مصر في معركة على مياه النيل مع إثيوبيا (مصطفى اللباد)

 

مصطفى اللباد

تتهدد مصر «حروب مياه» مع إثيوبيا في السنوات المقبلة، لأن طفور الطموحات الإثيوبية يسير في معادلة صفرية مع حقوق مصر التاريخية والقانونية في مياه النهر، ولا يمنع إثيوبيا من ذلك سوى التوازنات الإقليمية والدولية مع التسليم بتطورها لمصلحة إثيوبيا في السنوات الأخيرة.
تقول الحقيقة الرقم واحد في أولويات الأمن القومي المصري إن تأمين منابع نهر النيل وبالتالي حصة مصر من مياهه هي الوظيفة الأولى لأي حاكم مصري، والتي تتقدم على كل ما عداها من اعتبارات بغض النظر عن انحيازات الحاكم الفكرية أو سياساته الداخلية. وتملك هذه الحقيقة صلاحية سرمدية عابرة للأزمان تحتمها الجغرافيا المصرية، فمنذ آلاف السنين عرف حكام مصر محورية المياه باعتبارها شريان الحياة لجسم مصر الصحراوي في غالبيته الساحقة (97,5 في المئة من مساحة مصر صحراء جرداء)، فلم يتأخروا في الدفاع عن حقوق بلادهم التاريخية في مياه النيل بكل الوسائل. مصر هي هبة النيل بالفعل كما قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت، وإلى النيل يعزى قيام الحضارة المصرية النهرية التي تعد واحدة من أعظم حضارات الإنسانية. ولكي نقرب أهمية مياه النيل إلى الأذهان ينبغي علينا أن نتذكر أن مصر هي أكبر واحة صحراوية في العالم، حيث تتركز الحياة فيها على ضفتي النهر الذي يعيش في كنفه تسعون مليونا من المصريين. باختصار غير مخل بالمضمون، يجب أن يكون لكل حاكم مصري عينان: واحدة على منطقة القرن الأفريقي حيث إثيوبيا دولة المنبع وما يتغير هناك من مستجدات، والثانية على شبه جزيرة سيناء وبلاد الشام من خلفها وما يعتمل هناك من توازنات، إذ تقول الخبرة التاريخية إن الغالبية الساحقة من غزاة مصر دخلتها عبر هذا الباب.
نامت نواطير مصر في عصر مبارك عن ثعالبها الداخليين والخارجيين، فكلت عينه الأولى ولم تلحظ المستجدات عند منبع النيل الأزرق في إثيوبيا (يشكل النيل الأزرق 86 في المئة والنيل الأبيض 14 في المئة من إجمالي مياه النهر التي تلتقي في أراضي السودان قبل أن تصل إلى مصر في أقصى الشمال)، أما عينه الثانية ففقدت منذ البداية التمييز بين العدو والصديق. والآن، ومع احتدام الأزمتين الاقتصادية والسياسية في مصر بين جماعة «الإخوان المسلمين» الحاكمة والمعارضة المصرية، تميل كفة موازين القوى أكثر فأكثر ناحية إثيوبيا، التي تلوّح باستخدام المياه من طرف واحد، ما يؤثر على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل ويمثل خطرا داهما على مصر. تحاول السطور الآتية إلقاء الضوء على معادلة الصراع على مياه النيل، وعلى أسباب تحسن مواقع إثيوبيا التفاوضية حيال مصر، وتختتم بخلاصة لا بد منها.

معادلة الصراع على مياه النيل

يبدو فريقا الصراع على مياه النيل كالآتي: فريق دول المصب ويضم مصر والسودان، في مقابل فريق دول المنبع الذي يضم إثيوبيا وأريتريا وأوغندا والكونغو وبوروندي وتنزانيا وجنوب السودان ورواندا وكينيا. وإذ تعتمد مصر على نهر النيل في توفير 95 في المئة من احتياجاتها المائية اللازمة للشرب وللمشروعات الزراعية ولتوليد الكهرباء، فإن تزايد السكان فيها يرسخ الاعتماد المصري على مياه النيل. تملك مصر حقوقا تاريخية في هذه المياه بموجب «اتفاقية مياه النيل» التي وقعتها مع بريطانيا عام 1929، وتعطي لمصر حق الفيتو تجاه أية مشروعات في دول المنبع تؤثر على حصة مصر من المياه المتدفقة إليها. الجدير بالذكر هنا أن اتفاق 1929 هو اتفاق ملزم لثلاث من دول المنبع هي تنزانيا وكينيا وأوغندا، على اعتبار أن بريطانيا التي استعمرت تلك الدول آنذاك قد مثلتها قانونياً في اتفاق دولي ملزم. كما قننت مصر وضعيتها القانونية باتفاق مع السودان عام 1959 يعطي القاهرة 55,5 مليار متر مكعب من المياه الواردة إلى سد أسوان بما نسبته 66 في المئة، مقابل 18,5 مليار متر مكعب للسودان بما نسبته 22 في المئة، فيما تتبخر في الهواء كمية مقدارها 12 في المئة من المياه. بالمقابل تحاجج دول المصب بأنها لم تكن طرفا في هذه الاتفاقات وقتذاك، وبالتالي لا تعترف بشرعيتها. وتريد دول المنبع تعديل اتفاق تقاسم المياه بما يسمح لها بإبقاء كميات أكبر من المياه داخل أراضيها عبر بناء السدود، وهو ما يؤثر بالضرورة على حصة دولتي المصب مصر والسودان. وتتفاقم المشكلة مع الزيادة السكانية الضخمة المتوقعة في دول حوض وادي النيل، إذ تقدر الأمم المتحدة أن عدد السكان في الدول الإحدى عشرة سيبلغ 860 مليون نسمة بحلول العام 2050، وهو ما يضغط بشدة على طرفي الصراع على مياه نهر النيل لتعزيز مواقفهما في معادلة الصراع. وفي أيار 2010 أعدت إثيوبيا مسودة اتفاق إطار جديد للتوقيع عليه أطلقت عليه اسم «اتفاق عنتيبي»، لتعديل الأسس التاريخية والقانونية لتقاسم المياه، فوافقت معظم دول المنبع عليه، فيما رفضت مصر والسودان. صحيح أن «اتفاق عنتيبي» غير ملزم قانونياً لدولتي المصب، إلا أنه يعكس وعياً إثيوبياً بتعدل موازين القوى، ويؤطر لطموح إثيوبي بفرض وقائع على الأرض تتعلق ببناء سدود، وهو ما يؤثر بالضرورة على حصة مصر في مياه النيل، ويهددها وجودياً بالتالي. ربما لا تستطيع إثيوبيا إجبار القاهرة على التوقيع، ولكن «اتفاق عنتيبي» يشي بأن هناك أزمة كبرى بين القاهرة وأديس أبابا قادمة في الطريق. تحاول السطور الآتية تفسير الهجوم الإثيوبي الديبلوماسي على مصر والسودان.

الإطار الجيو ـ سياسي يحسن أوراق إثيوبيا

تحسن الإطار الجيو-سياسي لإثيوبيا بوضوح في السنوات الأخيرة، وبشكل عدل موازين القوى بينها وبين مصر لمصلحة أديس أبابا. ويمكن ملاحظة التغيرات الجيو-سياسية التي تصب في مصلحة إثيوبيا في ضوء خمسة مؤشرات رئيسية: الأول، أدى تفكك الصومال، غريمها التقليدي الذي خاضت معه حروباً حدودية طاحنة على إقليم أوغادين، إلى اختفاء المعادل الجيو-سياسي لطموحات إثيوبيا الإقليمية، فزادت شهيتها للقيام بأدوار إقليمية أكبر. واستغلت إثيوبيا هذا التفكك لغرض تعزيز حضورها الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي، إذ تنخرط إثيوبيا منذ سنوات في عمليات «مكافحة الإرهاب» القادم من أراضي غريمها التاريخي الصومال وذلك تحت المظلة الأميركية منذ عام 2006 وحتى عام 2009 ثم مرة أخرى منذ العام 2011 وحتى الآن. أما المؤشر الثاني فيظهر مع انقسام دولة السودان إلى دولتين، السودان وجنوب السودان، وهو ما أدى إلى إضعاف الحضور السوداني (والمصري من خلفه) في المعادلة «القرن أفريقية»، فانفتح الباب أمام أديس أبابا لتشارك منذ العام الماضي 2012 في قوات حفظ السلام الأممية في إقليم أبيي المتنازع عليه بين دولتي السودان وجنوب السودان. المؤشر الثالث: يؤثر التراجع في الرقم السوداني بالمعادلة الإقليمية دوراً كبيرا في ميل ميزان القوى لمصلحة إثيوبيا، فأزمة دارفور والعزلة الدولية التي يعاني منها الرئيس السوداني (مذكرة توقيف دولية بحقه أصدرتها محكمة العدل الدولية في لاهاي 2009) تقلص بشدة من هامش مناورة الخرطوم في الصراع على حصص مياه النيل. يتمثل المؤشر الرابع في تحسن العلاقات الإثيوبية – الغربية عموماً والإثيوبية – الأميركية، خصوصاً بعد بروز أديس أبابا كشريك يعتمد عليه في القرن الأفريقي، وبحيث تحصل إثيوبيا سنوياً على أربعة مليارات دولار في صورة مساعدات عسكرية وتنموية وغذائية. ولا يقتصر الأمر على المساعدات المباشرة فقط، وإنما إلى تغير نظرة الغرب إلى إثيوبيا في خصوص المشاريع التنموية التي عارضها لعقود، بسبب تهديدها للأمن الإقليمي مثل مشاريع بناء السدود في إثيوبيا. ويأتي المؤشر الخامس الفائق الأهمية ممثلاً في الرقم الصيني، إذ ان الصين هي الشريك التجاري الأول لإثيوبيا، وأبدت بكين استعدادها لتمويل مشروعات بناء السدود الإثيوبية عارضة خبرات بكين المتميزة في بناء السدود الضخمة على أديس أبابا. وتنطلق الصين في عرضها من اعتبارات تتعلق بتأمين موطئ قدم لها في المنطقة المجاورة لإثيوبيا، في جنوب السودان حيث النفط وفي الكونغو حيث الموارد المعدنية. يتمظهر المؤشر السادس في تراجع الثقل السياسي المصري في منطقة القرن الأفريقي، فليس لها دور في الصومال، ولم تكن حتى طرفاً أساسياً في المفاوضات بين السودان وجنوب السودان. ويؤدي الانشغال المصري بالشأن الداخلي دوره في التقليل من مساحة حركة القاهرة في مواجهة اللاعبين الإقليميين والدوليين، وهنا الصين مثالاً. فعلى الرغم من أن مصر هي السوق الأكبر للسلع الصينية في دول حوض النيل الإحدى عشرة، إلا أن الصين غلبت اعتبارات أخرى على الأولويات المصرية وحقوقها في مياه النيل، إلى الحد الذي يضع إمكانات الصين التقنية في بناء السدود في مواجهة الحقوق المصرية. ماذا ستفعل القاهرة حيال كل ذلك؟ يعلم الله.

خلاصة لا بد منها

تتهدد مصر «حروب مياه» مع إثيوبيا في السنوات المقبلة، لأن طفور الطموحات الإثيوبية يسير في معادلة صفرية مع حقوق مصر التاريخية والقانونية في مياه النهر، ولا يمنع إثيوبيا من ذلك سوى التوازنات الإقليمية والدولية مع التسليم بتطورها لمصلحة إثيوبيا في السنوات الأخيرة. لا تبدو حكومة هشام قنديل (الخبير بالري كتقني وليس كديبلوماسي أو قانوني أو استراتيجي) قادرة على إدارة ملف على هذه الدرجة من التعقيد، لشموله على جوانب قانونية وسياسية واقتصادية وعسكرية وعلاقات دولية، فيما تعجز هذه الحكومة عن اجتراح حلول للمشاكل اليومية الأقل تعقيدا مثل الأمن والمرور وتوفير الوقود والسلع الغذائية، ما ينذر بأوخم العواقب على مصر. المطلوب اجتراح تصور لإدارة الأزمة وتفعيل أوراق القوة الناعمة المصرية حيال إثيوبيا وفي مقدمها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهي الكنيسة الأم التي تتبعها الكنيسة الإثيوبية. ومن الضروري تشكيل فريق مصري ثابت لإدارة هذا الملف الفائق الحساسية، فريق يتجاوز الانتماء الحزبي ليطاول أبرز المتخصصين المصريين في الملفات المتقاطعة مع مياه النيل. ليس المهم الانتماء الديني أو الأيديولوجي لفريق الأزمة المصري المفترض، بل المهم قدرات وكفاءات هذا الفريق والانتماء إلى طين هذا الوطن، وليس إلى جماعة أو حزب أو تيار. ولمن لا يعلم الطين – كما يحلو للمصريين أن يصفوا تراب وطنهم – هو التربة الخصبة نتيجة اختلاطها بماء النيل.
هل يستوعب الدكتور مرسي خطورة الموقف، فيبادر إلى طرح الملف كموضوع وطني عام وينفذ بدون إبطاء ما يقتضيه هذا الملف من سياسات وإجراءات، أم يتردد كالعادة فيدخل التاريخ باعتباره من المفرطين في حقوق مصر التاريخية وحقوق أجيالها القادمة؟

صحيفة السفير اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى