من السهل جدا ، في عالم الشهرة والمال والإعلام ، أن يشغل أي نجم أو أي منتج درامي مساحة واسعة من الاهتمام، وخاصة ان مقاييس الشهرة في عالم الميديا انصبت اليوم على مؤشرات (الترند) الذي يقدمه هذا المنتج أو ذاك، وللأسف فإن (التفاهة) أضحت تؤثر بشكل كبير على عجلة النجاح أو الفشل في عالم وسائل التواصل.
في الموسم الرمضاني الماضي، فوجئ الجمهور بارتفاع جرعة التفاهة في الأعمال الدرامية، وخاصة تلك التي تصنف ضمن الانتاج الضخم، والتي تعتمد على النجوم، وتوظف من أجلها ملايين الدولارات ناهيك عن آلة ترويج ضخمة، وفي المحصلة نكتشف أنها تقدم نوعاً من المحتوى الدرامي أقل مايقال فيه أنه انحرف عن المنطق الفني والاجتماعي والبيئي وهو يخاطب الشرائح المعنية به وذهب طوعا إلى السقوط.
ولكي أدخل بالموضوع مباشرة، فإن أجرة نجم واحد من نجوم هذه الأعمال، قادرة على تحقيق منجز درامي يليق بالدور الذي ينبغي أن تقوم فيه الدراما في جدلية التوجيه والترفيه، وسأورد في هذا السياق مسلسل (المقعد الأخير) الذي شاهدناه في الموسم الرمضاني السابق.
جاء المسلسل الذي كتبه لؤي النوري في زحمة الانتاج، وقد اشتغل عليه المخرج السوري حسام سلامة مع المخرج المنفذ نور جديني ، كمشروع يحتاج إلى جهد كبير يشبه إنجاز حل سريع لتطابق ألوان مكعب روبيك.

فإذا كان السيناريو يحمل ثيمة جديدة في العمل الدرامي تذهب إلى عالم وسائل التواصل والمشتغلين في المحتوى والترند وأثرها على الجيل الجديد، عبر أحداث وشخصيات تمس جوهر الحياة الاجتماعية، فإن المخاطرة الانتاجية في هذا المجال تحتاج إلى استكمال شروطها أو فإن العمل يفشل في تقديم محتواه ، وهذه أهم نقطة يمكن البناء عليها في عالم الانتاج.
ولمعالجة هذا النوع من الأعمال بدءا من انتقاء الممثلين (لأنه يحتاج إلى جيلين) وصولا إلى تنزيل الشارة في نهاية إنجاز العمل، يتطلب مهارة كبيرة في إدارة المشروع ، وفي اعتقادي فإن التكلفة التي أنجز فيها المسلسل لم تكن تصل إلى أجرة نجم من نجوم الأعمال التي شغلت الشاشات.
تم حل مسألة التوظيفات المالية بانتقاء جيل جديد من الممثلين الشباب قادر على تفهم الفكرة ، بالاستناد إلى عدة فنانين كبار نجحوا في وضع المسلسل في سكة النجاح ، وأقصد هنا الفنان المبدع في دوره الصعب جهاد عبده ، والفنانة يارا صبري التي تمكنت من تمثيل وجه الخير بنجاح وتفوق، ناهيك عن الفنانين القديرين الاخرين مثل رنا جمول ومحمد خاوندي.
لعب الفنانون وخاصة الشباب منهم : ماسة الجمال، سوناتا سكاف، رضوان قنطار، قمر الطائي، لؤي النوري، سيزار عبدالقادر، محمد خاوندي، وسيم الشبلي، فهد السكري، أدوار الجيلين ببساطة الحياة نفسها، وتعقيدات الشخصيات حتى العادية في الحياة اليومية .
ففي أحداث المسلسل يحاول مدير المطعم، وهو انتهازي عديم الأخلاق أن يبتز العاملات عنده نتيجة حاجتهن للعمل، فيتحرش بعاملة اسمها يارا، ولأن كاتب النص يبني على معادلة صحيحة، فإن الخير ظهر منذ اللحظة الأولى في مواجهة الشر.
زوجة أخيه وشريكته بالإرث الآنسة هناء تكشفه وتحذره من مغبة أعماله ، وتتعرف على الفتاة يارا وتنصحها بعدم الوقوع في براثن لا أخلاقيته، ومع تكرار هذه المحاولات نتعرف على ظروف العاملات في المطعم ، وخاصة يارا التي تمتلك مواهب ودرجة ذكاء وتفوق وتعيش مع أمها وأبيها المصاب بفقدان الذاكرة وتدفعها إلى المشاركة في مسابقة منحة تعليم مجانية في المدرسة الخاصة التي تديرها (هناء) ولها نصف ملكيتها .
تنجح يارا في المسابقة وتحصل على مقعد مجاني، في وسط فوضوي من طلاب لامبالين يتنمرون عليها ويسعون إلى إبعادها عن المدرسة نظرا لفقرها، ومع صبر يارا تنجح في تغيير أجواء التنمر وتدفعها نحو الخير .
في المقابل تنجح الآنسة هناء في كشف فساد شقيق زوجها وطمعه ولا أخلاقيته وتوقع به فيسقط في أيدي رجال الشرطة وتشكل الآنسة هناء نموذجا للإنسان الناجح في أداء دوره الاجتماعي، وخاصة عندما تقدم المساعدات لأسرة يارا التي يسعى عمها للاستلاء على البيت والسيارة .
ماذا يفعل هذا النوع من المحتوى الدراما؟
ببساطة هو في صلب عملية الدراما وهي تدخل إلى صميم الحياة التي ابتعدت عنها أعمال كبيرة صرفت عليها الملايين يتصدرها نجومنا الذين كنا نحترم أعمالهم الأولى، وندافع عنها.
وفي عملية الانتاج كانت التوظيفات المالية أقل بكثير مما يتوقعه المختصون ، وهي فكرة كنت قد دعوت إليها الجهات الوصائية المترددة في دخول عملية الانتاج بحجة قلة الموارد ، وتم فيما بعد الكشف عن فساد كبير وراء هذه التعقيدات.
المسلسل جيد وشيق ويحقق المتعة والفائدة ، فهو مسلسل اجتماعي هادف يقدم فكرة الصراع بين الخير والشر بطريقة جذابة، وينتصر الخير من دون مبالغة ومباشرة فجة . كما يكشف الآثار السلبية لوسائل التواصل على الأجيال ، ويقدم طريقة أفضل لاستثمارها عبر تجربة يارا عند دخولها التجربة بالشغل على محتوى إيجابي .
وفي الأداء الرائع للفنانين جهاد عبدو ويارا صبري في أول مسلسل لهما بعد التحرير، ستجد شركات الانتاج نفسها أكثر جرأة في تبني الأعمال الملتزمة والهادفة، فبدلا من مسلسل ضخم يجتر أحداثا سأم منها المجتمع ، ثمة إمكانية لإنتاج أكثر من مسلسل قادر على التأثير كما هو الحال في المقعد الأخير.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



