غورينغ نائب هتلر والمرشح لخلافته والملقب “هتلر الثاني”. وقدم الفيلم “هتلر الثاني” غورينغ بحيادية وموضوعية تزيد من قوة إقناعه. اعترف له بذكاء خارق ونباهة متقدة وحنكة سياسية وقانونية وفصاحة مؤثرة، لدرجة أنه تفوق على قاضي الادعاء جاكسون في المحكمة وكاد يطيح بكل لائحة الاتهام وبالمحاكمة وأهدافها. كما أوضح الفيلم كيف أثر هتلر الثاني في الطبيب النفسي عندما عرض عليه حكاية تعرفه على هتلر في العام 1922 وكيف تأثر بخطابه عن اذلال الغرب للشعب الألماني بعد الحرب الأولى وتكبيده إتاوات وغرامات وعقوبات مالية جعلت الألمان يجوعون ويعطشون ويذ لون ويهانون. واكتشف الطبيب النفسي كيف تؤثر اهانه كرامة شعب وتجويعه وإذلاله والنيل من هويته الوطنية وحصاره اقتصاديا، كيف يؤثر كل ذلك في شحن هذا الشعب بطاقة غضب مدمرة لاسترداد احترامه وكرامته وتقدير هويته. ولم يخشى الفيلم من الإيحاء حول مسؤولية الغرب والتعبير عن أن اذلال الغرب للشعب الألماني ولد النازية.

‏أمريكا اختارت مدينة نورمبيرغ لتكون مسرحا لمحاكمة النازية بسبب معانيها الرمزية. فهي المدينة التي أعلنت منها (قوانين نورمبيرغ) العنصرية ضد اليهود، والتي أعلنها غورينغ نفسه من ستاد المدينة في العام 1933 . وكما كانت نورمبيرغ مدينة القوانين النازية أرادت أمريكا جعلها مدينة (قوانين العدالة والديمقراطية الأمريكية) عبر محاكمة أرادت أن تربح بها انتصار القانون والعدالة والديمقراطية الأمريكية ليكون الانتصار الأعمق على النازية. ولتحقيق هذا النصر أعادت أمريكا بناء قصر العدل في نورمبيرغ ليتسع لمئات من الحضور. وليكون استديو سينمائي لتصوير المحاكمة سينمائيا بشكل باهر. وبسبب هذا العرض الجماهيري كان لدى الادعاء خشية ورهبة من إمكانية تحقيق الإدانة المقنعة للنازية، خاصة وأن الطبيب النفسي أفاد للقاضي جاكسون ومساعديه أن غورينغ “هتلر الثاني” ذكي مثقف وصاحب حجة سياسية وقانونية، وحضر نفسه جيدا ومستعد للمواجهة بقوة في المحكمة. وبالفعل كاد غورينغ أن يطيح بالادعاء وأن يكسره. لولا نصيحة من الطبيب النفسي كان أفادهم بها جعلت غورينغ ينهزم أمام الادعاء، ويقر أنه “صحيح لم يثبت علمه أو مشاركته بابادة اليهود.” ولكنه عندما حشره أحد أعضاء الادعاء بأن أخبره عن عدد الضحايا اليهود الذين أحرقهم هتلر ليسأله (بعدما عرفت ما فعله هتلر باليهود. هل يمكن أن تتبعه؟؟) فعرف غورينغ أن الطبيب النفسي خانه. وأجاب الادعاء بقوة وثقه أنه (سيتبع هتلر دائما). اضطر للإجابة أمام المحكمة أنه سيتبع هتلر وبذلك أدين هتلرالثاني غورينغ. ونجحت المحكمة بإدانة النازية حسب الإجراءات القانونية الصارمة. لكن الطبيب النفسي كيلي تأثر جدا من نظرة غورينغ له عندما حشره الادعاء. تلك التي اتهمه بها بالخيانة. خيانة قسم الطب بضرورة حفظ الطبيب لأسرار مريضه. وهذا ما انعكس سلبا على مستقبل الطبيب حيث مات فيما بعد بسبب الاكتئاب وبسبب محاربة الإعلام الأميركي لكتابه وخلاصاته من تقييم هتلر الثاني ورفاقه..

‏الطبيب دوجلاس كيلي تأثر بتجربته مع القادة النازيين وخاصة مع غورينغ، وكتب كتابا حول مجريات فحصه النفسي لهم واستنتاجه أن “جنون السلطة عند هتلر وأتباعه من القادة هو ما دفعهم لاستخدام السلطة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية همجية وبشعة” وفي مقابلة إذاعية في أمريكا أفاد كيلي أن (النازيين ليسوا وحدهم من يرتكب الفظائع. وليسوا وحيدين في كونهم متسلطون ومجرمون. هناك أمثال لهم في كل بلد. وفي كل سلطة متطرفة) وعندما قاطعه المذيع موضحا أنه (لا يوجد مثلهم في أمريكا) أكد له كيلي بحزم وثقة (حتى هنا في أمريكا هناك أشخاص مستعدون لتسلق جثث نصف الشعب الأمريكي إذا علموا أنهم سيحكمون ويسيطرون على النصف الآخر، ومن أجل ذلك يؤججون الكراهية مثلما فعل هتلر وجورينغ هتلر الثاني. ولتأكيد هذه الفكرة استشهد الفيلم في نهايته بقول الفيلسوف ر.ج كولينوود (الدليل الوحيد على ما يستطيع الإنسان فعله هو ما فعله الإنسان بالفعل). وبذلك فإن الفيلم رغم تكريسه للانتصار الأميركي هرب من الوقوع في الدعاية باستنتاج خلاصة التجربة النازية على مرآة تاريخ الإنسان والسلطة، معبرا عن أن الاستفراد بالسلطة يؤدي إلى ما يماثل النازية وجرائمها.

‏الطبيب كيلي عندما وصل إلى نورمبيرغ. كان يمتاز بشيء من المرح. فقد كان يمارس بعض ألعاب الخفة السحرية بكروت لعبة الشدة. لذلك طلب منه غورينغ مرة ان يريه إحدى هذه الألعاب. فعرض عليه حركة إخفاء دولار فضي عبر تشتيت انتباهه. بعدها ألح عليه غورينغ أن يعلمه سر هذه الحركة وطريقة إنجاز هذه الخدعة فعلمه كيلي سر الطريقة.  فمازحه غورينغ هتلر الثاني (سأبهرك بخدعة سحرية أكثر من خدعك. عندما أفاجئك بالهروب من الإعدام). وبالفعل، وبعد صدور الحكم بإعدام غورينغ ورفاقه، عاد هتلر الثاني إلى زنزانته وتناول ثم السيانيد الذي أخفى كبسولته على طريقة إخفاء الطبيب للدولار الفضي. ومات بالسم في زنزانته هاربا من الإعدام شنقا أمام جمهور الصحافة وكاميرات السينما. وبذلك حرم الأمريكيين من عرض إعدامه وصورته مشنوقا. وبالفعل فوجئ الدكتور كيلي عندما قرأ الخبر في الصحف عن هروب غورينغ هتلر الثاني من الإعدام شنقا، وقال (ابن العاهرة هرب من الاعدام!!)

‏فيلم نومبيرغ خطوة إبداعية جديدة في مسار استخدام السينما وفن الدراما المرئية لتكريس المعاني الإنسانية المعبرة عما تتوق الشعوب الى ترسيخه كهوية حضارية تعتمد الإداء الإنساني في صناعة الحياة والتاريخ. ورغم ان نورمبيرغ جسد الانتصار الأمريكي المرغوب الا انه ظل فيلما إبداعيا. و الاهم  أنه شكل نموذجا قويا للسينما وللدراما البصرية في قدرتها على عرض وتكريس أدوارا للأمة التي تتقن الإبداع الحامي والحافظ والمولد للتميز السياسي الحضاري حتى ولو كان مغشوشا. وهذا جزء من قوة الدراما واستكشافها للمعاني التي تقدمها. خاصة إذا حافظت على شيء من صدقها الثقافي والابداعي.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى