أوجات.. وطقوس فتح الفم” تواكب افتتاح المتحف المصري الكبير

 

على غلاف هذا الكتاب وضع ناشره شريطًا ملونًا كتب عليه: “هديتنا لافتتاح صرح الألفية الثالثة.. المتحف المصري الكبير GEM 2020″  وعلى غلافه الأخير قال: يُسعدنا أن تُواكب هذا الحدث الثقافي والحضاري الضخم الذي تُهديه مصر للعالم كله، والمتمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير “GEM” خلال هذا العام، بإصدار هذا الكتاب الذي تُبحر فيه مؤلفته القاصة منة الله سامي في طبقات تاريخ مصر القديم، وهي تُبدع مجموعتها القصصية السابعة التي اختارت لها عنوانًا لافتًا هو “أوجات.. وطقس فتح الفم”.

وتكمن أهمية هذا الكتاب في كون مؤلفته، المتخصصة في العلوم والتي تعد دراستها لنيل درجة الدكتوراه في المناعة، والتي تعمل محررة بنشرة الأخبار الإنجليزية بقناة النيل الدولية، تُعَد من أشد المغرمين بحضارة مصر القديمة، ومن أكثر المطَّلِعين على تجلياتها ومتونها، وما كتبه المستشرقون حولها.

في هذه المجموعة القصصية لن تجد، عزيزي القارئ، نصوصًا تقليدية تُحاكي ما قرأته من قبل في كتب التاريخ عن حضارة مصر القديمة بأبطالها وملوكها وكهنتها، بل هي نصوص تُصوِّب أحداثًا سبق أن وصلتنا مغلوطة أو شائهة، أو تُجلّي حقائق لا تزال غائبة عن الكثيرين منا.

 والكاتبة ركبت آلة الزمن صوب هذا الماضي السحيق لتعود إلينا بهذه الرؤى أو النصوص القصصية التي بين أيدينا في هذا الكتاب ونحن كناشرين نسعد بتقديم هذا الإنجاز الذي يُعد إضافة في مجال الإبداع القصصي الذي يستلهم التاريخ القديم أو يستوحي منه.

كما أنه يُعتبر مواكبة لحدث كبير لطالما تاقت النفوس إلى تحققه أو إلى حدوثه وفي إهدائها لهذه المجموعة كتبت منة الله سامي: “إلى مصر في عام 2020 وهي تشهد افتتاح دُرة العقد.. جوهرة “كِمِت” وقلبها النابض.. أثر أجدادنا الذين تاقوا للخلود فتحدوا الزمن.. وها نحن بينهم اليوم وكأن أبعاد الزمن المتعددة تنصهر في بوتقة واحدة تنبع على امتداد البلاد لتتفجر نورًا وعلمًا في المتحف المصري الكبير.

وفي تقديمه لهذه التجربة يقول الناقد الدكتور عبدالبديع عبدالله، أستاذ الأدب الحديث والنقد بجامعة بورسعيد: هل مازلنا نذكر “شامبليون”.. العلّامة الذي كشف الحجاب عن اللغة المصرية القديمة؟

إن ما كنا نراه صورًا ورسوم حيوانات وطيور أعلن أنه أبجدية المصريين الأقدمين. جاء فك طلسمها من البحر، حينما عثرت بعثة مكتشفين على “حجر” راكد في قاع البحر قرب مدينة “رشيد”، فعُرف الحجر باسم المدينة وصار “حجر رشيد” المنقوش عليه حروف يونانية ولاتينية والثالثة هي حروف اللغة المصرية القديمة. وبهذا الكشف الذي تفتقت عبقرية “شامبليون” عن فك طلسمه بمضاهاة حروفه بنظيراتها في اليونانية واللاتينية، وأدرك العالم شيئًا عن أقدم حضارة عرفتها الإنسانية، وقدمت للبشر نُظم الحياة والفصول الزراعية المتغيرة بتغير أحوال الجو.

عرف العالم كيف بحث الإنسان المصري القديم عن الله.. بدءًا من الطوطم إلى التوحيد.. كيف فكر في التجريب بعد التأمل والفلسفة والتفكير. كانت الرياضيات والكيمياء الأساس الذي بنى عليه عمارته، وحفظ كائناته، وحافظ عليها عبر الأزمنة بسر أسراره العلمية. بل اهتدى بثقافته الرفيعة إلى أن صنع لذاته قوة دفع تساعده على الارتقاء والسيادة.

وصدق “شامليون” فيما توقعه عن مصر القديمة بعد أن انكشفت للعالم أغنى مقبرة في تاريخ الإنسانية بكنوزها ومعارفها في 4 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1922 حين اهتدى حسين عبدالنبي العامل في الحفر إلى فتحة في المقبرة فأبلغ الأثري هوارد كارتر، واللورد كارنافون، فكان الكشف.. الأقنعة الذهبية للملك توت عنخ آمون والعصي والمقاعد الذهبية، والأسرة الجنائزية.

وظهرت مئات الكتب عن “المصريات”، وتزينت أعظم متاحف العالم بما حصلت عليه من جواهر الآثار المصرية ومومياوات ملوكها، وقدمت السينما الأميركية موجة من الأفلام عن مصر القديمة أشهرها فيلم “وادي الملوك” و”أسطورة المنسيين”، ومازالت موجاتها منسابة حتى اليوم تُبهر العالم بمرئيات حضارة غاربة.ويجيب: أخشى أننا لم نفعل أكثر من زيارات: منطقة آثار الأهرام، والبر الشرقي أو الغربي بالأقصر، وتركنا للسائح الغربي الاستمتاع بما انكشف من آثار الأقدمين والتعرف على ما امتلكوه من علم وفن ودين وحضارة.

أما الأدب فلم نقرأ منه في لغتنا العربية إلا: “سنوحي” للدكتور محمد عوض محمد، و”ملك من شعاع” لعادل كامل، وكتابات نجيب محفوظ الروائية الأولى: “رادوبيس”، و”كفاح طيبة”، و”عبث الأقدار”، وهي إسقاطات على ما نعيشه في واقعنا في مواجهة الاستعمار، أكثر منها محاولة لاستعادة صورة مصر القديمة كما كانت عليها.

وجاء جيل جديد من الكُتَّاب والكاتبات، وتأملنا منهم خيرًا، خاصة وأن روح “المصرية” سرت في كياناتهم، فجدوا في البحث عن الجذور الممتدة في عمق التربة المصرية لاكتشاف روح مصر القديمة وطبيعتها.

وقد قرأت للأديبة منة الله سامي من قبل كتابًا يضم قصصًا قصيرة بعنوان “كِمِت”، و”كِمِت” كما يدل عليه الاسم هو مصر كما كانت تُعرف قديمًا، أو هي “الأرض السوداء” أرض الزراعة والحضارة التي قامت على ضفتي النيل.

وها هي اليوم تقدم مجموعتها الجديدة التي صارت الأسماء القديمة مألوفة على قلمها، دارجة في سردها: “أوجات.. وطقس فتح الفم”. فنقرأ أسماء: رع، أوزير، حورس، آتوم-رع، ست، نفتيس، بتاح، نوت، خنوم، أبوفيس، إيزيس، حتحور، سخمت، إنبو، شو، جحوتي، عنخ، حقت، خت، آميت.

وتمثلت هذه الأسماء القديمة الجديدة في قصصها التي قامت أيضًا على شخصيات ومعانٍ من تلك التي عاشها المجتمع المصري القديم مثل: “سحر الوردة”، “آتوم-رع”، “آمون”، “نوت”، “أوزير”، “من أجل المجد قتلت أخي”، “رأس إيزيس”، “طقس فتح الفم”، “عين رع”.. إلى آخره.

وفي ظني أن هذه القصص.. الإشارات إلى عالم كان قائمًا واختفى.. تحتاج إلى ملء فراغ ما بين نصين.. النص المؤلف والنص المستدعى من أعماق الماضي للبناء عليه ففي قصة “طقس فتح الفم” تستدعي المؤلفة أقدم شخصية أسطورية في ميثولوجيا مصر القديمة، من خلال أسطورة “أوزيريس” و”ست” و”حورس” التي يتممها إصرار “إيزيس” على إنقاذ “أوزيريس” من أنياب الشر بمساعدة الابن “حورس”.

تبدأ الكاتبة مفاجأتنا بحمل “نفتيس/ نبت حوت” بطفل في أحشائها.. والمفاجأة الكارثية أن الحمل ليس نَبت زوجها “ست”.. أي أن الحمل ليس طفلًا من الشر “ست”، بل من الخير “أوزيريس”.

والغريب أن المُلهَمة “إيزيس”التي وجدت الطفل وحيدًا في الخلاء بعد أن تخلت عنه “نفتيس” تحمل الطفل وتحنو عليه لأنها بحدس نوراني تعرف أنه ابن زوجها “أوزيريس”، فتربيه مع ولدها “حورس”، ويكتسب الطفل من الآلهة الإلمام بعلوم التحنيط “الكيمياء” والطب، وذلك تهيئة للدور المُناط القيام به وهو الاشتراك مع “حورس” في إنفاذ أمر “رع” وإعادة الروح إلى “أوزيريس وهكذا يتعاون الأخوان غير الشقيقين على إنفاذ إرادة “رع”.. هكذا يقول “أنوبيس” لأبيه “أوزيريس”.. “ارتفع وواحيا”.. أي تنفيذ لإرادة “رع”.. “وتمسك بهيئتك الجديدة وتجنب جريمة من أساء إليك”.. أي يولد الخير من الشر.. وتولد الحياة من الموت.. هكذا تتحقق مشيئة “رع” في استعادة “أوزيريس” أو الخير، وتوقف الشر عن التمدد والانتشار فـ”ست” لم يأت بولده.. وزوجته لم تحمل منه وإنما حملت من الخير الكاسي وجه الدنيا، وعجز الشر عن الاستمرار.. هذه حكمة الحياة.. الحكمة التي استلهمها الحكماء من فيضان النيل كل عام جالبًا معه الخير والحياة لافظًا القحط والجفاف والموت.

وثم يتوقف الناقد أمام قصة “عين رع” فيقول: حينما تهرع “سخمت” لتلبية أمر أبيها الإلهي “رع” بعيدًا في أقصى الجنوب، وتعود لتجد أن مكانها في خدمة أبيها قد ضاع بعد أن استبدلها بأخرى.. ويغلبها الحزن النبيل والبكاء.. ولكن النصيحة والحكمة الإلهية تدعوها للصبر، فأبيها لا يخذلها بل يهيئها لوضع أفضل.

تستحيل “سخمت” إلى حيّة الكوبرا المهيب.. وتنفث ألسنة اللهب في كل من يقترب من “رع” ويضعها على جبهته بينما تتحرك في كل اتجاه نافثة لهبها وسمومها حماية لـ “رع” الأكبر هكذا تحولت إلى الكوبرا الحية ذات القدرات التي لا تنفد حماية للإله “رع” وتحت طاعته أما التمرد والغضب فيقودانها إلى حتفها.. هرعت المتقلبة “حتحور”.. “تفنوت”.. سخمت” إلى بلاد النوبة.. تعيش كلبؤة متوحشة تلتهم كل شيء في طريقها.. وتنساب من فمها وفكيها دماء حارة وهي طالبة المزيد.

فتُظهر عين “رع”.. القدرة التي تتجلى عند الحاجة إليها.. تلتهم كل ما يعترضها.. وبعد ذلك تنتاب “رع” موجة حزن على ابنته وهو يريد أن يخلصها مما حاق بها فيرسل لإنقاذها “شو” و”جحوتي” في هيئة قردة، يعملان بحنو ومحبة لاستمالتها مما وقعت فيه لتعود إلى كنف أبيها ورعايته، وتقبل العودة ويحتفل بها الرسولان ويحملانها في موكب موسيقي، يجعلها تتهيأ لتتطهر في النيل وتعود إلى إشراقها النوراني بعد أن تغتسل في مائه الطاهر وتعيش في حمايته ملبية أوامره في أن توجه طاقتها لحماية وطنها من الأعداء.

ولكن الكاتبة اختارت أن يكون نصها معادلًا للنص المصري القديم الذي وصل إليها في “كتاب الموتى” أو “الخروج إلى النهار”.. وفيما نقله الدارسون للحضارة من نصوص مثل أناشيد بردية “رند” وأنشودة آمون، ومؤلفات أخرى كثيرة عن آلهة مصر القديمة، بالإضافة إلى نصوص من الكتب المقدسة من العهد القديم والجديد وأيضًا من النص القرآني، وكأن الكاتبة أرادت أن تجعل نصها معادلًا للنص القديم الذي استخدم الإشارات والرمز والتلميح تاركة لقارئها أن يملأ فراغ ما بينهما وأن يبحث عن المسكوت عنه في هذه الاستدعاءات الأدبية لحياة كانت قائمة قبل آلاف السنين، ولم يبق منها إلا علامات يهتدي بها من يبحث عن حقيقتها.

بقي أن نشير إلى لوحة الغلاف التي رسمها الفنان السكندري الكبير ماهر جرجس والتي تعد معادلًا بصريًا رائعًا لهذه القصص.

 

 

ميدل إيست أون لاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى