
يكشف الخذلان الأميركي لـ«قسد» عن تحوّل استراتيجي في سياسة واشنطن؛ إذ تفضي أولوية الأخيرة إلى دعم الحكومة الانتقالية كمركز للسلطة، حتى على حساب حلفاء الأمس، الأمر الذي يدفع نحو استقطابات إقليمية أوسع قد تفتح أبواباً لتدخلات جديدة وتصعيد غير محسوب العواقب.
قطعت المعطيات التي نشرتها وكالة «رويترز»، أمس، الشكّ باليقين، حول اللقاء الذي جمع وفد الحكومة السورية الانتقالية بوفد من الاحتلال الإسرائيلي في باريس بداية الشهر الحالي، وعلاقته بالهجوم على «قسد»، إذ أكّدت الوكالة لجوء وفد دمشق، خلال الاجتماع، إلى «التكتيك» ذاته الذي اتّبعه في اجتماع أذربيجان، قبيل هجوم السويداء في تموز الماضي، وهو الاتّكاء على «غض النظر» الإسرائيلي بعد جولة محادثات وتقديم تنازلات، للانقضاض على المتمرّدين السوريين في الداخل.
ونقلت «رويترز» عن مصادر سورية، أن المسؤولين السوريين (وفي مقدمهم وزير الخارجية أسعد الشيباني) طرحوا أمام الإسرائيليين فكرة مهاجمة «قوات سوريا الديمقراطية» لاستعادة بعض المناطق في شمال شرق سوريا، من دون أن يسمعوا اعتراضاً إسرائيلياً على ذلك. ويبدو هذا الكلام مشابهاً لما سرّبته مصادر مقرّبة من الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، ومن حكومته إلى أكثر من صحيفة وموقع، بعد مجازر السويداء، عن وقائع اجتماع أذربيجان، وفحواه أن وفد دمشق طرح أمام الإسرائيليين وقتذاك فكرة الدخول إلى السويداء لبسط سلطة الدولة، ولم يسمع اعتراضاً إسرائيلياً، قبل أن يفاجأ الشرع بقصف القصر ورئاسة الأركان، وهو ما اعتبره لاحقاً «فخّاً»، بعد أن كان سبق ووقع في «فِخاخ» الساحل وجرمانا وصحنايا.
وبالفعل، حقّقت قوات الشرع، في تموز، تقدّماً عسكرياً جزئياً بسيطرتها على قرى غرب السويداء وشمالها، رغم القتال الشرس الذي أبداه أبناء المحافظة والمجازر والانتهاكات الواسعة التي ارتُكبت بحقهم، قبل أن تتعرّض تلك القوات لهجمات إسرائيلية اضطرتها إلى التوقّف. أمّا في حالة «قسد»، فحقّق الشرع على الأرض أكثر بكثير ممّا كان يتوقّع، وهو سيطرة قواته والقوات العشائرية التي تساندها ومقاتلين من تنظيم «داعش» على الرقة ودير الزور في وقت قياسي، بعد أن كانت «قسد» قد انسحبت بشكل عشوائي من غرب الفرات ومن دون أي قتال يُذكر.
وبحسب أكثر من مصدر اطّلع على الحيثيات التي رافقت توقيع الشرع على المرسوم المتعلّق بالمسألة الكردية، فإنه لو عرف الرئيس الانتقالي بسرعة تقدّم قواته وقرار «قسد» الانكفاء إلى الحسكة وكوباني، لما وقّع المرسوم بشكله الحالي، ولكان حاول أن يعدّل في نصّه ويتحايل على الضغط الأميركي لإصداره، خصوصاً أنه قدّم الكثير من التنازلات لصالح مطالب الكرد التاريخية الثقافية، ولو أن المرسوم لا يرقى إلى مستوى نص دستوري.
على أيّ حال، تتعدّد الروايات حول الأسباب التي أوصلت «قسد» إلى خسارة سياسية وعسكرية، جراء سوء فهم الرسائل السياسية والوقائع الميدانية. إلّا أن الثابت أن ضباط «البنتاغون» ضمن قوات «التحالف الدولي»، أكّدوا سابقاً لـ«قسد» صعوبة الدفاع عن تواجدها في غرب الفرات، خصوصاً مع وجود اتفاق قديم جديد بين الولايات المتحدة وتركيا على انسحاب الأكراد إلى شرق الفرات (راجع الأخبار). والثابت أيضاً، أن السفير الأميركي في تركيا والمبعوث إلى سوريا، توم برّاك، قدّم لـ«قسد» إشارات متناقضة؛ فهو كان قبل شهر في أربيل يقول علناً إن تجربة إقليم كردستان العراق هي النموذج الذي يجب أن يُحتذى، ثمّ انقلب في ليلة ليعلن أن الدور الوظيفي لـ«قسد» قد انتهى، وأن هذا الدور باتت تقوم به الآن الحكومة السورية الجديدة. لكن بمعرفتها برّاك، كان يُفترض بقيادة «قسد« أن لا تثق به وتقف عند حدود المستطاع، وهي التي تدرك الواقع على الأرض جيّداً وطبيعة العلاقة مع المجموعات المحلية والعشائر، ولا سيما أنها تتمسّك عسكرياً بانتشارها الواسع في الشرق السوري لتحصيل أفضل صفقة ممكنة مع دمشق، وهو ما كان في متناول اليد قبل أسابيع. وبعيداً من المخاوف المشروعة لدى الكرد، التي ولّدتها غزوة السويداء وقبلها مجازر الساحل، من الحكومة الانتقالية وحملاتها الانتقامية، إلا أن قيادة «قسد» ساهمت أيضاً في إشعال معركة الشيخ مقصود، من دون أي أفق سياسي وعسكري، ما منح الشرع ومن خلفه تركيا الفرصة المناسبة المنتظرة للتحرّك.
أمّا على الضّفة المقابلة، فيُظهِر الشرع تراجع «قسد» وانقلاب العشائر (المتوقّع) انتصاراً في اتجاه توحيد السيطرة على الأرض السورية. لكن في الواقع، يكشف اتفاق 18 كانون الثاني أن الشرع عاد ووافق مع الأميركيين على وضع خاص للأكراد في الحسكة على أسس إثنية، كما هو الحال في اتفاق عمّان الذي اضطرت دمشق إلى توقيعه برعاية أميركية، ومنح الدروز في السويداء حالة خاصة على أسس دينية، وكلّ ذلك تحت عنوان توحيد الشعب السوري. كما أن محاصرة مدينة كوباني شمال الضفة الشرقية لنهر الفرات منذ أيام، والتحشيدات والتهديدات التي تطلقها قوات الشرع بالدخول إلى الحسكة والقامشلي، استنفرت القوات الكردية بأقصى طاقتها، مدعومة بمقاتلين يتوافدون من كردستان العراق، لمواجهة احتمال اندلاع المواجهات الواسعة، بينما تستمرّ المفاوضات التي يلعب فيها مسعود البرزاني دوراً مهمّاً، ويقترب موعد انتهاء المهلة التي تحدّث عنها الشرع.
وبحسب أكثر من مصدر دبلوماسي غربي، فإن الأميركيين لن يكونوا متهاونين مع وقوع انتهاكات جديدة هذه المرّة بحق الكرد، بعد الساحل والسويداء، وهو ما يعرفه الشرع جيداً ويحاول قدر المستطاع تفاديه، وذلك على الرغم من التحريض التركي على حسم المعركة بالقوة المسلحة إن لزم الأمر، بغية القضاء على أيّ تهديد قد يشكّله السلاح الكردي في شمال شرق سوريا، خصوصاً مع اشتداد النوايا والتحضيرات العدائية الأميركية ضد إيران، إذ إن أي عملية اقتحام للمناطق التي يصنّفها الأميركيون ذات ثقل كردي، مع وجود قرار بالمواجهة والقتال، يعني وقوع مجازر واسعة ومواجهات قد تستمرّ لأيام وأسابيع وتعكّر صفو الصورة التي يرسمها ترامب حول سوريا، حاثّاً الخطى نحو هدف رئيسيّ هو إعلان انسحابه من هذا البلد.
وعلى الرغم من انتشار مقاطع فيديو تُثبِت قيام قوات الشرع بانتهاكات بحق مقاتلات كرديات وجثث مقاتلين ومدنيين، إلّا أنها لا تقارن بالمواد الإعلامية التي انتشرت خلال غزوات الساحل والسويداء، وهو ما أعطى انطباعاً بأن قوات الشرع كانت مضبوطة إلى حدّ ما، ولا سيّما أنه لم تحصل معارك واسعة بل اشتباكات محدودة، في ظل حملات مكثّفة لمنع المقاتلين من التصوير والنشر. ومع ذلك، فإن خذلان «التحالف الدولي» للكرد، وكلام برّاك، فتحا الباب أمام قيادة «قسد» لتوجيه الرسائل العلنية والسرية إلى إسرائيل والمطالبة بالدعم على غرار ما يفعله الشيخ حكمت الهجري في السويداء، وهو ما ظهر بالفعل على لسان القيادي سيبان حمو والقيادية إلهام أحمد خلال الأيام الماضية.
وفيما يبدو من المُستبعد حالياً قيام إسرائيل بالتحرك العلني لدعم الكرد السوريين مادياً وعسكرياً، إلّا أن دعمها للدروز في جنوب سوريا، تدرّج مع تطور المواجهات مع قوات الحكومة الانتقالية.
ومن غير المنطقي، في ظلّ تعامل إسرائيل العدائي مع الدور التركي في سوريا، التخلّي عن التعاون مع الكرد على المدى الاستراتيجي، خصوصاً مع الاحتمالات المرتفعة لتوسّع المواجهة التركية ــ الإسرائيلية ــ اليونانية ــ القبرصية، والجهود الأميركية والإسرائيلية لإسقاط النظام في إيران. لكنّ إسرائيل تراهن على استمرار التوتر في الساحة السورية بين حكومة دمشق والجماعات الدينية والإثنية، وذلك لتحقيق شروط أفضل للتعاون وفي التوقيت الأفضل، كما حصل مع الهجري الذي وصل به الحال إلى حدّ اعتبار السويداء جزءاً من إسرائيل. والجدير ذكره، هنا، أن «حزب العمال الكردستاني» كان تاريخياً داعماً للفلسطينيين، وتحوّلت مواقفه في السنوات التي أعقبت سقوط النظام العراقي وبدء الحرب على سوريا إلى التحالف مع الأميركيين ومهادنة الإسرائيليين، لكن لم يصل الأمر به إلى حدّ التعاون العلني، كما هو الحال مع برزاني في إقليم كردستان.
وإذ انعكس التوتر الكردي الممتدّ إلى داخل تركيا، على المفاوضات بين زعيم «الكردستاني»، عبدالله أوجلان، والحكومة التركية، فقد اشتدّ الضغط الداخلي على برزاني الذي يعمل على خطّ الوساطة. وبينما يشكّك كثيرون في مصلحة برزاني في إضعاف «قسد» و«حزب العمال»، خصمه التاريخي في الساحة الكردية وحليف أخصامه آل طالباني، إلّا أن مصادر كردية أكّدت قيام برزاني بالضغط على الأتراك والأميركيين وعلى «قسد» للتهدئة والتوصل إلى اتفاق سلمي، مع خشيته من مجازر في حق الكرد وانتعاش تنظيم «داعش» وتمدّده إلى الموصل والمناطق المحيطة بأربيل.
صحيفة الأخبار اللبنانية



