مسلسل مطبخ المدينة لرشا شربتجي: ملف التسول بين التلفيق الدرامي والحقيقة الاجتماعية! (1)
عماد نداف
زادت خلال الحرب على السوريين في العقدين الأخيرين أعداد المتسولين في شوارع المدن السورية، إلى الدرجة التي تؤشر فيها هذه الظاهرة إلى خلل كبير في التعاطي مع البنية الاجتماعية والاقتصادية لكيان الأسرة السورية.
لفد تركت الحرب أثراً كبيراً على هذا الكيان، فالتدمير الممنهج للتجمعات السورية (بيئات المعارضة) كما كانت تسميها الأجهزة الأمنية، وتردي الحالة الاقتصادية بشكل عام، والتسريح التعسفي للآباء وتشرد الأطفال ناهيك عن انتشار شبكات منظمة لجمع الأموال عبر استثمار المشردين بطرق مختلفة ، كل ذلك جعل الظاهرة تكبر وتحمل مؤشرات اجتماعية خطرة.
ومع الموسم الرمضاني الذي مر في الشهر الكريم لعام 2026 قدمت الدراما السورية مسلسلاً خطيرا في أبعاده وتداعياته عندما قدم (مطبخ المدينة) هذه الظاهرة في إطار الخطوط الدرامية المتصارعة وكانت ردود الأفعال التي أثارها المسلسل تتعلق بجدلية التلفيق والواقع التي يبني عليها المسلسل أحداثه تحت وطأة البحث عن أفكار درامية من قبل كتاب امتهنوا كتابة المسلسلات من دون التفكير في أثرها الاجتماعي ومتكئين على فكرة النجاح القائمة على (ترند المشاهدة).
يحكي المسلسل عن أحداث تقع في مدينة دمشق تبدأ بفقدان طفلة اسمها ريما خلال العيد، أخذها شقيقها من أبيها (عبد الكبير) لتلعب في أراجيح، فخُطفت منه، وضاعت وسط مدينة تغلي في الأحداث والخفايا .
أدى ذلك إلى تحولات في سلوك الأب والأخوة، الذين (ياللغرابة) كانوا على علاقة وقرابة (أحيانا) مع شبكات التسول نفسها التي تضم المئات من أمثال (ريما الضائعة)، ومن هنا كان المدخل لعرض واقع شبكات التسول والجرائم التي ترتكب فيها، و(الجمهوريات الخفية) التي يقيمها المسيطرون عليها.
وهنا تبرز مجموعة أسئلة تتعلق بالجهات المعنية ، ومن بينها :
هل شاهدت السيدة هند قبوات وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية مسلسل مطبخ المدينة؟ وماهي ردة فعل السيدة خزامى النجاد مديرة مكتب مكافحة التسول من الوقائع التي يعرضها هذا العمل الدرامي؟
وفي سؤال فرعي لايقل أهمية عن رأيي هاتين المسؤولتين : كيف تنظر وزارة الأوقاف إلى الأثر الذي يتركه المعنى الضمني للمسلسل على مسألتي التعاون الاجتماعي والصدقات والعطف على الفقراء، وهل سنكون أمام رأي فقهي جديد يتعلق بالتعاطي مع المتسولين؟!
قدم المسلسل هذه البيئة من خلال كونها بؤرة للاستغلال والمخدرات والجريمة، بل اتجه في خطه العام إلى الربط بينها وبين فساد السلطة نفسها، التي جاءت الإشارة إليها من خلال مسؤول بعثي كبير (فراس الطايع) مرشح لرئاسة الحكومة، من أن هذا الملف له أبعاده في مراكز القوى السلطوية نفسها.
إن أول النتائج التي سيتركها المسلسل ، ليس الإسراع في حل الأسباب المؤدية إلى الظاهرة، وهي أسباب تتراكم هذه الأيام بدلا من أن تتراجع نظرا لطبيعة المرحلة وافرازاتها، بل في تشكيل موقف اجتماعي في التعاطي مع المتسولين، الذين دفعتهم الحاجة فعلا إلى التسول. وهنا سيتردد الكثيرون في تقديم الصدقات للمحتاجين الحقيقيين، وهذا أثر سلبي في السياق العام لأحد أشكال التعاضد الاجتماعي، لم يقدم المسلسل حلاً له، فظهر المجتمع ساذجا في سخائه مع هذا النوع من المحتاجين
ومن النتائج الأخرى للمسلسل، أنه يغيب السبب الاقتصادي لانتشار الظاهرة الذي ينبغي على الجهات المعنية معالجته، فيبدو عابرا لاينتبه إليه المشاهد، وهذه مشكلة، فمن أين ينشأ التسول ومن هم المسؤولون عنه، ومتى تزداد الظاهرة ومتى تتراجع .
ولكي لايؤخذ علي، أنا لا أطلب من الدراما أن تتحول إلى صحافة تعرض القضايا وتقترح الحلول، ولكن المشاهد بحاجة إلى سياقات خاصة بتاريخ الشخصيات التي تتجمع في بؤر التسول الكبيرة .
كذلك، فإن المعطيات التي وردت على لسان الجهات المسؤولة تشير إلى أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقوم بحملات لكبح جماح الظاهرة وخاصة بعد سقوط النظام بفترة قصيرة، وأن أكثر من مئة حالة تم تحويلها إلى القضاء ومراكز الرعاية، في حين أن شارعاً واحد من الشوارع الرئيسية في العاصمة يمكن أن ينتشر فيها عدد أكبر من هذا العدد، وهنا تحتاج وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى تفعيل دورها في نقل القضية إلى الحكومة وتقديم إحصائيات وسرديات عن مصائر أولئك الذين سحبتهم من الشوارع عبر الشرطة ، وهل قدمت أحدا من متزعمي الشبكات إلى القضاء، وهل قدمت للصحافة معطيات عن هذا الموضوع؟
وفي صورة بيئة التسول التي يقدمها مطبخ المدينة انحدار أخلاقي، وانتشار للمخدرات وشم (الشعلة) ، وهي ظاهرة انتشرت بين تلاميذ المدارس من غير المتسولين، لكنها في المسلسل كانت توصيفا عابرا بعيدا عن أصل الظاهرة الاجتماعي التي ضج بها المجتمع السوري إبان الحكم البائد .
أيضا تحولت بيئة التسول إلى عامل أساسي في صنع أنواع أخرى من الجريمة كسرقة السيارات وبيع قطع التبديل، والترويج إلى الدخل الكبير الذي يحقق المتسولون ، تماما كما شاهدناه في الأفلام العربية القديمة حيث يخفي المتسول (لم يكن منظما في شبكات وقتها) يخفي أمواله ويكدسها تحت فراشه الرث .
إن الحديث عن قاع المدينة مادة خصبة للدراما والرواية والبحث الاجتماعي، لكن الاتكاء على تفاصيل مخفية من هذا القاع دون دراسة الأثر الذي يتركه المعنى على (المجتمع) يجعل منه مجرد حديث للإثارة خال من المسؤولية، وقد حصل هذا من قبل في مسلسل قام ببطولته سلوم حداد عن النباشين (على صفيح ساخن/ عام 2021).
بمعنى آخر، هناك إيجابيات في مسلسل (مطبخ المدينة) لابد من الاعتراف بها، وهي تسليط الضوء على بؤر لانهيار اجتماعي يحمل آثارا كارثية على المجتمع، لكن الأسئلة تفرض نفسها، ونحن نرى سياقات درامية تبالغ أحيانا وتلفق أحيانا أخرى، من دون أن تنتبه إلى آثار عرض هذه الأنواع على الرأي العام من طرف واحد، لم تبادر الجهات المختصة إلى تقديم معطيات عنه.
يتبع ..
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



