كتب

لعبة الكتابة عن الرواية ‘مستر غوين’

الكتابة عن الرواية في سياق العمل الإبداعي ركن أساسي في موجة التيارات مابعد حداثوية ويكون مشروع الرواية داخل الرواية من المقومات التي تقومُ عليها العملية الإبداعية. يرى روب غريبه أنَّ ما تبحثُ عنه الرواية هو ذاتها، ويصحُ فهم حيثيات احتمالات الكتابة ضمن النص الروائي بوصفها سعياً للتجديد والانزياح عن الأنساق التقليدية  ومُناقشة الرهانات الإبداعية والذائقة السائدة التي قد تكون صنيعة العقلية التجارية وبذلك يتداخلُ الخطاب النقدي مع الاشتغالات الإبداعية كما تجدُ هذا المنحى في رواية “أحجية إدمور عمران المالح” للكاتب المغربي محمد سعيد أحجيوج إذ يفردُ صاحب “كافكا في الطنجة” مساحة للصوت النقدي بشأن آليات الترويج.

ضف إلى ماسبق فإنَّ التعبير عن التوتر المصاحب لمهنة الكتابة يؤثثُ لشكل مختلف من المنجز الروائي، ويكونُ الرهانُ على تواصل المتلقي مع مكونات الطبخة الإبداعية والطاقات اللغوية والخيالية التي تنهضُ عليها هويةُ العمل ومايكشفهُ المبدعُ عن تفاصيل مغامرته.

ومن المعروف عن الكاتب الإيطاليؤ هو تمكنه في سبك نصوصه الروائية بنفس غرائبي مسكون بجرعة عالية من المُفاجأة كما أنَّ البساطة في التناول هو ملمحُ آخر من خصوصية عالمه الإبداعي فبذلك تكتسي تركيبة نصوصه مواصفات مميزة هذا عدا عن المرونة في تطويع أدوات الكتابة المسرحية وتوظيف التقنيات السينمائية كما ترى ذلك في عمله المعنون “بلا دماء” وما أنجزه في نصه الغنائي “1900” غير أنَّ مايهمهُ أكثر في رواية “مستر غوين” هو الإبانة عن لعبة التواري خلف الأسماء المستعارة واختبار نوع جديد من الإبداع يتطلبُ استنفار الأحاسيس السمعية والبصرية وفتح الباب على المناورة الذهنية. ما يشتغلُ عليه باريكو في هذا النص قد يبدو موضوعاً بسيطاً  للوهلة الأولى لكن مع مضي السرد وتضايفه لشخصيات جديدة يكون السؤالُ قائماً بشأنِ قرار غوين بالابتعاد عن الكتابة وما يستتبعُ ذلك من الشعور بالخواء وصدمة مدير أعماله توم بما أعلنهُ صاحب الروايات الذائعة الصيت على المستوى الجماهيري، طبعاً يضمرُ هذه الأسئلة المثيرة للنقاش أبعاداً وجودية.

خارج الإطار

اكد كثير من المبدعين أنَّ الكتابة أصبحت متغلغلةً في حياتهم لدرجة أنَّ الانقطاع عنها ربما يوازي الموت أو الانسحاب الفعلي من العالم لذلك يجربون أنماطاً مختلفة من أشكال إبداعية الامر الذي يكون ملحاً عندما يدركُ المبدعُ بأنَّه لم يعدْ ممكناً تجاهل عامل الزمن في تحديد المساحات التي يتحركُ فيها مستفيداً من درايته باللغة وبصيرته لصياغة عبارات مكثفة ونصوص جزلة بدلاً من الإطناب والتفصيل إذنَ لايكون التوقف عن الكتابة إلا خياراً بغيضاً ومايثيرُ استغراب في شخصية “مستر غوين” هو مغامرته بالانسحاب من عالم الكتابة والقفز خارج محدداتها على الرغم من حظوته الجماهيرية وشهرته في انكلترا لكن ذلك لايمنعهُ من نشر قائمة بالأشياء التي لن يفعلها في صحيفة الغارديان ولعلَّ أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الإعلان هو قرار الامتناع عن الكتابة إضافة إلى عدم التظاهر بالثقة وهو يقابل التلاميذ ولا يحاولُ التأدب مع زملاء قد يحتقرونه.

في الحقيقة لايسهبُ الراوي  في الحديث عن كل مايردُ في القائمة بقدر ما يهتمُ بالاستعداد الذهني لدي القاريء لمتابعة ما يكونُ محوراً للرواية وهو شكل حياة “مستر غوين” بعد الانقطاع عن الكتابة.

ويتمُ التلميح في هذا السياق إلى عودة كثير من الكتاب عن قرارهم بالامتناع عن نشر الأعمال الإبداعية،  وما يلبثُ أن يقضَ الفراغ مضجع “جاسبر غوين” إذ يتحرى عن بديل للكتابة وذلك يكونُ بترتيب العبارات في ذهنه أو ربط الحذاء ببطء.

ولايصعبُ على المتابع رصد تدخلات الكاتب المباشرة وتعليقاته المفصلة على صراع غوين مع الفراغ واستبطان هواجسه المؤرقة بشأن التناقضات القائمة في الأشياء التي يحبها البشر،  وهنا تقع على مايعبرُ عن هذا القلق الوجودي: إن الشيء الوحيد الذي يجعلهم يشعرون بالحياة هو نفسه المقدر أن يقضيَ عليهم ببطء مثل الأبناء بالنسبة للوالدين، نجاح الفنانين، الجبال شاهقة الارتفاع لمتسلقي الألب،  تأليف الكتب بالنسبة إلى “جاسبر غوين”و هذا مايمكنُ تسميته بمكر الحياة الذي يتحركُ المبدعُضمن موجهاته.  ولاعجبَ من عنف ارتدادات الرغبة المعاكسة على المستوى النفسي عندما يريد الكاتبُ اختبار المدارك خارج ملعبه.

رهانات المراوغة

تتكيءُ لعبة السرد على المراوغة والإلتفاف على المتواضع عليه وكلما تمكنَ المبدعُ من مخالفة أفق توقع القاريء ينداح التشويق على مساحة النص ويكونُ الفضاءُ معجوناً برهانات المُفاجأة،  بالطبع فإنَّ باريكو يضمرُ مفتتح رواياته بما يثير الأسئلة عن مصير غوين والدافع وراء رغبته لاختفاء عن متابعيه وتجاهل العقود التي تصله لترجمة أعماله أو تحويلها إلى نصوص مسرحية فبالتالي يريدُ فك ارتباطاته بعالم الكتابة وينفصلُ تماماً عن أجوائها. ومايتأسف عليه جاسبر غوين أنَّ تخليه عن الكتابة يعني غياب التواصل بينه وبين توم حيثُ تعرف على الأخير في حانة وكان الحديثُ يدور حول فرضية ما يضيفهُ همنغواي إلى رصيده لو ما أقدم على الانتحار.

اختلفت آراءُ الإثنين فيما رأى توم بأنَّ صاحب “الشيخ والبحر” ما كان يُنجز جديداً حتى لو طالت به الحياة فقد توقع جاسبر بأنَّ قريحة همنغواي ستجود بالمزيد. ومن المعلوم أن  الغرض من استدعاء أرنست همنغواي إلى حلبة السرد هو تأكيد لمفهوم مكر الحياة المشار إليه آنفاً. يتضاعف الشعور بالملل لدى جاسير غوين علما أن ما يبلغه لمدير أعماله عن تخيله لحوار بين رجل وإمرأة عن بوح الأول لأحلامه يستحسنه توم ويريد اختيار عناوين له غير أنَّ المؤلف يؤكدُ بأنَّ ما سرده ليس إلا مشاهد من كتب لن يكتبها قط. تتوالي وحدات الرواية متتابعةً ولا يكونُ في بؤرة الحركة السردية سوى المؤلف إذ يتضاعف شعوره بالملل  ويثقل الشتاء  بلياليه الطويلة من وطأة الأرق. وفي هذا الوضع المختنق تذكر السيدة المسنة صاحبة الوشاح الواقي من المطر التي قد صادفها في صالة الانتظار باحدى العيادات. قد ارتادها متوجساً من صحته بالطبع فإنَّ ذلك قد يكون من أعراض الامتناع عن الكتابة.

ومن المهم الإشارة إلى محتوى الحوار المتبادل بين المرأة وجاسبرغوين  إذ ما يستغرقُ الأمرُ كثيراً حتى تتعرفُ العجوزُ على هوية الكاتب مبدية إعجابها بروايته “العاشقان” وتضيفُ بأنها كانت مدرسةً ويستمرُ الحوار في هذا المفصل إلى أنْ تسألُ من غوين بشأن جديده وما هو بصدد انجازه؟ معقبة على صمت جاسبر بسؤال آخر هل انتهت الأفكار؟ وبدوره ينفي غوين أن يكون السبب لعدم الكتابة هو نضوب الأفكار لافتا إلى رغبته لاختبار مهنة النسخ. وما يكسي أجواءً عجائيبة على منحى الرواية أن الكاتب ما أن يعودَ إلى الطبيب لاحقاً حتى يلاحظ غياب السيدة المسنة ومن ثمَّ يسمع من موظفة الاستقبال خبر موتها وهنا يتقاطعُ شكل الكتابة مع مفهوم السرد المستحيل. لأنَّ التواصل يكونُ مستمراً بين المؤلف والمرأة المسنة. ما أن يقيمُ جاسبر الاستوديو حتى تزوره صاحبة الوشاح المطري ولولا وجودها لما بادرَ جاسبر بالانكباب على انجاز بورتريهات. وما أضافه جاسير غوين إلى فضاء الإستوديو هو محتوى موسيقي محاكٍ لأصوات الطبيعة بتنوعها، وبذلك ينجحُ باريكو  في تفعيل المستوى السمعي والبصري في تشكيلته السردية. وكان الانصراف إلى فن البورتريه بفعل مصادفة غريبة إذ بحث غوين عن كافتريا في يوم مطير فإذا به يقف أمام معرض فني واللوحات التي يقعُ عليها نظره بدت له متشابهةً من حيث الثيمات. وأراد تمضية مزيد من الوقت بتصفح الكتالوج متابعاً الصور الفوتوغرافية للفنان ويحفرُ في شكل التواصل البصري بين الرسام والموديل هنا يتم شحن السرد بالتعبير البصري وتنم المعطيات برغبة عارمة لإنشاء تراسل بين الفنون  وهذا مايتحققُ في ختام الرواية عندما تكتشفُ ريبيكا بأنَّ جاسبر قد حول بورتريهاته المستلهمة من تأمل جسد الأشخاص الذين حلوا ضيفا في الإستوديو إلى مادة في سردياته الروائية. يتبعُ باريكو استراتيجية اللعبة يدسُ بعناصر المفاجأة بين طيات المقاطع الأخيرة من الرواية ولن يكونَ اختفاءُ غوين أكثرها إثارة بل ماتقرأه ريبيكا في رواية أيقونتها في الكتابة “كلاريسا رود” هو اللامتوقع الذي يعيدُ خلط أوراق اللعبة من جديد إذ تستغربُ ريبيكا من تطابق مايردُ ضمن رواية رود مع البورتريهات التي دونها غوين. وبذلك تنضمُ ريبيكا مرة أخرى إلى عالم المؤلف بعد أربع سنوات من غيابه وتبدأُ البحث عن غوين المتستر وراء أسماء مستعارة. عليه يرفعُ الستارُ عن شخصية مالوري وهو قاريء محترف كان يستشيرُ به الناشر توم لمعرفة هوية الكتاب وفضح السطوات الأدبية. ويدورها تلجأُ ريبيكا إلى مالوري لفك أحاجي غوين وبهذا تصبحُ لعبة الكتابة ثيمة رئيسة في رواية مؤلف “مدينة” جدير بالذكر أنَّ مترجمة الرواية “أماني فوزي حبشي” تشير إلى أن المؤلف قد استوحى فكرة روايته خلال زيارته لأحد المتاحف مشاهدا الزوار واللوحات. تحيلك فكرة هذا العمل إلى الرغبة التي كانت تراود إيتالو كالفينو حيث ربط السعادة بوجوده في بيئة تتيح له بأن يكون لامرئياً ويفهمُ من كل  ما سبق ذكره بأنَّ اللامرئي هو محرك نول السرد ومن المعلوم أن اللامرئي الذي يتموضع في الحكاية أكثر حيوية من مرئيات لاتنتظم في تيار السرد.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى