
عندما كنا نزور لبنان في السبعينيات من القرن الماضي، كنا نقرأ شعارا سياسياً لايمكن نسيانه يقول : قوة لبنان في ضعفه. وهي معادلة يمكن تفسيرها على أكثر من اتجاه سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو حتى الاجتماعي والنفسي.
وقد نُقلت العبارة عن شخصية بارزة في المكونات السياسية اللبنانية هو الشيخ بيار الجميل، الذي قد يكون نقلها عن الكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة.
بنى السياسيون اللبنانيون على هذه الفكرة المعبرة الكثير من المواقف (الصحيحة والخاطئة)، فمنهم من بنى عليها أن لاحاجة لجيش يحميه، ومنهم من بنى عليها بتنوع لبنان الطائفي والاثني، أو تنوع علاقاته المتينة مع العالم الغربي، ومنهم من جعلها مدخلاً، للبناء على قوة نوعية ، اختلف اللبنانيون والعرب في شرعيتها ودورها ، وهي المقاومة .
و (المقاومة) في لبنان مرت بأكثر من طور، أبرز تلك الأطوار عندما اجتاحت إسرائيل بقيادة أرئييل شارون لبنان في حزيران عام 1982، واحتلت بيروت بعد حصارها، وأخرجت الفصائل الفلسطينية المسلحة التي كانت تتحصن فيها إلى شتات جديد، وارتكبت مجزرتي صبرا وشاتيلا، وكانت الفصائل متحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية التي دفع كمال جنبلاط روحه ثمنا للدفاع عنها وعن أهدافها.
وعندما حصل ذلك، وخرجت الفصائل الفلسطينية، انطلقت المقاومة الوطنية اللبنانية وأرغمت إسرائيل على الانسحاب من بيروت ولاحقتها في الجنوب، وكان حزب الله قد بدأ بإطلاق ما أسماه المقاومة الاسلامية التي تنامت وأصبحت أكبر قوة عسكرية في لبنان، و تجري الان الحرب لنزع سلاحها، ثم شيئا فشيئا غاب اسم المقاومة الوطنية اللبنانية وحل اسم حزب الله .
إن المشكلة الحقيقية اليوم التي تتصدر الحوار حول لبنان، تتعلق بسلاح حزب الله وهويته الطائفية المرتبطة بإيران، فسلاح هذا الحزب كما قال أمينه العام الأسبق حسن نصر الله في خطاباته مشروع في دوره طالما إسرائيل تحتل أرضا لبنانية.
وبعد تحرير الجنوب عام 2000 بدأت ترتفع الأصوات المطالبة بعدم شرعية سلاحه، وخاض لبنان أكثر من حرب وظل سلاح حزب الله موجودا، فانحاز إلى النظام السوري وحربه على شعبه، ثم عاد الجيش الاسرائيلي إلى لبنان واحتل الجنوب.
عنما استهدفت إسرائيل حزب الله بعملية (البيجر)، ثم فيما بعد في اغتيال حسن نصر الله واستهداف بناه العسكرية بدأ حزب الله يخوض صراعاً بدا فيه وكأنه أضعف بكثير من المرحلتين السابقتين من الحروب 2000 و2007 ، وظن كثيرون إن الحزب سيقبل بشروط إسرائيل ويتحول إلى حزب سياسي.
الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من طرف وإيران من طرف آخر، أعادت حزب الله إلى الواجهة، وهذه نقطة هامة على صعيد التحليل السياسي للأحداث، فالورقة اللبنانية كانت حاضرة في المفاوضات ، وتمكنت إيران من ربط المسارين إذا جازت العبارة، والآن هناك تياران أحدهما يتحدث عن ضرورة استخدام سلاح المقاومة ليتابع دوره ويعيد التوزن إلى لبنان، والآخر يطالب بأن ينحصر السلاح في الدولة، لكن تيارا ثالثا لايطرح في سياق التحليل ينبغي الأخذ برأيه، وهو أن المقاومة ضرورية في لبنان شريطة أن تكون وطنية وليست طائفية ، وينبغي أن تنسق مع الجيش اللبناني وتأتمر بسياسة الدولة!
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



