كتب

«وادي الفراشات» رواية العراقي أزهر جرجيس: جبرانات الحياة في نقل الواقعية إلى السحرية

المثنى الشيخ عطية

ليست طريقة واحدةً، ظاهرةً أو مخفيةً، وليس شرطاً واحداً كذلك، أن تعوّضَنا الحياةُ في الحياة عما نفقد من بشرٍ وعدالةٍ، أو أن تعوّضنا أحلامُنا بآخرةٍ فيها إلهٌ يُخبّئ لنا تعويضنا بأحسن مما فقدنا. فشيطان الفقد غالباً ما يقف بمنجله منتظراً على الناصية، ويحصد ما نحبّ أبداً من دون تعويضٍ يأتي، إلا إذا آمنا بالآخرة ِتعويضاً عن عدالةٍ مفقودةٍ، أو إن شطحنا بخيالنا إلى تعدّد احتمالاتِ ولادةِ عوالم أخرى تنقلنا إلى حيواتٍ أخرى ما أنْ نختارَ عالمَنا، لتُؤَمِّن خلودَنا في كموميّةٍ تستبدل واقعنا بواقعاتٍ أو عوالم موازيةٍ لا تنتهي. أو إن زوّدنا أنفسنا بحكمة أينشتاين في التسليم وعدم التسليم لميكانيكا الكم بعدم وجود الواقع، فاعتقدنا معه بوجود القمر حتى لو لم نره عندما لا ننظر إليه.

 

أو ربما إن نَصَحَنا قارئ شغوفٌ يعتقد مع كاتبه الذي أدخله بقوة في روايته، أن القارئ يعلو على الكاتب، في أنْ نستعين بالروائيين الموهوبين الحريصين على تعويض إنسانيتنا بما تفقد، من مثل الروائي العراقي أزهر جرجيس في روايته «وادي الفراشات»، بتبرير أنها روايةٌ مذهلةٌ عن جبران الحياة لخواطرنا المكسورة،ونافعةٌ حقاً في التشافي من جروحات الواقع، حيث:

«أكملتُ قهوتي ودفعت الحساب وسرت نحو (زمنْ). أومأتُ لها بالتحية ووضعتُ (دفتر الأرواح) على الطاولة أمامها، ثم غادرتُ المقهى. لم ألتفتْ، رغم نِبال الدهشة التي رشقت قفاي، بل أسرعت الخطى حتى اختفيتُ بين المارّة. اشتريتُ من على الرصيف سكينًا صغيرةً، وأوقفتُ سيارة أجرة/ ــ إلى أين؟ تساءل السائق، فقلت:/ــ إلى الله… ترجّلتُ بعدئذ وسرتُ إلى حتفي. سأحفر قبراً وأنزل فيه حتى تنفد وشالة دمي وأستريح. اقتربتُ لكني تفاجأت بلفافةٍ مطروحةٍ قرب سياج القصب. كشفتُها، فوجدتُه صبيّا يغفو بسلامٍ كأنه في مهد وثيرٍ! مسّدتُ بطرف السبّابة على حنكه، فأصدر ما يشبه ضحكة النيام. إذ ذاك رميتُ السكين من يدي، وحملتُهُ عائداً به إلى بغداد. في الطريق سألني السائق:/ ــ ماشاء الله،هذا ابنك؟/ــ نعم، ابني./ـــ ما اسمه؟ فكّرت للحظة، وقلت: ـــ جبران».

«وادي الفراشات»، روايةٌ لا تلخَّص بسهولة وإن أغرتْ قارئها البساطةُ في تكوينها وسردِها العوالم التي تتناولها، إذ سرعان ما تتكشف عن وجوه غير مرئيةٍ تحت عرض الواقع الظاهر، وعن شغلٍ روائيٍ فني عميق، استطاع جرجيس إلباسه ثياب البساطة، وتقديمه للقارئ بصورة مشوّقة حافلة بالطرافة والسخرية من الواقع كعناصر فنية روائية لا تجلب المتعة فحسب وإنما هي أيضاً تساعد وتعين على الحياة.

وفي حصادات التخليص ومحاولات التلخيص لهذه الرواية، قد تفيد الإشارة إلى  معالجتها الإبداعية للواقعية، ونقل كاتبها الواقعَ من أساه المفجع الممتد بالنحس، وثقل الفقر والفساد وافتقاد العدالة، تحت حصار بغداد الساحق الممتد من ضربها المميت عام 1990 إلى سقوطها بيد الأمريكيين و«السرسريّة» الذين أتوا فوق دباباتهم عام 2003 بتوصيف الروائي سنان أنطون، إلى واقعيةٍ سحرية يبدع فيها جرجيس تعويض قارئه عن الفقد. وذلك رغم امتداد هذا الواقع إلى ثلاثة أرباع الرواية قبل النقل، ورغم ضغط هذه الواقعية السحرية كذلك بهيمنة النحس في الرواية إلى ما يكاد أن يدفع بطلها للانتحار، ويكاد أن يسحق صدرَ قارئها من الأسى عليه. لولا حسبان ميزان الثقل بالطرافة والسخرية التي تخفف الضغط، وتبسط في النهاية للقارئ سجادة العزاء والجبران والتعويض في أن الحياة رغم هذا تستحق أن تعاش أو أنّ فيها ما يستحقّ العيش لأجله.

شاعرية الفوضى وأثر الفراشة:

لا يسرد الروائيون المتميزون بالموهبة والخبرة الواقع في رواياتهم عبثاً. ولا يقدّمون رواياتهم، مثلما قدم جرجيس «وادي الفراشات» ببيت محمود درويش: «فأين نسينا الحياةَ؟ سألتُ الفراشة وهي تُحوِّم في الضوء فاحترقت بالدموع!»، المستقى من كتابه «أثر الفراشة» من دون سببٍ. ولا يفردون حيوات أبطالهم بفوضى النحس مثلما فَردَ حياةَ بطله عزيز عواد في هذه الرواية من دون معانٍ مخبّأةٍ لنظرية الفوضى الكمومية التي بلورها ريتشارد فينمان، ووازاها جرجيس بالمفاجآت كذلك.

ولا يوردون الأسماء مثل مُعادل النحس جبران والكاتبة زمن الموحية بانتفاء الزمن، على عواهنها أيضاً. كما لا يداخلون جوهر سلوك الشخصيات مثلما فعل في المداخلة مع فلسفة الحلاج في الوحدة، من دون تعميق للرواية بالكوني في المطاف.

وكما يحدث عادةً لكنّه يتطلّب التجلية، في حياة بشرٍ وقعوا تحت حصارين: داخلي متوارَث، بخصوصية «الأخ الكبير» الذي لا يراقِبك بمكانة الرئيس فحسب بل يستولي بمكانة الذكورية على إرث الأخوات وحق الإخوة الأصغر وإهمال قُدسية العناية بالأمهات. وخارجي مكتسبٌ بمشيئة الأطماع الدولية لسرقة ثرواتهم فيما عرف بالنفط مقابل الغذاء.

بالبساطة التي تخدعك بسهولتها الظاهرة، والعمق الذي يتغلغل بمشاركة الإحساس لا ترويج الأفكار، ينسج جرجيس أبعاد روايته الشاعرية المتشابكة برومانسية الشخصية العراقيةِ، مطعّمةً بتضحيات النساء العراقيات وتحمّلهنّ وأنَفَتِهنَّ، وبالرجولة التي تميّز الأخوال، ممثلةً بالخال جبران، الجابر لعثرات ابن أخته عزيز، مقابل حفر وفخاخ أخيه الكبير، من دون اختراع خيالي إذ يفوق واقع العراق الخيال في العادة.

وبالبساطة هذه، يراكب جرجيس أبعاد هذه الرواية، بتكوين بنيةٍ مؤلفةٍ من خمسة فصول، يتوالى فيها خمسون مقطعاً بأرقام، ويعتمد فيها صيغة سرد الراوي المتكلم عزيز عواّد، التي توفّر له عنصر المصداقية لروايته وتعاطف القارئ أكثر معه.

وبالبساطة التي تستحضر سرد ألف ليلة وليلة، يبلور جرجيس شخصية الشاب الذي يلازمه سوء حظ، يتكرر ما أن يخرج منه، سواء بسبب ما تمّت تنشئته عليه أو بسبب واقع العراق المزري أيام الحصار. وتتداخل حكايته بحكايات موازية تصب في حكايته وتغذّيها بالتشويق وتجمّعها في محيط الرواية الأساس «وادي الفراشات»، الذي يَدفن فيه شيخ صوفيٌّ مسنٌّ الأطفالَ المولودين بفعل الزنا أو الاغتصاب، ويتم نبذهم ورميهم في الحدائق أو قرب المساجد والمقامات، ويموت معظمهم بنهش الجوع والطيور والحيوانات والأمراض، بعد أن يجدهم. ليتحوّلوا في هذا الوادي إلى فراشات، وليضع لهم شواهد يضمها دفتر عنونه بـ «دفتر الأرواح».

وبالبساطة هذه كذلك، يفتتح جرجيس وادي فراشاته، بالجملة الثيمة: «احتفظ بهم كي لا تقف عارياً في الريح!»، التي نكتشف أنها قادمة مما بعد منتصف الرواية التي تعود لسرد حكاية عزيز، وتتكرر كلما بلغ الإحباط المدى الذي لا يمكن تحمّله. حاملة معاني الإصرار على مقاومة «العري في الريح»، وناظمة الرواية على هذا المعنى، وموصلتَها إلى العقدة الكبرى في حلول الشاب المنحوس مكان الشيخ الصوفي، وتحمّله على هذا نحس اتهامه بتجارة الأعضاء، فوق نحس ضياع وظائفه المتعددة، وضياع ابنه وزوجته تمارا التي ترسم الروايةُ بشخصيتها قصةَ حبٍّ ووفاء آسرة كذلك.

بالبساطة هذه ذاتها، وغيرِ ذاتها بهذا الحلول، يوصل جرجيس روايته إلى ذروة التراكم والتراكب المعبّرة عن «أثر الفراشة»، على حافة الانتحار، حيث تنقلب العوالم، ويذهب القارئ ليبحث عن المعنى، ربما في قصيدة درويش التي يتجلّى فيها ضوء هذا الأثر: «أَثر الفراشة لا يُرَى/ أَثر الفراشة لا يزولُ/ هو جاذبيّةُ غامضٍ/ يستدرج المعنى، ويرحلُ/ حين يتَّضحُ السبيلُ/ هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ/ أشواقٌ إلى أَعلى/ وإشراقٌ جميلُ/ هو شامَةٌ في الضوء تومئ/ حين يُرشدنا الى الكلماتِ/ باطننا الدليلُ».

ما يعين على قسوة الحياة:

بعد ثلاثة أرباع الرواية من القراءة، والاستمتاع بما يجري لعزيز مع الأسى والشفقة عليه، وحسده ربما على حبيبته ومن ثم زوجته تمارا، وعلى خاله جبران، صاحب المكتبة العميق الحكمة والثقافة، اللذيْن يقفان دائماً إلى جانبه في سقطاته المضحكة المؤسية، من السجن على سذاجته بمحاولة نسخ كتاب ممنوع في عهد ديكتاتورية لا ترحم، وسكره الذي يودي به إلى أحضان عاهرة في ملهى وسجنه بتهمة ممارسة الدعارة، وتكرار فقدانه لعمله، ومن ثم إجهاضات زوجته، وفقدان ابنه. بعد هذا يفتح جرجيس للقارئ، الذي يتماهى مع  بطل الرواية دائماً، ما يبقي على جذوة الأمل موقدة، فالمرأة المحبّة تتخلّى دائماً عن عيشة أهلها الثرية وترضى بعيش الفقر معه، والخال المتفهم الحنون الكريم موجود دائماً لمساعدته. وصياغة الرواية بأسلوب الطرافة والسخرية من الواقع تقلب القبح جمالاً بعصا الفن، والقارئ الذي يُدخله جرجيس في حواريةٍ حوله وحول معنى القراءة في الرواية يَسعد إذ لا يدخل بطلاً في تمثل الشخصيات والأحداث فحسب وإنما شخصية أيضاً لا تخضع لحساب الآخرة، وتعلو فوق الكاتب بالمكانة وفق رأي الخال جبران.

أزهر جرجيس: «وادي الفراشات»

دار الرافدين/ بغداد، ومسكلياني/ تونس، 2024

صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى