تحكي فيروز في أغنيتها عن “الأسماء” كم يتعب الأهل في انتقائها وكم يجهدوا في شحنها بالمعاني التي يريدونها لأبنائهم، ويبدو أن هذه حال الدول أو القوى المتحاربة. ففي الحرب الجارية في إيران يبدو أن الأطراف المتحاربة إسرائيل وأمريكا وإيران، يجهد كل منها في تسميته حربه بالاسم المناسب لعقيدته والمعبر عن طموحاته لترويج ما يفعله في الحرب ولتسويقه للمعاني التي يعطيها لحربه هذه. وربما إذا بحثنا في كل اسم من أسماء هذه الحرب نفهم توجه كل طرف من أطرافها ونكتشف نوايا وأهداف كل جهة من جهاتها. وهذا ما يدفعنا للاعتذار من فيروز لأن أسماء هذه الحرب ليست بريئة أبداـ بل هي خبيثة حتما.
إذا بدأنا بإسرائيل.د، خاصة وأنها المحرك والسبب المتسبب بهذه الحرب، إذا بدأنا بالاسم الذي أطلقته على حربها هذه وهو (زئير الأسد)، نجد البعد التوراتي الذي يستخدم الدين في الترويج لهذه الحرب. فالأسد من أهم الرموز في النصوص التوراتية. في سفر التكوين (يهودا جرو الأسد)، ويشبه الإسرائيليون أنفسهم ب “الأسد” . جاء في سفر العدد (هو ذا شعب يقوم كلبوة ويرتفع كاسد). و”أسد يهودا” من أشهر الرموز اليهودية التي يقصدون فيها إعلان القوة الإلهية والملكية والاندفاع لحماية الشعب. لذلك جعلوا شعار مدينة القدس المغتصبة “أسد واقفا” متأهبا لمواجهة الخصوم. وإسرائيل تستخدم (زئير الأسد) للتعبير عن هجومية قوية مستمدة من الدين بهدف إقناع شعبها بأن الاسد “جيشها” هب لحماية شعبها بأمر وسند من الله. وبالمقابل فهي تريد ردع خصمها إيران لأن الأسد لدى الفرس “إيران” يحمل معنى الهيبة والقوة والاندفاع. وبذلك فإن (زئير الأسد) الإسرائيلي يحقق الإقناع للإسرائيليين والردع للفرس دون أن ننسى أصله التوراتي الغيبي الخرافي الخبيث.
من ناحية الاسم الأمريكي للحرب (الغضب الملحمي) فهو مشحون بطاقة البطولة الأسطورية المندفعة لإحداث ملحمة كبرى. كذلك فإن الغضب فيه ما هو إلا تعبير عن القوة التدميرية الجبارة والسخط المندفع للانتقام. ورغم مدنيته الظاهرة فإن الاسم يشكل جزءا أساسيا من عقيدة “العظمة الأمريكية” التي باتت جوهر المسيحية الصهيونية، التي ترى في أمريكا تميزا إلهيا يجيز لها عقاب من يخالفها، ويشرع امامها الانتقام ممن يعصي أوامرها. وهكذا تتقاطع التسمية الأمريكية بخرافيتها حول “عظمة أمريكا” وتأليهها مع التسمية الإسرائيلية القائمة على الأسد المدفع بقوة الإله لإعلاء شأن “الشعب المختار” المزعوم والمفبرك.
أما التسمية الإيرانية (الوعد الصادق) لحربهم بمواجهة هجوم أمريكا وإسرائيل فهي تسمية مستمدة من نصوص قرآنية. مثلا جاء في سورة الأنبياء (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين). و”الوعد الإلهي” هنا واضح، واعتبرته قيادة طهران وعدا لها بالنجاة وبالهلاك لأعدائها المسرفين الإسرائيليين والأمريكيين ومن والهم. وهذا اختلاس لمعنى من معاني القرآن. وهو إفتراء في توظيفه لخدمة حروب ذات طبيعة تنازعية دنيوية أهدافها السيطرة والهيمنة والنفوذ.
أمريكا واسرائيل وإيران وحربهم المجنونة حول أطماع كل منهم في السيطرة على المنطقة والتحكم بشعوبها وثرواتها والهيمنة على قرارها. وبغض النظر عمن بدأها أو تسبب بها فإن هذه الحرب الدائرة بين “أوهام إسرائيل الكبرى” وبين تهويمات سيطرة “إمبراطورية المهدي المنتظر”، وبين “شبق ترامب الإمبراطوري” الشره للاستحواذ على القرار والثروة والمصير في المنطقة والعالم. هذه الحرب بكل ما تحمله من تفاصيل ونتائج تشكل كارثة إضافية على المنطقة العربية وشعوبها. لذلك فإن أسماءها بالنسبة لنا غير نزيهة مهما زينت بالدين. وهي أسماء مضللة مخادعة وملفوفة بالخرافة والاستعلاء والاستكبار والطمع اللامتناه.
بين محور المقاومة وبين عدوانية إسرائيل الكبرى وبين تأليه عظمة أميركا تضيع فلسطين وتوضع المنطقة العربية ودولها على حافة منزلق خطير يهدد أمنها واستقرارها ومشاريع تنميتها ونهوضها، ويرميها على هامش العالم والفعل الحضاري، ويزيد من عطالتها السياسية الإستراتيجية، وربما من المناسب ان يكون الاسم العربي لهذه الحرب ( ما باليد حيلة) وهذا ما فعله حكامنا بمواردنا وقوانا وامكاناتنا على مر العقود الماضية.
عفوا فيروز ومعذرة. كما ترين فإن أسماء الحرب الجارية لم يتعب أهلها ليجدوها بل إستنفروا شياطينهم ليطلقوها مسيئين للدين وطامعين سارقين للتاريخ والجغرافيا وللروح أيضا.
عفوا وألف معذرة لفيروز وكان الله مع الشعوب العربيةّ.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



