كتب

احتضار المؤلف، هل انتهى عصر الإبداع البشري

عمار أحمد حامد

يأتي كتاب The Near-Death of the Author: Creativity in the Internet Age  لجون بوتس بوصفه محاولة لفهم التحول الجذري الذي أصاب مفهوم المؤلف في العصر الرقمي، لكنه في جوهره ليس مجرد دراسة عن التغيرات التقنية التي طالت الكتابة، بل هو تأمل عميق في مصير الإبداع ذاته عندما ينتقل من فضاء فردي مغلق إلى فضاء شبكي مفتوح. يطرح بوتس فكرة أن المؤلف لم يمت بالمعنى الذي أعلنه رولان بارت في ستينيات القرن الماضي، لكنه دخل في حالة تحوّل وجودي أعادت تعريف علاقته بالنص وبالقارئ وبالمنظومة الثقافية ككل. هذه الفكرة لا تُطرح في الكتاب باعتبارها فرضية نظرية فحسب، بل باعتبارها واقعًا يتجلى يوميًا في طرق إنتاج المعرفة وتداولها داخل الفضاء الرقمي.

في النموذج التقليدي للإبداع، كان المؤلف يمثل مركز السلطة النصية، فهو مصدر المعنى وصاحب الحق في تفسير عمله، وكانت العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة هرمية يتحكم فيها النص بوصفه كيانًا مغلقًا يحمل بصمة صاحبه. لكن بوتس يرى أن الإنترنت فكك هذه البنية، فالنص لم يعد منتجًا نهائيًا بقدر ما أصبح عملية مستمرة من التعديل وإعادة الصياغة والتفاعل. هذا التحول لا يمس شكل النص فقط، بل يمس مفهوم الذات المبدعة نفسها، إذ يتحول الكاتب من كونه سلطة معرفية مستقلة إلى عقدة داخل شبكة معقدة من العلاقات الرقمية، حيث تتقاطع إرادته مع إرادة الجمهور ومع منطق الخوارزميات التي تتحكم في الانتشار والظهور.

غير أن القيمة الأعمق في أطروحة بوتس لا تكمن في توصيف هذا التحول، بل في كشفه عن أن الإبداع في العصر الرقمي لم يعد قائمًا على العزلة التأملية التي ارتبطت تاريخيًا بصورة الكاتب، بل أصبح فعلًا اجتماعيًا يتشكل داخل فضاء جماعي واسع. فالكاتب اليوم يكتب في ظل وعي دائم بوجود جمهور حاضر لحظة بلحظة، يعلّق ويقيّم ويعيد تشكيل النص عبر التفاعل المباشر. هذا الواقع يطرح سؤالًا فلسفيًا يتجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وهو ما إذا كان الإبداع يمكن أن يحتفظ بفرادته عندما يصبح خاضعًا لمنطق المشاركة الجماعية. فالتشاركية التي تبدو ظاهريًا شكلًا من أشكال الديمقراطية الثقافية قد تتحول في الوقت ذاته إلى ضغط خفي يدفع الكاتب إلى إنتاج نصوص تستجيب لتوقعات الجمهور بدل أن تنبع من ضرورة داخلية أو رؤية فنية مستقلة.

يضيء بوتس كذلك على التحول الاقتصادي الذي أصاب المجال الإبداعي، حيث لم يعد النجاح الأدبي أو الفني يقاس بقيمته الجمالية أو الفكرية بقدر ما يقاس بقدرته على الانتشار داخل المنصات الرقمية. هذا التحول يكشف عن إعادة تشكيل عميقة لعلاقة الثقافة بالسوق، إذ تتحول الأعمال الإبداعية إلى منتجات قابلة للقياس الكمي عبر عدد المشاهدات والإعجابات والتفاعلات. هنا يلامس الكتاب واحدة من أخطر القضايا في الثقافة المعاصرة، وهي انتقال الإبداع من كونه تجربة إنسانية مرتبطة بالبحث عن المعنى إلى كونه سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب الرقمي. ومع أن بوتس يلمّح إلى هذه الإشكالية، إلا أن قراءته تميل أحيانًا إلى الحياد التحليلي أكثر من الانخراط النقدي الجذري، حيث كان من الممكن تعميق النقاش حول الكيفية التي تعيد بها الرأسمالية الرقمية تشكيل الذائقة الثقافية نفسها، بحيث يصبح الكاتب مضطرًا إلى التكيّف مع خوارزميات الانتشار بدل أن يسعى إلى تطوير مشروعه الإبداعي الخاص.

أحد المحاور الأكثر إثارة في الكتاب يتمثل في تحليله لدور الخوارزميات بوصفها سلطة ثقافية جديدة. فالخوارزمية لا تعمل كوسيط محايد بين النص والقارئ، بل تمارس دورًا انتقائيًا يعيد ترتيب المشهد الثقافي وفق معايير غير شفافة. هذه السلطة الجديدة تعيد تعريف مفهوم الحرية الإبداعية، لأن الكاتب لم يعد يواجه رقابة سياسية أو اجتماعية مباشرة فقط، بل يواجه منظومة رقمية تتحكم في فرص ظهور نصه وانتشاره. وفي هذا السياق يمكن قراءة أطروحة بوتس بوصفها جزءًا من نقاش أوسع حول العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث يتحول الإبداع إلى نشاط يتم داخل منظومة رقمية تفرض شروطها الخاصة على الإنتاج الثقافي.

من جهة أخرى يطرح الكتاب مسألة الهوية الإبداعية في الفضاء الرقمي، حيث أصبح بإمكان الكاتب أن يتنقل بين هويات متعددة وأن يعيد تشكيل حضوره الثقافي بمرونة غير مسبوقة. هذا التعدد يفتح إمكانات جديدة للتحرر من القيود الاجتماعية والثقافية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤال الأصالة. فحين يصبح بالإمكان إعادة تشكيل الذات الإبداعية باستمرار، هل يبقى هناك جوهر ثابت للعمل الفني، أم أن النص يتحول إلى كيان عابر يعكس لحظة رقمية مؤقتة أكثر مما يعكس تجربة إنسانية متجذرة في الزمن؟

تكمن أهمية كتاب بوتس في أنه يعيد طرح سؤال المؤلف داخل سياق حضاري أوسع، حيث لم يعد النقاش يدور حول علاقة الكاتب بالنص فقط، بل حول علاقة الإنسان نفسه بفكرة الإبداع في عصر تذوب فيه الحدود بين المنتج والمتلقي. فالإنترنت لم يغيّر طرق النشر والتوزيع فحسب، بل غيّر طبيعة المعرفة بوصفها نشاطًا جماعيًا متحركًا. هذا التحول يعيد صياغة مفهوم السلطة الثقافية، حيث لم تعد المعرفة حكرًا على النخب الفكرية، لكنها في الوقت ذاته أصبحت خاضعة لسلطة شبكية قد تكون أكثر تعقيدًا وغموضًا من السلطة التقليدية.

يمكن قراءة الكتاب أيضًا بوصفه شهادة على مرحلة انتقالية في تاريخ الثقافة الإنسانية، مرحلة لم يستقر شكلها بعد، حيث يقف الكاتب بين نموذجين متناقضين؛ نموذج المؤلف الكلاسيكي الذي يحتفظ بسلطته الفردية، ونموذج المبدع الشبكي الذي يتشكل داخل فضاء تفاعلي مفتوح. هذا التوتر بين الفردي والجماعي، بين الحرية والتكيّف، يمثل جوهر الإشكالية التي يحاول بوتس تفكيكها. فالكتاب لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يفتح أفقًا للتأمل في مصير الإبداع عندما يصبح مرتبطًا بتكنولوجيا تعيد تشكيل التجربة الإنسانية ذاتها.

إن القراءة المتأنية لأطروحة بوتس تكشف أن ما يسميه “الاحتضار القريب للمؤلف” لا يعني اختفاء الكاتب، بل يعني تحوّل صورته الرمزية داخل الثقافة. فالمؤلف لم يعد ذلك الصوت المنعزل الذي يكتب من خارج الزمن، بل أصبح كائنًا يعيش داخل تدفق مستمر من المعلومات والتفاعلات. هذا التحول يعكس في جوهره تحوّلًا أعمق في وعي الإنسان المعاصر بذاته، حيث لم تعد الهوية ثابتة ولا المعنى مستقرًا، بل أصبحا جزءًا من عملية تشكّل مستمرة داخل فضاء رقمي لا يعترف بالحدود التقليدية بين الفرد والجماعة.

في النهاية يمكن القول إن كتاب بوتس يشكّل مساهمة مهمة في فهم التحولات الثقافية التي يعيشها العالم اليوم، لكنه يظل نصًا مفتوحًا على أسئلة أكبر مما يقدمه من إجابات. فالإبداع في العصر الرقمي لا يقف عند حدود التقنية، بل يمتد ليطال معنى الإنسان ذاته بوصفه كائنًا يسعى إلى التعبير عن تجربته في عالم تتزايد فيه الوسائط التي تفصل بينه وبين نصه. ومن هنا تكتسب أطروحة بوتس أهميتها الحقيقية، لأنها لا تناقش مستقبل المؤلف فقط، بل تناقش مستقبل العلاقة بين الإنسان والإبداع في زمن أصبحت فيه الكتابة نفسها فعلًا يتشكل داخل شبكة لا يمكن لأي صوت فردي أن يسيطر عليها بالكامل.

_____________________

الكتاب:

The Near-Death of the Author Creativity in the Internet Age

المؤلف:

JOHN POTTS

تاريخ الإصدار: 2023

عدد الصفحات: 266

دار النشر:  UNIVERSITY OF TORONTO PRESS Toronto Buffalo London

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى