في أكثر التّحليلات سذاجةً.. ترامب يتَباهى بأنّه منَع الإيرانيين من تَرديد شِعار “المَوت لأمريكا”.. نعم هذا صحيح ولكنّ البَديل أخطر.. ما هو؟

 

في مُقابلته الأحدث التي نشرتها مجلة “التايم” الأمريكيّة اليوم ونقلت مُقتطفات عنها وكالة أنباء “رويترز” العالميّة، كشف الرئيس دونالد ترامب عن كمٍّ هائلٍ وغير مسبوق من السّذاجة، عندما قارَن بين خِطاب إيران الحالي، ونظيره أثناء مرحلة ما قبل توقيع الاتّفاق النووي (عام 2015)، وقال إنّ هذا الخِطاب لم يعُد يتضمّن شِعارات “الموت لأمريكا.. الموت لأمريكا.. سنُدمّر أمريكا.. سنقتُل أمريكا”، وأضاف “لا أسمع هذا كثيرًا الآن.. ولا أتوقّع أن أسمعه”.

هذا “الإنجاز” الغارِق في السّذاجة، الذي يفتقد إلى قراءةٍ بعيدةٍ كُلِّيًّا عن الوقائع على الأرض، ولا يستند إلى براهين، وأدلّة علميّة، يُؤكّد لنا أمرين، الأوّل أنّ قائله، أيّ الرئيس ترامب، شخص ضحِل سِياسيًّا وفِكريًّا وقِياديًّا، وليس لديه أيّ جديد يقوله، والثّاني أنّه بات مُتأثّرًا بطريقة تفكير حُلفائه العَرب في مِنطقة الشرق الأوسط، أيّ الأسلوب الإنشائي الخالي من أيّ جوهر.

فإذا صدّقنا تصريحات الرئيس ترامب ووزير خارجيّته مايك بومبيو بأنّ خليّة تابعة للحرس الثوري الإيراني هي التي نفّذت عمليّة تفجير ناقلتيّ النّفط العِملاقتين في خليج عُمان، فإنّ هذا يعني، وللوهلةِ الأولى، أنّ إيران انتقلت من مرحلة إطلاق الشّعارات إلى مرحلة التّطبيق العمليّ لها، وهذا انتقالٌ خطيرٌ جدًّا يستَعصِي على فهم الرئيس الأمريكيّ، ويجعله يترحّم على أيّام ترديد هذه الشّعارات.

نشرح أكثر ونقول إنّ الرئيس ترامب يُدين نفسه بإطلاق هذه التّصريحات عندما يُؤكّد أنّ إيران فِعلًا باتت هي التي تأخُذ زِمام المُبادرة في “المُناوشات” العسكريّة، ومعركة عض الأصابع مع أمريكا في مِنطقة الخليج العربي، فإذا كانت فِعلًا هي التي نفّذت الهُجوم على النّاقلات مرّتين في غُضون شهر، فهذا يجِب أن يضاعف من القلق الأمريكيّ، لأنّ التّنفيذ كان على درجةٍ عاليةٍ من الدقّة والاحترافيّة، لأنّ الخليّة المُنفّذة لم تترُك أيّ بصَمات وانسلّت عائدةً إلى قواعِدها سالمةً دون أن يتم رصدها في واحدة من أكثر مناطق العالم ازدِحامًا بالكاميرات، والأقمار الصناعيّة، وأجهزة المُراقبة المُتقدّمة جدًّا، إقليميّةً كانت أو أمريكيّة.

لو انتقلنا إلى “الفيديو” الذي استَندت إليه الإدارة الأمريكيُة كدليل على التورّط الإيراني، وتضمّن قيام زورق إيراني بإزالة لغُم لم ينفجر من جسم النّاقلة اليابانيّة المُستهدفة، فإنّ هذا الفيديو يُؤكّد نظريتنا السّابقة حول الدقّة في التّنفيذ، فإزالة مِثل هذا اللّغم، وبهذه الطّريقة السّريعة والدّقيقة، ودون أيّ خوف أو قلق من انفجاره، أو وجود عيون العسس وكاميرات المُراقبة، بل ووجود عُبوات ناسِفة مزروعة يُمكِن أن تُفجّر عن بُعد، يعني أنّ الخليّة المُنفّذة مُتقدّمة جدًّا تقنيًّا واستخباراتيًّا عن خُصومها الأمريكان، وهذه حقيقة مُرعِبة.

لا نُجادل مُطلقًا بأنّ إيران باتت في وضعٍ صعبٍ من جرّاء العُقوبات الأمريكيّة التي أدّت إلى تخفيض صادراتها النفطيّة من 2.5 مليون برميل إلى 200 ألف برميل يوميًّا فقط، ممّا يعني حِرمانها من عوائدٍ سنويّة في حُدود 40 مليار دولار، ولكنّ من الواضح أنّها انتقلت من الدّفاع إلى الهُجوم، ومن إطلاق شِعارات الموت لأمريكا، إلى اتّخاذ خطوات عمليّة بعرقلة الصّادرات النفطيّة، والمِلاحة الدوليّة في المِنطقة ودون إغلاق مضيق هرمز في الوقت الرّاهن على الأقل.

قرار الرئيس ترامب بإرسال ألف جندي أمريكي إلى المِنطقة لتأمين الدّفاع عن حامَلات الطّائرات والسّفن الأمريكيُة، يعكِس خطوةً رمزيّةً ليس لها أيّ قيمة عسكريُة، لا تُوحي بوجود قرار بأيّ ردٍّ انتقاميٍّ وشيك، بينما إذا تأمّلنا التّهديد الإيراني باستئناف تخصيب اليورانيوم بمُعدّلات تصِل إلى 20 بالمئة، وزيادة الكميّة المَسموح بها وهي 300 كيلوغرام فقط، اعتبارًا من 27 حزيران (يونيو) الحالي، تُوحي بأنّها غير مُستعدّة بالقُبول بالوضع الحالي، أيّ استمرار العُقوبات دون رد، مثلَما تُوحي بأنّها تُواصل التحدّي، وربّما تُخطّط لهجمات أخرى على المَزيد من النّاقلات، أو مصالح أمريكا وحُلفائها في المِنطقة، بشكلٍ مُباشرٍ أو عبر أذرع حُلفائها العسكريّة في المِنطقة.

لا نعتقد أنّ التّصريح الذي أدلى به اللواء حسين سلامي مساء الثلاثاء وقال فيه إنّ الصّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة فائقة الدقّة قادِرة على استهداف سُفن وحامَلات طائرات ونجحت في تغيير موازين القِوى، لا نعتقد أنّ هذا التّصريح جاء صُدفةً، أو زلّة لسان وإنّما رسالة مُتعمّدة إلى الرئيس ترامب، ومُستشاره جون بولتون الذي اكتشف فضيلة الصّمت مُؤخّرًا، تُؤكّد ما ذكرناه آنِفًا بأنّ حالة الجُمود الحاليّة التي تُناسِب أمريكا وحُلفائها لن تطول، وأنّ مُفاجآت قادِمة ربّما تحمِل أخطارًا تتواضع أمامها الهجَمات على النّاقلات، إذا صحّت الرواية الأمريكيّة التي تتّهم إيران بالوقوف خلفها، وهي رواية تحظى بشُكوكِ الكثيرين من بينهم أوروبيّون وروس وصينيّون، وهذه الأخطار واردة سواء صحّت هذه الرّواية أو لم تَصِح، لأنّ إيران كسَرت حاجِز الخوف، ولن تقبل أن يموت شعبها جوعًا بسبب الحِصار.. والأيّام بيننا.

 

صحيفة رأي اليوم الالترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى