هناك فرق بين سياسة الحكومة في مرحلة تاريخية ما، والنهج العام للبلاد المكتوب والموثق والذي يجري القياس عليه. والحديث عن المرحلة التي تعيشها سورية الآن، حديث هام، ولابد من التعاطي معه بصدق والقياس على النهج العام الذي يريده الجميع وعبرت عنه الوثائق الأولى، وخاصة أن هناك اتجاهات شرعت بالعزف خارج السياق العام للمنظومة التي ينبغي أن تتجه نحوها البلاد.
لا أحد في سورية يريد حرباً أهلية بين مكونات الشعب السوري، ولا أحد يريد إشعال حرب بين مكون منها وبين السلطات القائمة، ولا أحد في سورية يريد انهيارا اقتصاديا ، أو حتى مراوحة في المكان لأن هذا حكما سيأتي بالضرر على مجموع الشعب السوري الذي يسعى لعملية استقرار وبناء تتجاوز مأساة الزمن الماضي.
لقد تجاوزت سورية أخطر مرحلة في تاريخها المعاصر بدأت منذ أواسط القرن الماضي، وهذا التجاوز يُحتسب بالتخلص من حكم طغمة عسكرية قتلت ودمرت وسجنت واغتالت وسرقت وزورت ، بل إنها رفعت شعارات برّاقة لاستقطاب الشعب، ولم تعمل بها، بل دفعت الجماهير للنأي عنها والكفر بها .
تجاوزت سورية بعد الثامن من كانون الأول 2024 (فزاعة) حصول المذبحة الكبرى التي كان يروج لها النظام فيما لو ترك الحكم ، وفي ذلك الترويج المخادع كنا نتوقع أن تبدأ المذابح في اليوم الأول لسقوطه ولا تنتهي، على أساس أن القوى القادمة ستسحق كل الشعب السوري وتوقعه في جهنم الصراع والتقسيم.
خلال الشهور الأخيرة قرأنا عن خروج احتجاجات عامة في أنحاء سورية، حملت شعارات كثيرة، لم تكن السلطات لترضى عنها، وهذا الخروج، يعتبر أحد أهم المكاسب التي يجري التأسيس لها على صعيد مؤسسات المجتمع المدني والتجمعات وآليات العمل في المرحلة القادمة ، وقد حملت الاحتجاجات ، صغيرة كانت أم كبيرة، مطالب اقتصادية وقانونية ومطلبية، وأحيانا طائفية (!!!) ، وعوملت هذه الاحتجاجات بطريقة أفضل بألف مرة من آليات التعامل التي اشتغل عليها النظام البائد.
لايعني هذا أن سلطة المرحلة الانتقالية أنجزت مهامها، على العكس فأمامها طريق صعب وطويل لإعادة البناء وتفعيل الاقتصاد وطمأنة المجتمع من خلال جيش وطني قادر على ضبط الأمور وإحكام السيطرة والدفاع عن حدود البلاد، ومن خلال آليات عمل في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية .
إن النهج الصحيح في المرحلة الانتقالية يؤسس لما بعده بسلاسة، وهذا النهج ثنائي القطب، من جهة مسؤولية الحكومة الانتقالية نفسها، ومن جهة مسؤولية بقية المكونات أو القوى الساعية إلى فرض شروط تناسب طروحاتها، إن الانتقال السلس إلى مجتمع مدني يدافع عنه الجميع هو الطريق الأفضل لمستقبل سورية .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



