كتب

هوامش على رواية ‘البشر والسحالي’

هوامش على رواية ‘البشر والسحالي’.. الأسلوب الأدبي كالسعادة، تظهر على وجه الانسان السعيد، كذلك الأسلوب الأدبي يؤكد ويوضح ويشرح لنا دون أي مواربة أو محاولة اخفاء مزاج الكاتب وهو يكتب نصه، وهو سعيد بكتابته ويعمل جاهداً على إخفاء تلك السعادة الموجودة ما ببن السطور ويغلف بها الكلمات مهما كانت قسوة الأحداث التي سوف نجدها داخل العمل الأدبي أو الفكري كما في أعمال الفيلسوف زكي نجيب محمود وأيضاً في اصدار حسن عبدالموجود الأخير.

تمهيد لابد منه ونحن ننظر إلى كتاب مدهش، بداية من العنوان الذي يداعب العين ويحفز العقل على قراءته، ثم نجد الغلاف وتصميمه بشكل مذهل علاوة على الرسومات الداخلية التي أبدعها الفنان عمرو الكفراوي، وقد صدر الكتاب عن الدار المصرية اللبنانية.

وهذا كله يدعو القارئ بأن يسرع الى متن الكتاب وهو لا يدري ما نكهته أهو مقالات في الأدب الساخر أم نصوص قصيرة أو رواية كتبت بشكل جديد، أي بشكل ما بعد الحداثة، أو هي محاولة جادة من المؤلف في وضع عمل أدبي جديد بشكل وأسلوب مختلف علينا لكي يوجد عند القارئ أكبر قدر من المتعة المرجوة من وراء عملية القراءة.

أقول هذا لأن المؤلف لم يضع تعريفاً لكتابه وترك هذا لفطنة القارئ، وذكائه، هذا الذكاء الذى يجب أن يكون حاضراً من بداية القراءة التي سوف تأخذنا إلى عالم حرمنا منه، ولم نعد نجدها إلا في الأفلام القديمة أو ما تبقى في الذاكرة من سمع الجد، أو ما علق في الذاكرة من أيام الطفولة.

وهذا يعني أن المؤلف سوف يأخذنا في رحلة إلى عالم النوستالجيا الجميل، الذى نحبه جميعاً ولا يمكن أن نستغني عنه أو نتنصل منه!!

ونجد الإهداء يقدمه المؤلف الى الشاعر عماد أبوصالح وشعره وانسانيته، والإهداء يوضح لنا عن مدى الحب الذي يكنه الروائي حسن عبدالموجود لعماد أبوصالح.

وبسرعة نجد عنوان الفصل الأول “الخنزير أدونيس يعود إلى القصر” ونقرأ اول سطر: (جدي قفز في النيل بملابسه حينما لمسه، أما أنا فأكلت لحمه)، هكذا بدأ الحكي وهو على لسان طفل لم تتضح معالمه من أول صفحة، أو أول فصل.

وفي الصفحة المقابلة نجد رسمه لطفل وطفله وفوقهما خنزير يود أو يحاول أن يتحرش بهما، وهنا أجد نفسي اتذكر ابن المقفع وتحفته التي أذهلت العالم كله وما زالت تذهله، تلك التحفة التي تعرف باسم (كليلة ودمنة).

ومن هنا نشعر أن الروائي الصغير يتعامل معنا برفق وهو يقوم بدور المرشد السياحي ويشرح لنا كل شيء في البيئة الصعيدية، تلك البيئة القاسية على الجميع، ونستمر في عملية القراءة ونحن سعداء بالحكي الذى يأتي على لسان طفل أو فتى صعيدي عفريت، لم نقدر أن نحدد معالمه إلا في الفصل الذي عنوانه: “الكلب أعمى في غابة”، وبالتحديد عندما وجدنا الروائي العليم بكل صغيرة وكبيرة يقول في آخر الصفحة رقم 40 “كان على أن أستغل إجازتي القصيرة في المذاكرة، إذ كان ضياع أي دقيقة، يهدد بإضافة سنة جديدة الى السنوات الطويلة التي يحتاجها الشخص للتخرج في كلية الطب”.

هنا تنفسنا الصعداء لأننا أخيراً اكتشفنا ما كان المؤلف يعمل جاهداً على إخفائه، حتى ظننا أن طفلاً هو الذي يسرد الأحداث التي عاشها أو سمع عنها في قريته الجنوبية والحياة في الجنوب أو في الصعيد ليس كما تحاول مسلسلات تلك الأيام أن تقدمه بصورة تركية سيدات جميلات وقصور في كل مكان ورغم ذلك يوجد تقفيل دماغ على أبسط الأمور والأشياء .

وكان البطل او الروائي طالب الطب أميناً الى أبعد حد في نقل الصورة لنا بكل قسوتها، إلا أنه وقع في خطأ يحسب عليه ولا ادري الى تلك اللحظة التي اكتب فيها المقال، ألا يدري الراوي العليم بكل شيء، ان اللمبة الصغيرة التي تعمل بالغاز أو الكهرباء تسمى بالنواسه.

حيث وجدنا في الصفحة رقم 41 “في إحدى المرات طلب أن نتوقف بالقرب من الفرن البلدي، فتوقفت وأنا أمسك ذراعه، ولم يساعدني ضوء اللمبة الصفراء الصغيرة”.

وتجري بنا الأحداث لنجد الروائي في مونولوغ طويل في الفصل الأخير والذي يحمل اسم “أبو دقيق” تراب أبيض مقدس يتحدث فيه  ليصف لنا ما يحدث في عالمه المحدد بحدود القرية، فنرى ونسمع تفاعلات تحدث له لما يعنيه من بيئة تقدس كل الألوان، إلا اللون الأبيض الذي يحبه، ويتمنى أن يجد كل مكان وخصوصاً دارهم التي يتأكل الدهان بعنصر الوقت والزمن أي عوامل التعرية، فيتساقط الدهان كما تتساقط أشياء كثيرة في حياتنا، والتي تتعرى دائما وأبدا مع مرور الوقت والزمن الذي نحاول أن نتغلب عليه، فيتغلب هو علينا وعلى الروائي أو البطل الشاب الحائر في بيئة قاسية..

وينهى نقده لعالمه بقوله: “لا يحدث إلا في خيالنا نحن الصغار، إذ أننا نشيخ لكن خيالنا لا يشيخ أبداً”، وتلك الجملة التي أنهى بها المؤلف رواية تعد من أجمل النهايات، التي ينهي روائي عمله الإبداعي.

وسوف تبقى تلك النهاية كما أن نهاية رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ أهم من العمل ذات حيث إننا دائماً نقول “إن آفة حارتنا النسيان” وعما قريب سوف نردد في جلستنا وكتاباتنا “أننا نشيخ لكن خيالنا لا يشيخ أبداً”.

ميدل إيست أونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى