أحوال الدنيا

فيلم ميلانيا وصياغة صانع السلام !

د. فؤاد شربجي

أثناء تدريباته على إلقاء خطاب التنصيب وصل ترامب إلى عبارة تقول سأكون (مروجا للسلام لا ناشرا للحروب) فتوقف محتجا وخاطب كاتب الخطاب (لا تعجبني عبارة مروج). فتدخلت زوجته ميلانيا وخاطبت ترامب اجعل العبارة (سأكون صانع سلام وموحد “للشعب”). ترامب جرب إلقاء عبارة ميلانيا. أعجبته وثبتها في الخطاب. ومازح من يصور الحدث (لا تسجل ما جرى) كي لا يقال إن ميلانيا قد أملت عليه ما يقول. لكنه أثناء إلقاء الخطاب في حفل التنصيب، وعند وصوله إلى هذه العبارة، وبعدما قالها التفت نحو ميلانيا وأشار إليها وكأنه يشكرها على صياغة هذه العبارة، ويعترف بفضلها في إرساء هذه العبارة “صانع السلام” التي أصبحت شعاره وحجته في التمييز، وفي مطالبته بجائزة نوبل للسلام. ميلانيا هي صاحبه العبارة وترامب هو من تمسك بها ورددها بعد حذف (الموحد “للشعب”) منها.

‏حدث التدريب على إلقاء الخطاب وتدخل ميلانيا وصياغتها لعبارة (صانع السلام والموحد) هي مشهد من الفيلم الوثائقي “ميلانيا” الذي يروي تفاصيل دور ميلانيا وما فعلته خلال العشرين يوما التي سبقت التنصيب. ووجودها أثناء تدريبات ترامب على الخطاب كان عرضيا لأنها مرت عليه ليذهبا معا لكنه طلب منها أن تنتظر قليلا لينهي المقطع الذي يتدرب عليه. وأثناء وجودها العرضي طرحت صياغة عبارة (صانع السلام والموحد). أي أن العبارة ليست استراتيجية مدروسة من فريقه بل هي صياغة آنية بنت لحظتها من زوجته الجميلة المهتمة بأناقة كل شيء. ويبدو أن هذا ما جعل هذه العبارة كالهدية التي يظهرها ترامب أمام الجميع لأنها من زوجته وحبيبته. وهناك من يرى أنه يستمر بترداده للعبارة لا تمسكا بمعناها بل تدليلا لميلانيا وتغزلا بها!

‏ركز الفيلم على مدى اهتمام ميلانيا بتفاصيل الأناقة والإتقان خاصة فيما يتعلق بفساتينها وأزيائها وتفصيل ابتكار كل فستان والفلسفة وراء هذا الموديل أوذاك. وهذا ما جرى في اختيار “القبعة” التي أرتدها في حفل التنصيب. واختيرت لتتمايز عن القبعات الأميركية، مع الحرص على أن تغطي جزءا مهما من وجه ميلانيا. كذلك يظهر الفيلم اهتمام ميلانيا بكل تفاصيل المكان والقاعات والديكور والإكسسوارات واللوحات والإضاءة. وأظهر الفيلم أنها تفضل اللونين الأبيض والذهبي تعبيرا عن عصر ترامب الذهبي عصر الأناقة والإتقان كما قصدت ميلانيا. وهي في كل لحظات الفيلم حرصت على إظهار ذوقها وخبرتها في مجال الأناقة والعمارة. كما جهدت في جعل كل شيء مذهبا وفاخرا. وضمن هذا السياق، سياق الأناقة المذهبة، جاء تدخلها في صياغة عبارة (صانع السلام) التي أصبحت أكثر عبارة دارجة في كل خطابات ترامب، ودعاية مذهبة من قبل ميلانيا يروج بها الرئيس لرئاسته.

‏من أهم مقاطع الفيلم المشهد الذي يصور حضور ميلانيا مع زوجها جنازة الرئيس كارتر. حيث أنها وطيلة المأتم كانت تستحضر امها التي توفيت قبل عام. واستغلت ميلانيا جنازة كارتر لتتحدث عن أمها (أماليا) وعن تأثيرها عليها. وهذا المقطع كان كشفا لشخصية ميلانيا وكيفية بنائها خاصة في مجال الأناقة وإبداعها كما روت هي عن تأثير أمها. وطبعا حديثها عن امها في جنازة كارتر ضيع موت رئيس سابق. واستبداله بحديث عاطفي عن أمها هو في الحقيقة حديث عنها هي لأن كل ما قالته عن والدتها لم يكن إلا شرحا لصفاتها ومهارتها في الأناقة والإبداع والجمال.

‏هناك من يقول ان جيف بيزوس مالك شركة أمازون مول الفيلم تقربا من ترامب وتملقا له. ودفعت شركته أمازون 40 مليون دولار للشركة المنتجة مقابل الفيلم. ودفعت أيضا 35 مليون دولار كأجر لميلانيا. وهذا ما جعل البعض يثير في الكونغرس أسئلة عن إمكانية وجود شبهة رشوة في إنتاج الفيلم بعد فوز ترامب بالولاية الثانية. ورد ترامب أنه لم يكن جزءا من المفاوضات لإنجاز صفقة الفيلم. وأن هذا الأمر كله خاص بزوجته ولا علاقة له به.  وميلانيا ردت أن أمازون ربحت صفقة الفيلم في تنافس مع ديزني. وكل شيء وفق القانون كما قالت.

‏الفيلم أراد أن يقدم ميلانيا كمبدعة لصياغة جديدة لدور السيدة الأولى. دور اهتمت ميلانيا أن يقوم على التأكد من أناقة الرئاسة وفخامة الرئيس. دور جعلته ميلانيا يطلي بالذهب ليس تزينات الغرف، وبيض المقبلات، وكؤوس الكريستال، وأغطيه الموائد. بل يطلي بالذهب أيضا بعض عبارات خطاب التنصيب كما حصل مع عبارة (صانع السلام) التي كانت لمسة الأناقة المذهبة من ميلانيا لخطاب ترامب. والفلم ركز على الأناقة ومعاني الذهب ونسي قيم الدستور وقيم أمريكا. فهل يجوز لصياغة دور السيدة الأولى الجديدة المبتكرة ألا تنبض بالدستور؟ وهل من ذهب أثمن للرئاسة من المبادئ والقيم التي أسست وحفظت أمريكا؟ إضافة إلى أن الفيلم لم يجب على سؤال الصحفي الذي لاحق بايدن أثناء دخوله مع ترامب وزوجتيهما إلى البيت الأبيض لتناول الشاي. وكما ظهر في الفيلم فإن الصحفي لاحقهم وهو يصرخ بسؤاله (هل ستنجو أمريكا من رئاسة ترامب؟؟) الفيلم لم يقدم إجابة..

‏السياسة تتضمن بعض الأفلام. لكن الأفلام كلها سياسة بسياسة بسياسة. اسألوا ميلانيا !!!!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى