تحليلات سياسيةسلايد

لماذا لن يُعرقل اغتيال أبناء هنية وأحفاده اتّفاق بايدن المِصيَدة بل سيُعَزِّز استراتيجيّة رفضه المُسبَق؟

عبد الباري عطوان

جاء ردّ المُجاهد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المُقاومة الإسلاميّة “حماس”، على أنباء اغتيال ثلاثة من أبنائه وثلاثة آخَرين من أحفاده بغارةٍ إسرائيليّةٍ يوم عيد الفطر المُبارك، وما اتّسم به من صلابةٍ تجسيدًا للفارق الكبير بين مُقاومةٍ مُؤمنةٍ صامدة تتمتّع بأخلاقٍ وقيمٍ عالية، وعدوٍّ إسرائيليٍّ يائسٍ مُحبَطٍ ومهزوم ويعيش حالة إفلاسٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ تُؤكّد خسارته لهذه الحرب في الميادين كافّة العسكريّة، والسياسيّة، والإعلاميّة، والدبلوماسيّة، ولا يَستأسِد إلّا على الأطفال والمدنيين العُزّل.

المُجاهد هنية واصل مهمّته في تفقّد جرحى العُدوان الإسرائيليّ من أبناء القطاع الذين يُعالجون في أحد مُستشفيات الدوحة، مُطمئنًّا على صحّتهم ومُواسيًا لهم، وكُل ما قاله لمن جاءوا إليه بالنّبأ “إنّ أبناءه جُزءٌ من الشّعب الفِلسطينيّ، وإنّ حماس حركة من قلبِ هذا الشّعب”.

عمليّة الاغتيال هذه مُتَعمّدة، ولا تنطوي على أيّ عملٍ “بُطوليّ”، فالأبناء الثّلاثة كانوا يقومون بواجبِ الزّيارات التقليديّة لأهلهم وأقاربهم المُتّبعة في الأعياد الدينيّة، ولم يكونوا بصَددِ تنفيذ عمليّةٍ هُجوميّة مثلما زعم نتنياهو وعصابته البارعة في الكذب والتّضليل، فكيف ينخرط هؤلاء في هُجوم وهُم غير مُسلّحين، ويصطحبون أطفالهم معهم في السيّارة المدنيّة المُستَهدفة؟

هل الشّهداء الذين وصل عددهم إلى أكثر من 34 ألفًا مُعظمهم من الأطفال والنّساء كانوا أيضًا يتواجدون في دبّاباتٍ وناقلات جُنود، ومُسلّحين بالبنادق والمدافع يا عباقرة الكذب في دولة الاحتِلال؟ والأكثر من ذلك، هل مُستشفيات القِطاع التي جرى تدميرها بالصّواريخ والمُسيّرات ثكنات عسكريّة؟

نحن نطرح هذه الأسئلة على هذا العالم الغربيّ المُنافق، وبعض الحُكومات العربيّة التي تتواطأ مع هذه المجازر بصمتها والرّضوخ للإملاءات الأمريكيّة، وأعطت الضّوء الأخضر لإعلامها لنشر الفتن والأكاذيب المسمومة حول أبناء قادة المُقاومة الذين قالوا إنّهم يعيشون في القُصور، ويملكون الملايين من الدّولارات، بينما يُعاني أبناء قِطاع غزة من الجُوع والقتل والدّمار.

عمليّة الاغتِيال هذه لن يكون لها أيّ تأثيرٍ على ردّ القيادة الميدانيّة لحركة حماس في القطاع على المُقترحات الأمريكيّة المسمومة للتّهدئة، والوقف المُؤقّت لإطلاق النّار، التي أُرسلت إليها عبر الوُسطاء القطريين والمِصريين، لأنّ هذه القِيادة لم تُغيّر موقفها الصّلب طِوال الأشهُر الستّة الماضية رُغم الضّغوط، والتّهديدات الأمريكيّة والإسرائيليّة ووسطائها العرب بالإنابة، وظلّت مُتشَبّثةً بكُلّ شُروطها في حتميّة الانسِحاب الإسرائيليّ الكامِل والوقف الكُلّي والدّائم لإطلاق النّار، وعودة جميع النّازحين إلى شِمال القِطاع، والبَدء فورًا في عمليّة إعادة الإعمار.

هذه الشُّروط لا يُمكن أن تصدر إلّا عن قيادةٍ مُنتَصرة، واثقة من نفسها، وقوّتها، ومن التِفاف الحاضنة الشعبيّة حولها، لأنّها قيادة حقّقت، وكتائبها، ورجالها، المُعجزات بطُوفان الأقصى الذي دخل سجل المعارك الاستراتيجيّة المِحوريّة التاريخيّة، وباتَ يُدرّس في الأكاديميّات العسكريّة العالميّة.

التّهديدات المُتكرّرة باقتِحامِ مدينة رفح من قِبَل نتنياهو المرفوقة بالتّلويح بتوسيعِ حرب الإبادة، لن تُرهِب الشّعب الفِلسطيني، ناهيك عن قِيادته وكتائبه، فعندما يسحب نتنياهو وجِنرالاته جميع قوّاته من خانيونس بعد أربعة أشهر من مُحاولة السّيطرة عليها، تقليصًا للخسائر، واعترافًا صريحًا بالهزيمة، وتعود إدارة حُكومة حماس لها فورًا، وبعد عدّة ساعات من هذا الانسِحاب، فإنّ هذا يعني أنّ حجارة أساس المشروع الصّهيوني بدأت تتساقط بشَكلٍ مُتسارعٍ لضعفها وهشاشتها أمام كتائب المُقاومة الشُّجاعة والصَّلبة، والمُتقدّمة عسكريًّا، وسُقوط أُسطورة الرّدع والتفوّق في ميادين القتال.

اغتيال ثلاثة من أبناء المُجاهد إسماعيل هنية وثلاثة آخَرين من أحفاده ليس إنجازًا عسكريًّا، وإنّما تُجَسِّد عملًا جبانًا يفضح الوجه الدمويّ الصهيونيّ البَشِع أمام العالم بأسْرِه، ولهذا سارع نتنياهو ووزير حربه غالانت يتنصّلون منه بحُجّة أنّهم لم يكونوا على علمٍ مُسبَقٍ به، ولكن هذه الأكاذيب لا تنطلي على طفلٍ صغير، فما قبل الطّوفان يختلف كُلِّيًّا عمّا بعده، فهذا الطّوفان غيّر العالم بأسْرِه وجميع مُعادلاته الصَّدِئَة.

قيادة المُقاومة في القطاع أحسنت صُنعًا بعدم ردّها الإيجابيّ على اتّفاق الهدنة الأمريكي المُعدّل، وعدم الرّضوخ بالتّالي للضّغوط، التي تنهار أمامها دول عُظمى، والعربيّة الرسميّة منها خاصَّةً، لأنّ الاتّفاق مِصيَدة، تُريد أمريكا استِخدامه لوقفِ أو تأجيل الرّد الإيرانيّ على عُدوان السّفارة في دِمشق، وتجنّب انتقامًا ضخمًا قد يُفجّر حربًا إقليميّة ضدّ قواعدها، ويُدمّر مصالحها في الشّرق الأوسط برمّته، ويُنهي في الوقتِ نفسه حرب الاستِنزاف البُطوليّة اليمنيّة لسُفنِ الاحتِلالين الأمريكيّ والإسرائيليّ، والأُخرى التي يشنّها “حزب الله” على المُستوطنات في الجليل المُحتل.

المِنطقة تقف على حافّة حربٍ شاملة ستكون “إسرائيل” وأمريكا وعرب “سلام أبراهام” أكبر الخاسِرين فيها، سواءً جاءت هذه الحرب محدودة أو مُوَسَّعة، وربّما هذه هي المرّة الأُولى التي سيكون الصّاعق لإشعال فتيلها، عربيًّا وإسلاميًّا صرفًا، وليس إسرائيليًّا أو أمريكيًّا، وهُنا يَكمُن الفارق الكبير، فنحنُ أُمّةٌ نُحِبُّ الحياة، ولكنّنا نتمسّك بكرامتنا، وسيادتنا، ونُدافع عن مُقدّساتنا ببُطولةٍ وإبداع، ونعشق الشّهادة إذا كُتِبَت لنا.. والأيّام بيننا.

 

 

صحيفة رأي اليوم الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى