هل من حل سياسي في سوريا؟ (فايز سارة)

 

فايز سارة

يتردد في كل العواصم المعنية والمهتمة بالأزمة السورية كلام وتأكيدات عن ضرورة الحل السياسي للأزمة، ليكون بديلا عن حل عسكري يتفاعل على الأرض مع احتمالات تصاعده إلى حد استكمال تدمير سوريا كيانا وشعبا وإمكانيات، وهذه إحدى الضرورات الدافعة إلى حل سياسي، هدفه الخروج بأقل الخسائر من الأزمة، والسعي لاستعادة الحياة السورية إلى طبيعتها، مع إجراء تغييرات ديمقراطية جوهرية في النظام السياسي/ الاجتماعي، وفي مجمل الحياة السورية.
إن ضرورات الحل السياسي بالنسبة لسوريا والسوريين وللعالم كثيرة، وقد لا تكون على دواعيها خلافات كبيرة إلا في بعض النقاط. وقد كانت الفكرة في العامين الماضيين موضع اهتمام في المستويات المحلية والإقليمية الدولية، حيث تكررت مبادرات الحل من جانب سوريين في الداخل والخارج، ثم من دول قريبة وبعيدة، إلى جانب مبادرات الجامعة العربية والأمم المتحدة، لكنها جميعا اصطدمت بموقف النظام بصورة أساسية، واختلفت في أحيان مع مواقف بعض قوى المعارضة السورية، سواء القوى السياسية أو المسلحة.
إن العائق الرئيسي في موضوع الحل السياسي السوري، يكمن بصورة أساسية في موقف النظام الذي تبدو موافقته وخطواته التمهيدية للحل ضرورية، وخاصة في نقطتين؛ الأولى وقف العمليات العسكرية، والثانية إطلاق المعتقلين، مما سيؤثر بصورة إيجابية على السوريين عموما، ويساعد في قبول المعارضة الانخراط في عملية سياسية جدية وحقيقية، تبدأ في معالجة تداعيات الأزمة وآثارها، مثل اللاجئين والنازحين والإغاثة، وصولا إلى مسبباتها التي تؤدي إلى تغيير النظام وإقامة نظام جديد، يمثل طموحات السوريين في الحرية والكرامة والديمقراطية.
ولا شك أن جلب النظام إلى موافقة جدية للقبول بحل سياسي، يمر عبر تغييرات عميقة في أمرين اثنين؛ أولهما تغيير في المعطيات الداخلية، بحيث يتغير الواقع السياسي أو العسكري أو كلاهما على الأرض. والتغيير السياسي المطلوب في هذا الاتجاه إدخال فئات سورية جديدة في خط المعارضة، وخاصة الفئات «الصامتة» أو «المحايدة»، أو ما يسميه البعض بـ«الأقليات»، مما سيزعزع ما تبقى من قاعدة اجتماعية للنظام. أما في موضوع تغيير الواقع العسكري، فإنه يمكن أن يتم عبر واحد من مسارين؛ أولهما انشقاقات كبيرة في مستوى المؤسسة العسكرية – الأمنية، التي ما زالت تمثل حاضنة صلبة للنظام وقوة للدفاع عنه. والثاني حصول تقدم كبير لقوات المعارضة المسلحة على الأرض، تدفع إلى انكفاء قوات النظام، ومن شأن التغييرات السياسية والعسكرية في الداخل أو بعضها، أن تشكل قوة دافعة للنظام أو بعض منه للذهاب نحو الانخراط في حل سياسي.
أما الشق الآخر في عوامل جلب النظام إلى حل سياسي للأزمة، فهو عامل خارجي. يتناول في جانبه الأول موقف القوى الداعمة، وأبرزها روسيا وإيران، التي لا شك أن تخفيف أو إيقاف مساعداتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية للنظام، أو ربطها بضرورة التوجه إلى حل سياسي، سيلعب دورا مهما، يوازي في أهميته عاملا خارجيا آخر، تمثله الضغوط السياسية والاقتصادية التي يمكن أن يمارسها المجتمع الدولي بدوله وهيئاته لدفع النظام لتوجه جدي نحو حل سياسي للأزمة.
وأيا كانت الأسباب الداخلية أو الخارجية (كلها أو بعض منها) التي ستجلب النظام إلى حل سياسي، فإنها سوف تحتاج إلى حاضنة تطور وتدعم هذا المسار، والأساس في الحاضنة هي الدول التي دخلت، وأثرت في الأزمة السورية في العامين الماضيين، أو الأساسية منها على الأقل، وهو أمر يمكن أن تتعزز قيمته وتأثيره، عبر جعل الدعم الدولي يمر من خلال قرار في مجلس الأمن الدولي، وهذا سيعطي الدعم مشروعية قوية، كما يعطي الجهد في هذا المجال أهمية كبيرة، خاصة في ضوء الفشل الدولي المتكرر عبر العامين الماضيين بالوصول إلى توافق دولي في المجلس.
لقد راكم السوريون وغيرهم من الأطراف العربية والدولية، الدول والمؤسسات، كثير من المعلومات والمعطيات والأفكار والتحليلات حول طبيعة الأزمة في سوريا، والآفاق الممكنة لحلها في مسارات سياسية وعسكرية، كما في مسارات تخلط بين السياسة والعسكرة، وثمة كثير من الموجبات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، التي تدفع لأخذ الأزمة السورية إلى معالجة جدية وفعالة تضع حدا لما يصيب السوريين من جرائم ودمار يمكن أن تمتد إلى المحيط، وكل ما هو مطلوب اليوم، هو أن تتوفر إرادة سياسية للذهاب في هذا الاتجاه، وما لم تتوفر مثل هذه الإرادة، فإن كل الكلام الذي يقال، والتصريحات التي يطلقها المسؤولون في أي موقع كانوا، والخطوات التي تتم أينما كانت، لا معنى لها ولا قيمة.

 

صحيفة الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى