محمد مرسي.. سنة أولى رئاسة (صفاء عزب)

 

صفاء عزب


«تقييم» يترقبه المصريون من أول رئيس مدني لهم بعد أحداث ثورة 25 يناير، وتترقبه القوى السياسية مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لتولي الرئيس محمد مرسي حكم مصر. وقد دعت قوى سياسية ونشطاء في أول جمعة من شهر يونيو (حزيران) الحالي، الذي تسلم مرسي السلطة خلاله قبل عام، إلى النزول يومي 28 و30 يونيو للتظاهر في الميادين، تحت شعار «كشف حساب سنة».
ويرى كثيرون أن كشف حساب الدكتور مرسي أصبح ثقيلا ومحملا بالأعباء والإخفاقات، وشبه خال من الإنجازات، بل بالغ بعضهم في القول بأن مرسي لا يختلف عن الرئيس السابق حسني مبارك، وأنه يستحق المحاكمة مثله لأنه ارتكب الأخطاء نفسها.
شتان بين حالة الغضب والسخط العام التي يعيشها المصريون اليوم، والمشهد الأول لحكم مرسي واستقباله الحافل في ميدان التحرير، من قبل جميع المصريين، حيث كان مشهدا نادرا في تاريخ مصر، حين وقف رئيس الدولة فاتحا صدره فاردا ذراعيه، بينما يردد القسم أمام المتظاهرين، قبل أن يؤديه رسميا أمام قضاة المحكمة الدستورية العليا.
رغم حالة التوتر الشديدة والشعور بكتم الأنفاس لحظة إعلان نجاحه رئيسا لمصر، وسط جدل كبير وواسع حول سبب تأخير إعلان النتيجة، وما تردد عن خوف من تهديدات الإسلاميين فيما لو خسر مرسي السباق، إلا أن المصريين تعاملوا مع توليه الرئاسة بترحيب، حتى وإن بدا معارضوه مضطرون له. وقتذاك، توسم الجميع خيرا بالعهد الجديد، وعلقوا الآمال العريضة على مرسي كأول رئيس مصري مدني اختير، في ظل وعود وتعهدات غير محدودة تعهد بها حين أصر على أداء القسم في ميدان التحرير، رمز الثورة، تأكيدا منه لاحترام رأي الشعب الذي أتى به إلى سدة الحكم.
الجدل المستمر حول د. مرسي ليس جديدا عليه، فقد لازمه منذ ظهوره العلني لأول مرة كمرشح احتياطي للمهندس خيرت الشاطر، من قبل جماعة الإخوان المسلمين، التي تحسبت لاحتمالات رفض ترشيح الشاطر بسبب الأحكام القضائية الصادرة ضده. وهذا ما حدث، حين وجد مرسي نفسه مضطرا لدخول السباق الرئاسي بديلا عن الشاطر، وسط فتور ساد أوساط مختلف القوى السياسية، وإعلان إسلاميين تفضيلهم اختيار المرشح المنافس عبد المنعم أبو الفتوح. وكانت مفاجأة صادمة لجميع المصريين، على اختلاف أطيافهم السياسية، أن يجدوا أنفسهم بين نارين: التصويت، في المرحلة الثانية للانتخابات، للدكتور أحمد شفيق، المحسوب على النظام السابق، أو لمرشح «الإخوان» محمد مرسي، الذي تحفظ عليه كثيرون. وهذا ما دفع البعض للإحجام عن التصويت، أو تعمد إبطال الصوت، بينما اضطرت الأغلبية الحائرة للتصويت لمرسي حفاظا على الثورة وحماية لها من تولي شفيق، وأملا في أن يحقق الإسلاميون المشروع الإسلامي. كان السباق محموما إلى أقصى درجة، حيث الفروق قليلة جدا، والنتيجة ظلت معلقة، إلى أن حسمت في أجواء مشحونة بالتوتر والقلق لمصلحة مرشح «الإخوان». ومع ذلك، لم ينجح مرسي في إرضاء الإسلاميين بتنفيذ وعوده نحو المشروع الإسلامي، ولا الثوريين بتحقيق أهداف الثورة.
ولم تفلح قرارات مرسي الأولى، الخاصة بإنشاء ديوان المظالم، وزيادة علاوة العاملين بالدولة، وإقالة المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع، والفريق سامي عنان رئيس الأركان، التي أثارت ارتياحا كبيرا في الأوساط السياسية وترحيبا من مختلف القوى، في امتصاص غضب المصريين، بسبب إقدام مرسي السريع على الصدام مع السلطة القضائية، بحزمة من القرارات المثيرة للجدل القانوني والسياسي، كان أولها، قراره بإلغاء حكم المحكمة الدستورية القاضي بحل البرلمان وإعادته للعمل. لكنه عاد وتراجع عن قراره بعد أن حكمت المحكمة مرة أخرى بحله، مما أصاب هيبة مؤسسة الرئاسة في مقتل، خاصة بعد تكرار سيناريو التراجع عن القرارات الخاطئة، كما حدث مع الإعلان الدستوري المكمل الذي أصر مرسي عليه وحصنه ضد الطعن، ثم عاد وألغاه بسبب الضغوط الشعبية، بالإضافة إلى قرار إقالته النائب العام وتعيين نائب عام جديد، مخالفا العرف القضائي في مصر، إلى جانب قراراته الخاصة بالعفو الشامل عن بعض المسجونين الأمنيين وإفراجه عنهم، مما تسبب في عودة القلق والتوتر الأمني إلى سيناء، وتحميل البعض مرسي مسؤولية ذلك.
إنجازات المائة يوم الأولى كانت من بين أهم ما تعهد به الرئيس مرسي في برنامجه الانتخابي وما قطعه من وعود. بينما رأى فيها كثيرون، أول إخفاقات مرسي. لقد تعهد الرئيس الجديد بحل مشكلات المرور والنظافة والوقود والخبز والأمن، لكن ما حدث كان زيادة الأوضاع سوءا، خاصة أزمة الوقود التي انعكست سلبا على المخابز وحركة المرور والكهرباء. الناشطة السياسية نهى كمال، المتحدثة باسم حركة «مستقلون من أجل مصر»، التي دعت إلى مظاهرات كشف الحساب في نهاية يونيو الحالي، قالت لـ«الشرق الأوسط»: «إن الرئيس مرسي أخفق في معالجة الملفات التي تعهد بها في برنامجه الانتخابي للمائة يوم الأولى من حكمه، بل خلال السنة الأولى، لذلك نطالب بكشف حساب معه. وقد جمعنا حصيلة طويلة من الإخفاقات التي حدثت على مدار الاثني عشر شهرا التي تولي فيها الرئاسة، كان أسوأها سقوط مائة شهيد وثلاثة آلاف معتقل، بينهم نسبة كبيرة من المعتقلين دون السن القانونية، بالإضافة إلى تجاوزات الشرطة، وزيادة الظلم الواقع على البسطاء. ورغم أننا انتخبناه وأيدناه، فإننا نرفضه اليوم، ليس لانتمائه إلى فصيل معين، ولكن لأنه لم ينفذ العدل ولا الأهداف التي قامت من أجلها الثورة. كما أنه لم ينفذ العهود التي أخذها على نفسه خلال الحملة الانتخابية، ولم يأت بحق الشهداء. الميزة الوحيدة لتوليه الحكم، هي كسر أسطورة (الإخوان)». وأضافت نهى كمال: «إننا ننسق مع كل السياسيين في القاهرة لإسقاط مرسي يوم 30 يونيو المقبل، والترتيب لتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا شرفيا، وفعليا لرئيس حكومة وطنية مصغرة، تركز على ملفات الأمن وتعديل الدستور وقانون الانتخاب وحق الشهداء والإفراج عن المعتقلين، على أن تقام انتخابات رئاسية خلال ستة أشهر وفي ظل دستور محترم».
وإذا كان كشف حساب الرئيس مرسي يبرز جوانب التقصير والإخفاق في حل الملف الأمني، حسب «مستقلون من أجل مصر»، فإن الكاتبة السياسية الإسلامية، صافيناز كاظم، ترى أن أسلوب التعامل الأمني مع المتظاهرين والمعارضين للرئيس مرسي، كان غير ذكي، وجرى في أجواء مشحونة. وقالت لـ«الشرق الأوسط» غاضبة، بعد تعرض ابنتها الناشطة السياسية نوارة نجم، أخيرا، لمضايقات أمنية وملاحقات قضائية، إنه «كان على الرئيس مرسي أن يتبع سياسات تجمع الناس من حوله، لكن ما يمارس الآن، أسلوب يفرق ويشتت، كأنه يدفع الناس دفعا إلى التمرد». وأضافت كاظم: «إنه يشعل النار ويؤلب القلوب ضده». ومن واقع تجربتها مع ابنتها، قالت كاظم: «إن نوارة ابنتى أكثر التصاقا بما دار في ثورة 25 يناير، ولها رؤية محترمة، ويؤسفني إحالتها إلى الجنايات من دون التحقيق معها. وأرى في مثل هذه التصرفات الأمنية، ارتباكا غير حميد. وأنا كناصحة ومحبة لبلدي بالدرجة الأولى، أعتقد أن ليس من الحكمة الإتيان بسياسات تؤدي إلى تهييج الآراء حول الرئيس مرسي».
وجاءت استقالات مستشاري الرئيس ووزرائه بالجملة، كأكبر المؤشرات المقلقة خلال السنة الأولى من حكم مرسي، وبرزت خلال الأحداث الدموية أمام قصر الاتحادية، عندما أعلن سبعة من مستشاري الرئيس ومساعديه استقالاتهم اعتراضا على سياساته، من بينها استقالات جرت على الهواء مباشرة، مثلما حدث مع الشاعر فاروق جويدة، وبعضها رافقه دموع كما حدث مع الدكتور سيف عبد الفتاح، إلى جانب استقالة الأديبة والكاتبة الصحافية سكينة فؤاد، والإعلامي عمرو الليثي، والدكتور محمد عصمت سيف الدولة، والدكتور أيمن الصياد، والمفكر السياسي سمير مرقص، مساعد الرئيس. ومن الاستقالات المثيرة للجدل، تلك التي تقدم بها الدكتور رفيق حبيب، الذي أعلن أيضا، استقالته من منصبه كنائب رئيس حزب الحرية والعدالة وتفرغه للكتابة. ولم تقتصر الاستقالات والاعتراضات على المستشارين، بل امتدت إلى الوزراء والمقربين من الرئيس والمحسوبين على «الإخوان»، ومن أبرز هؤلاء، الشقيقان المستشار محمود مكي الذي استقال من منصب نائب الرئيس، والمستشار أحمد مكي وزير العدل السابق الذي استقال بسبب أزمات الرئاسة مع النظام القضائي المصري، وعبرت عن أسوأ الأزمات التي انعكست سلبا على شعبية مرسي وجماعة الإخوان في الشارع. بالإضافة إلى الاستقالة المفاجئة التي تقدم بها محمد فؤاد جاد الله، المستشار القانوني للرئيس مرسي. ولا شك في أن كم تلك الاستقالات يعد مؤشرا على وجود خطأ ما في مؤسسة الرئاسة وفي أسلوب إدارة الرئيس مرسي للبلاد.
الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومستشار رئيس الوزراء المصري السابق، رأى، في أحد مقالاته الصحافية، أن خطة الرئيس مرسي «باظت». وقال: «إنني أرفض الاستخدام السياسي لشعار (الإسلام هو الحل)». ويرجع الدكتور عبد الفتاح فشل تلك الخطة إلى أمرين: أولهما، جانب يتعلق بسلامة النية والقصد، على حد تعبيره، وآخر يتعلق بسلامة الإجراءات والقرارات. ويقول إن «الدكتور مرسي فهم الموضوع غلط، وظل يغلط لغاية ما وصل إلى أن وضعنا جميعا في مأزق. متمسك بحكومة الدكتور هشام قنديل حتى الانتخابات، ولا أحد يعرف متى الانتخابات؟ لأن المجلس والمحكمة في جدل، والدكتور مرسي يتصرف كأنه غير قادر على التدخل في الأمر. لكن هناك شيئا واحدا متفقا عليه، هو أن أداء الحكومة اقتصاديا وخدميا غير مقنع لكثيرين، وهي تسبب أزمة سياسية، ولكنه (مرسي) مصمم عليها، وبالتالي هي حكومة لا تحمل الخير لمصر، ولا تحقق النهضة».
الكاتب والباحث السياسي الدكتور إيهاب العزازي رصد مؤشرات لتقييم أداء الرئيس مرسي خلال أول سنة من حكمه، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس مرسي جاء من تيار شارك في صناعة الثورة وفي كل المفاوضات مع النظام السابق والمجلس العسكري، والمفترض أنه بخبراته في المعارضة وتعهده بآمال المواطنين وأحلامهم، أن يتمسك بالشرعية الثورية، وبأهداف ملايين المصريين في الميادين المختلفة وطموحاتهم. جميعنا يتذكر الهتاف الشهير (عيش حرية عدالة اجتماعية)، كأنه دستور حياة للمصريين يريدون تحقيقه. الواضح بعد عام من رئاسة الدكتور مرسي، أنه تخلى عن شرعيته الثورية بامتياز، بدليل عدم تحقق أهداف الثورة وحقوق الشهداء والمصابين، واختفاء لجان تقصي الحقائق والأدلة الجديدة في قضايا قتل المتظاهرين، والفشل في تقديم الجناة الحقيقيين. وقد غابت الحقيقة، وضاعت حقوق الشهداء في سراديب السياسة وصفقاتها السرية – والأهم فشل مرسي في ملف الشرعية الثورية، وعدم قدرته على القضاء على الفساد، إذ لم يتخذ قرارات حاسمة، مما ترك انطباعا بأنه ضحى بشرعيته الثورية من أجل السلطة».
وعن الملف السياسي للرئيس، قال العزازي لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس مرسي سياسي محنك، ورجل عاش في سراديب التنظيم العالمي لـ(الإخوان)، وخبير في صناعة الصفقات والانتخابات وغيرها، مما أوصله لكرسي الرئاسة بصفقات وتفاهمات وتحالفات انتخابية في ماراثون الرئاسة، توجت بتحالف جماعي في جولة المعارضة لإسقاط الفريق أحمد شفيق، والأهم أنه تم ترجمة هذا التحالف في لقاء فيرمونت الشهير الذي جمع أطياف العمل السياسي للاتفاق على القضاء على أحمد شفيق، وكانت للمعارضة مطالب محددة من الدكتور مرسي معروفة للجميع، لكن بعد توليه المنصب، نسف مرسي كل ما تعهد به للمعارضة من مجلس رئاسي ومستشارين وحكومة تجمع أطياف المشهد السياسي كافة». وانتقد العزازي أسلوب اختيار الرئيس لفريقه الرئاسي قائلا: «إن اختيار الفريق الرئاسي للرئيس، جرى من قبل المساعدين الأربعة والمستشارين بعشوائية واضحة، بالإضافة إلى عدم وجود قواعد محددة لوظائفهم، مما جعل المنصب مجرد ترضية سياسية لجماعات وأحزاب من دون دور حقيقي في مساعدة الرئيس. وأوصلنا هذا إلى مسلسل الاستقالات، بالإضافة إلى خروجهم للرأي العام لكشف حقيقة أنهم بلا دور حقيقي، ولا قيمة لآرائهم، ويتم تجاهلها بشكل واضح. وهذه كارثة تدلل على غيبوبة اتخاذ القرار في مؤسسة الرئاسة، كما أن الحكومة التي قام بتشكيلها مرسي برئاسة الدكتور هشام قنديل، لم تطرح رؤيتها السياسية والاقتصادية للشعب، ولم تتفاعل مع أزمات المصريين اليومية».
وردا على ادعاء مؤيدي الرئيس أنه قضى على النظام العسكري، قال العزازي: «إن في هذا تضليلا واضحا والدليل أنه لم يخرج من المجلس العسكري سوى المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وبقية قيادات المجلس تحتل مناصب مهمة جدا وحساسة، وأغلبهم بدرجة وزير، فكيف أخرجهم من السياسة وهو يستخدمهم في العمل التنفيذي داخل منظومته السياسية؟ والأهم أنه بعد تغيير رؤساء الأسلحة والأفرع في الجيش، لم يتم إبعاد القوات المسلحة عن السياسة. فالجيش شريك أساسي ويتم استدعاؤه لمهام لا تخصه، بداية من نزوله للشارع في بعض المحافظات لإقرار الأمن والتهدئة، مثلما حدث في بورسعيد وغيرها، وكذلك إقرار الدستور حق مشاركة ضباطه وأفراده في الانتخابات لا شك في أنه أمر سياسي». وانتقد الدكتور إيهاب العزازي أخونة الدولة بعد تولي الرئيس مرسي وغياب معيار العلم والخبرة والكفاءة في اختيار المسؤولين، مما أدى إلى فراغ مؤسسي في مصر. وأضاف، إن «الرئيس مرسي نجح بامتياز في استعداء كيانات كثيرة ضده على المستوى السياسي، بسبب شعور عام لدى بعض القوى، بأن الرئيس لا يستمع لآرائهم ولا يسعى لإشراكهم في الحكم باعتبارهم شركاء في الثورة ساندوه ضد شفيق. كذلك عدم تجاوبه مع جلسات الحوار، وقراراته المصيرية التي صدرت من دون أي تنسيق مع القوى السياسية مثل الإعلانات الدستورية، وقرار عودة مجلس الشعب وغيرها، مما أفقدهم الثقة بمؤسسة الرئاسة، وقاطعوا الحوار مع الرئيس بعد رفضه تغيير الحكومة والنائب العام، وتغيير المواد الخلافية في الدستور، مما جعلهم في حالة صدام مستمر أدخلهم في حرب شعواء بلا هوادة. فالرئاسة ومؤيدوها يبدعون في شيطنة المعارضة وتحميلها مسؤولية فشل الرئيس». ويلفت العزازي النظر أيضا، إلى سوء إدارة الرئيس مرسي للملف الاجتماعي، ويتهمه بالتسبب في أزمات ثقة وطائفية وتقسيم، في ظل خطاب اجتماعي يهمش الأقباط من ناحية، ويظهر معارضي الرئيس بأنهم لا يريدون نصرة الإسلام. ويتوقف الباحث السياسي العزازي عند ملف القضاء، مشيرا إلى أن العلاقة بين الرئيس والقضاء متوترة، وأن بينهما خلافات واضحة وحروب كلامية طاحنة. وقال: «إن الصراع واضح بين الرئاسة والقضاء، بين السلطات بداية من الإعلانات الدستورية التي حصنت قرارات الرئيس وعدم تنفيذ أحكام القضاء، ثم صمت الرئاسة عن حصار المحاكم، ثم أزمة النائب العام، وصولا إلى أزمة قانون السلطة القضائية. فالرئيس لم يستوعب القضاة، ولم يحاول فض النزاع القائم، والأهم هو أن الحرب بين الطرفين أسهمت في فقدان ثقة عدد كبير من المواطنين ببعض القضاة، مما انعكس في رفض الأحكام والاعتراض عليها واختلال ميزان العدالة بشكل عام».
لكن لحزب الحرية والعدالة، حزب الرئيس، رأى مختلف في كل ذلك. وقد وزع بيانا على أعضائه في محافظات مصر المختلفة، تحدث عن إنجازات الرئيس مرسي التي لا تحصى، مشيرا إلى الاستقرار الأمني، ودعم المؤسسة العسكرية، وإحكام السيطرة العسكرية على سيناء من خلال العملية نسر، وإدخال معدات ثقيلة إلى سيناء لأول مرة منذ اتفاقية كامب ديفيد، وإعادة تشغيل المصانع الحربية لتصنيع الأسلحة. كما أشار البيان إلى تنمية الاقتصاد من خلال الكثير من المشروعات الكبرى التي توفر عشرات الآلاف من فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، برفع الرواتب والعلاوات. كما أشار إلى تحقيق مجموعة من المطالب الثورية، مثل صرف معاش استثنائي لأسر الشهداء والمصابين، وإعادة محاكمات قتلة الثوار، والإفراج عمن تم اعتقاله من المواطنين في أحداث ثورة 25 يناير، وتطهير مؤسسات الدولة من الفساد، وإقالة قيادات الفلول، وتغيير النائب العام الذي عينه مبارك واستبدال قاض حر من تيار الاستقلال به. وتضمن البيان أيضا، محورا بعنوان، الإنجازات على الصعيد الخارجي، أشار إلى عودة مصر إلى دورها الريادي العربي والأفريقي والإسلامي، من خلال المشاركة في جميع المؤتمرات والقمم العربية والإسلامية والأفريقية، إلى جانب توقيع ثماني اتفاقيات مع الصين، باستثمارات تقدر بخمسة مليارات جنيه، وأخرى مع إيطاليا بقيمة مليار يورو، والاتفاق على إنشاء مدينة صناعية تركية بمدينة 6 أكتوبر باستثمارات تبلغ ملياري دولار، والإفراج عن معتقلين في الخارج، وتوقيع اتفاقيات على مشروعات قطرية في مصر بـ18 مليار دولار لمشاريع ببورسعيد وساحل البحر المتوسط، والاتفاق مع السودان على زراعة مليوني فدان قمح على أراضيه، ووقف العدوان الإسرائيلي على غزة، والتدخل لدى ملك الأردن لإنهاء أزمة 350 ألف مصري كانوا مهددين بالترحيل من هناك، بل وتردد أن التلفزيون المصري الرسمي يعد فيلما وثائقيا عن هذه الإنجازات تحت عنوان «عام من الإنجازات» كما يصدر كتابا بشأنها أيضا.
من جهته، أكد الدكتور علي لطفي، رئيس الوزراء المصري الأسبق، لـ«الشرق الأوسط» ما قيل عن الحالة الخطيرة التي يمر بها الوضع الاقتصادي المصري بعد سنة من حكم مرسي، استنادا إلى بيانات ومؤشرات الأجهزة الرسمية في الدولة، التي كشفت عن عجز في الموازنة العامة الجديدة للدولة، بلغ 197 مليار جنيه. «وهذا يعني زيادة العجز خلال العام المالي الجديد، بمقدار 50 مليار جنيه عما هو عليه الآن. وكان من المفترض تقليل الدعم حتى لا يزيد العجز، ومن ثم زيادة الاقتراض الذي يؤدي إلى مزيد من العجز بسبب زيادة خدمة الدين، مما يدخلنا في دائرة خبيثة». وقال لطفي: «لا يزال هناك تزايد في عجز الميزان التجاري المصري، حيث تتوقف الصادرات عند 25 مليار دولار، بينما تجاوزت الواردات الخمسين وربما الستين مليار دولار». وحذر من استمرار السحب من الاحتياطي النقدي الأجنبي. ورغم ارتفاعه من 13 مليار ونصف دولار إلى 16 مليار دولار، فإن هذا لم ينتج عن تقدم في التنمية، بل يعود إلى دخول المنح والقروض الآتية من أربع دول هي، قطر والسعودية وليبيا وتركيا. وانتقد رئيس الوزراء الأسبق عدم القيام بإعادة تشغيل المصانع المغلقة وعددها أربعة آلاف مصنع، أو محاولة حل مشاكلهم. وقال: «كان من المفروض أن تبدأ الحكومة في هذا الاتجاه فورا، للحصول على نتائج سريعة في زيادة الإنتاج والصادرات والمساهمة في حل مشكلة البطالة».
من جهته، قال السفير الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، والأمين العام للمجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، ومرشح الرئاسة الذي تنازل لمرشح «الإخوان» خيرت الشاطر، ثم لبديله الدكتور مرسي، لقناعته بأن مصلحة مصر هي مع مرشح الجماعة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الرئيس مرسي تولى السلطة في ظروف عانت مصر فيها انقساما خطيرا عكسته الانتخابات الرئاسية. وكان من المفروض أن يدرس الرئيس دلالات هذه النتائج، ويستخلص منها أن من أعطوه أصواتهم، لم يفعلوا ذلك حبا فيه ولا تأييدا لـ(الإخوان)، إنما من أجل إنقاذ مصر من العودة إلى مبارك في صورة أحمد شفيق. وأنه لم يكن أمام المصريين إلا الاختيار بين مرشح ينتمي إلى العهد السابق ومرشح الثورة، بصرف النظر عن تحفظ البعض على اعتبار الدكتور مرسي ممثلا كاملا للثورة. وبعد توليه السلطة وذهابه إلى ميدان التحرير والمحكمة الدستورية، حلا لمشكلة القسم، بدأ حياته السياسية متخبطا، وكان أمامه المجلس العسكري الذي استبق الأحداث قبل إعلان نتيجة الانتخابات بيوم واحد، وأصدر إعلانا دستوريا لمشاركة مرسي في السلطة، ومن ثم فقد جاء مرسي على أرض من الأشواك، في غياب إجماع المصريين عليه، وضغط مطالب الثورة الملقاة على عاتقه من قبل شعب عانى طويلا وحرم كثيرا، وكان عليه أن يقوم بهذا الدور. وبعد فترة من توليه الرئاسة وقعت أحداث استشهاد الجنود المصريين في رفح، ثم ألغى الإعلان الدستوري، وأصبح مرسي أول رئيس مدني في تاريخ مصر. كان يجب عليه أن يحيط نفسه بأكبر عدد من الكفؤين، لأن مهمته هي أن يمكن الجميع من المشاركة بعد الثورة، بصرف النظر عن محبته أو كرهه لهم، لكنه لم يفعل، بل قدم مجموعة تفتقر إلى الكفاءة، لا يجمع بينها سوى أن أفرادها من (الإخوان)، مما جعل الناس تطلق عليها ظاهرة الأخونة. كما بدأ الرئيس مرسي يتردد في كل قراراته، مما دفع الناس إلى القول بأنه يتلقى الأوامر من المرشد. ومع ذلك، دافعنا عنه، وقلنا ليس مهما وإنما الأهم هو المنتج، لكنه كان للأسف منتجا مخيبا للآمال».
وعن فشل مرسي في تحقيق أهداف الثورة، قال الأشعل، إن «مرسي لا يملك رؤية، ولم يعمل على الاستفادة من قدرات مجتمعه. ورغم ذلك، لا يصح أن نطالب بإسقاطه، بل لا بد أن نحافظ على وجوده الذي يمثل سابقة أولى في تاريخ مصر. لكن للشعب مطالب مشروعة، لا بد أن يستجيب لها، ولا بد من حكومة قوية». وعن أزمة القضاء قال: «لا بد لمرسي من أن يكون حصيفا في التعامل مع تلك الأزمة، وفي التعاون مع أجهزة الدولة من دون الدخول في صراعات، فالقضاء له قدسية، وعلى الرئيس أن يخرج الفاسدين».
وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قيم المحامي النقابي، سيف الإسلام حسن البنا، القطب الإخواني الأكبر، وابن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، أداء الرئيس مرسي خلال سنة من الحكم فقال: «بكل عدل وصراحة، أؤكد أن الدكتور محمد مرسي بذل أقصى ما يستطيع طبقا للظروف الصعبة المحيطة به، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. لقد طاردته الظروف الصعبة منذ توليه السلطة بعد الانتخابات، سواء من القوى السياسية المعارضة أو الفلول ومن يمولوهم من الخارج، وإجراءات تسليم السلطة، واستقلال بعض أجهزة الدولة واحتفاظها بكياناتها السابقة، وكلها معوقات خطيرة، يضاف إليها المعوقات الخاصة بعمليات وإجراءات التطهير من الفساد. وكلما أراد مرسي معاقبة الجناة والخارجين عن القانون، وجدنا من يثور وينتفض ضده، مما يشكل عبئا كبيرا على مرسي وإخوانه». وأضاف البنا أنه «مع ذلك، هناك إنجازات كثيرة خلال السنة الأولى من حكم مرسي. لقد تم إنصاف طوائف عدة، فحصلت على حقوقها. كما رد الرئيس الكثير من المظالم لأصحابها. وأجريت إصلاحات كبيرة، واتخذت خطوات مهمة، وصدرت قوانين عدة نحو الإصلاح والتقدم لصالح الشعب، لكن هناك من يريد عرقلة المسيرة. أقول لمن يتشدقون بالديمقراطية والليبراليين: هل من الديمقراطية عرقلة وإسقاط رئيس منتخب من الشعب للعودة إلى الفوضى؟ وأسألهم: هل يعجبهم أن يقوم الرئيس الذي جاء بإرادة شعبية حرة، حتى لو بنسبة 51%، بتسليم السلطة للمعارضة، ويقول لمن انتخبوه: «أنا صغير»؟ وهل من الشرف أن يتراجع وكيل عن موكله؟ إن الرئيس مرسي يواجه أزمات كثيرة على أرض الواقع، وللأسف هناك أطراف داخلية وخارجية عربية تتدخل لإسقاطه خوفا من وجود حكم إسلامي صحيح يقوم على الشورى». وطالب البنا الإسلاميين بنبذ خلافاتهم حتى لا تضيع الفرصة. وقال: «إنني أشعر بمرارة مما يحدث، وأؤكد أن الإخوان المسلمين ليس لديهم أي غرض للإساءة إلى الشعب المصري، ويريدون أن يعطوا مثالا مشرفا للحكم بالقانون والدستور».


صحيفة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى