صحة ورشاقة

هل النظام الغذائي القلوي يقي فعلاً من السرطان؟

هل يمكن للنظام الغذائي القلوي أن يقي من السرطان؟ تقرير يوضح ما يقوله العلم فعلاً، وما يمكن أن يؤثر فيه هذا النظام وما لا يستطيع.

 

في السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي عن النظام الغذائي القلوي بوصفه أسلوباً صحياً قادراً على الوقاية من أمراض مزمنة، وعلى رأسها السرطان. وبين وعود تحسين التوازن الأيضي وتقليل مخاطر المرض، برز سؤال أساسي: هل يستطيع هذا النظام فعلاً التأثير في آليات تطوّر السرطان داخل الجسم؟

بحسب تقرير نشره موقع تايمز أوف إنديا، دفع هذا الجدل المتزايد الباحثين إلى مراجعة علمية دقيقة لمعرفة ما يمكن للنظام الغذائي القلوي أن يحققه فعلياً، وما تبقى من ادعاءاته خارج الإطار العلمي المثبت.

ما هو النظام الغذائي القلوي؟

يرتكز النظام الغذائي القلوي على الإكثار من تناول الفواكه والخضروات والمكسّرات والبقوليات، مع التقليل من الأطعمة التي تُصنَّف على أنها «مكوّنة للأحماض»، مثل اللحوم، والحبوب، والأطعمة المصنّعة.

ويرى مؤيدو هذا النظام أن اختيار هذه الأطعمة يمكن أن يدفع الجسم نحو حالة أكثر قلوية، ما يخلق بيئة داخلية غير ملائمة لنمو الخلايا السرطانية. ويستمد هذا التوجّه شعبيته من الاهتمام المتزايد بالأنماط الغذائية النباتية، ومن الاعتقاد بأن القرارات الغذائية اليومية قادرة على التأثير في المسارات الأيضية العميقة.

إلا أن التقرير يشير إلى أن بساطة هذه الفكرة لا تعكس تعقيد الأنظمة الحيوية التي تنظّم توازن الجسم الداخلي.

هل يمكن للطعام أن يغيّر درجة حموضة الجسم؟

يوضح التقرير أن درجة الحموضة داخل الجسم تخضع لتنظيم صارم عبر أجهزة حيوية دقيقة، أبرزها الجهاز التنفسي والكليتان. وهذه الأنظمة تحافظ على استقرار درجة حموضة الدم ضمن نطاق ضيّق جداً، لا يمكن تغييره عبر الطعام وحده.

كثيراً ما يحدث خلط بين تأثير الطعام في حموضة البول وبين تأثيره المفترض في حموضة الدم. ففي حين يمكن للنظام الغذائي أن يغيّر حموضة البول، فإن ذلك لا ينعكس على البيئة الخلوية التي تتطوّر فيها الأورام.

كما يخلط الناس بين «الأطعمة القلوية» والتغييرات الفعلية في درجة حموضة الدم. ويسهم هذا الالتباس في تغذية الادعاءات المنتشرة على الإنترنت، رغم أن المسارات الأيضية، وآليات العزل في الكلى، والتنظيم الخلوي تحافظ على استقرار درجة حموضة الدم بغضّ النظر عن النمط الغذائي.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

استند التقرير إلى مراجعة علمية كبرى نُشرت في مجلة **BMJ**، درست العلاقة بين الحمل الحمضي للنظام الغذائي وخطر الإصابة بالسرطان. وخلصت المراجعة إلى نتائج واضحة:

* الطعام لا يغيّر درجة حموضة الدم أو البيئة الخلوية المحيطة بالأورام.

* الحموضة التي تُلاحظ أحياناً حول الخلايا السرطانية تنشأ داخل الورم نفسه، ولا تكون نتيجة تناول أطعمة «حمضية».

* لا يوجد رابط علمي مثبت بين الحمل الحمضي للنظام الغذائي وزيادة أو تقليل خطر الإصابة بالسرطان.

وبناءً على ذلك، يؤكد التقرير أن الادعاء الأساسي للنظام الغذائي القلوي، القائم على الوقاية من السرطان عبر تغيير درجة الحموضة، لا يتوافق مع الأدلة البيولوجية المتاحة.

هل للنظام الغذائي القلوي فوائد حقيقية؟

رغم عدم قدرته على الوقاية من السرطان عبر التحكم في درجة الحموضة، يشير تقرير **تايمز أوف إنديا** إلى أن النظام الغذائي القلوي قد يقدّم فوائد صحية غير مباشرة.

فالتركيز على الخضروات والفواكه يزيد من استهلاك الألياف والفيتامينات، ويدعم الوظائف الأيضية. كما إن الابتعاد عن الأطعمة المصنّعة، والملح الزائد، والدهون المشبعة قد ينعكس إيجاباً على صحة القلب والتمثيل الغذائي.

ويؤكد التقرير أن هذه الفوائد ناتجة من تحسّن جودة النظام الغذائي بشكل عام، لا من خصائص «قلوية» بحد ذاتها.

ما أبرز السلبيات والمخاطر؟

يحذّر التقرير من الاعتماد على النظام الغذائي القلوي بوصفه وسيلة للوقاية من السرطان، لأن ذلك قد يؤدي إلى فهم خاطئ لكيفية نشوء المرض وتنظيم الجسم للحموضة.

كما إن بعض النسخ المتشددة من هذا النظام تستبعد مجموعات غذائية كاملة، ما قد يعرّض الجسم لنقص في بعض العناصر الغذائية. وقد تخلق الادعاءات غير الدقيقة شعوراً زائفاً بالأمان، يدفع البعض إلى إهمال استراتيجيات الوقاية والعلاج المثبتة علمياً.

كيف يمكن التعامل مع هذا النظام بوعي؟

يخلص تقرير **تايمز أوف إنديا** إلى أن النظام الغذائي القلوي يمكن أن يكون مفيداً فقط عندما يُنظر إليه كنمط غذائي غني بالنباتات، لا كوسيلة لتغيير كيمياء الجسم الداخلية أو الوقاية من السرطان.

ويؤكد أن التمييز بين الفوائد الغذائية الحقيقية والنظريات غير المدعومة علمياً ضروري لاتخاذ قرارات صحية واعية، مشدداً على أن استراتيجيات الوقاية المبنية على الأدلة العلمية تبقى أكثر موثوقية من الادعاءات المرتبطة بدرجة الحموضة.

الخلاصة

النظام الغذائي القلوي قد يدعم الصحة العامة عبر تحسين جودة الطعام، لكنه لا يغيّر درجة حموضة الدم ولا يمنع السرطان. الفوائد الحقيقية تأتي من التغذية المتوازنة، لا من الوعود المبسّطة.

صحيفة الأخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى