إلى إحسان عزو وسمير عباس وحبيب برازي!
اتجاه مجموعتنا إلى اليسار لم يكن عنوة ، كان اختياراً.
كانت أزمة الأنظمة العربية الرسمية، بدأت مع زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس، وظهور رد فعل عربي ساخط عبرت عنه قمم عربية لم يلتفت إليها السادات، وهو يوقع اتفاقات كامب ديفيد عام 1979، وكان رد الفعل الشعبي الرافض لتلك الاتفاقات أكثر وضوحاً ، وقد أفادت منه الأنظمة الديكتاتورية لتعطي مبررا لوجودها واستمرارها.
تركت مجموعتنا السياسية الصغيرة، العملَ مع المقاومة الفلسطينية في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي واستمر عماد دبوسي منفردا لفترة من الزمن ..
تركنا تلك المقاومة لأننا كنا نراها بحاجة إلى مهادنة مع النظام العربي الرسمي الذي يرفع شعار الرافض لتسوية القضية الفلسطينية مع إسرائيل ، ولم نكن نحن نقبل مثل هذه المهادنة، كنا نتحرك بسرعة ونلتف حول موقف أساسه أن جذر المشكلة في الداخل أي في طبيعة نظام كل بلد عربي ، وكان ذلك دافعنا للبحث عن وعاء سياسي يحتضن نشاطنا.
في سورية، كان الصراع الداخلي يشتعل بطريقة غير متوقعة، بدأ بوقائع دموية متتالية ، ثم بارتكاب سرايا الدفاع ورفعت الأسد لمجزرة تدمر، ثم خرجت حماه عن سيطرة سلطة حافظ الأسد، وكان رده بالحديد والنار، فقتل أهلها بلا رحمة، ودمر منطقة الحاضر بالكامل ، ودفن الأحياء مع الأموات تحت الردم، وكذلك فعل في حلب في حي المشارقة..
لم تكن البلاد تحت سيف القانون والعدالة، كانت تحت سطوة طغمة عسكرية اتكأت على شعارات قومية وحساسية قضية فلسطين، لتفرض سيطرتها بالقمع ومن دون أي اعتبار لمواقف القوى و الأحزاب الكلاسيكية التي عجزت عن تشكيل موقف صحيح، فاتجهت إلى مهادنة النظام خوفا من بطشه.
في ذلك الوقت كان اليسار الجديد يستقطب عشرات الشباب في مختلف الأنحاء، والشباب عادة، وأمام غياب الحياة السياسية والديمقراطية الصحيحة يبحثون عن أقصى شكل من أشكال الاحتجاج، فذهب المتحمسون يميناً ويساراً، وكان احتجاجنا بالذهاب يساراً.
اتجاه مجموعتنا إلى اليسار لم يكن روتينيا، بل كان بداية طريق أصعب أدى إلى اعتقال سمير عباس وحبيب برازي ثم اعتقالي واعتقالي عماد ظبيان إضافة إلى هيثم عباس، وتمكنا في التحقيق من حماية بقية المجموعة التي كانت قد اتسعت أكثر من المتوقع، وخلال عدة أشهر وجدنا أنفسنا في سجن تدمر وهو واحد من أبشع السجون في العصر الحديث .
في سجن تدمر ، لم يكن قد مضى على وقوع مجزرة فيه ذهب ضحيتها نحو ألف معتقل بعد محاولة اغتيال حافظ الأسد، ثم تحول السجن إلى ساحة للإعدامات والتنكيل بمن نجا منها، والغريب أن عشرات الألوف من المعتقلين الذين كان ينكل بهم، كانوا رهائن أو أبرياء أو من مريدي بعض رجال الدين الإسلامي، وكان هناك معتقلون الحزب الشيوعي (رياض الترك) ومن بعث العراق الذين سماهم النظام (اليمين المشبوه) ، وكان هناك معتقلون من رابطة العمل الشيوعي وحزب البعث الديمقراطي (المؤيدون لصلاح جديد) إضافة إلى بعض المجموعات الناصرية ومجموعات يسارية شابة .
في السجن كان جوهر التجربة لكل المعتقلين هو الصدام مع واقع صعب ومع أصحاب التجربة نفسها، وكان الجميع أمام اختبار حقيقي يتعلق في كل شيء حتى في البناء الداخلي (الفكري والنفسي) المتعلق بكل فرد وعلاقته في تجذير الموقف السياسي الذي اعتقل من أجله.
في سجن تدمر سجل مئات الآلاف من المعتقلين تجربة مأساوية في الصمود ، وكانت المجموعات الإسلامية والمعتقلون على هامشها الأكثر تعرضا للقمع والموت والتنكيل، وكان الباقون يعيشون تجربة من نوع آخر لها ظروفها وأسبابها ولم تكن بقساوة المعاملة مع المجموعات الإسلامية..
وفي المجموعة التي عشتُ معها من اليسار الجديد، شاركتُ بتجربة فريدة في بناء الذات ثقافياً وسياسياً وتشاركياً ، إلا أنني اكتشف، وهذا حقي، أن انتمائي الحقيقي ليس للسياسة بل للثقافة، و ليس في مقدوري البقاء مع اليسار، لأن طبيعتي الفكرية كانت تعود إلى جذوري الحقيقية القومية والدينية (لها وقفة قادمة)، فافترقت عن اليسار بإرادتي بعد خروجي من السجن.
في داخل السجن، اتسعت دائرة الأسماء من حولي، وكنت شاهدا على نتائج التفاعلات و الحوارات التي أسفرت عن استقطابات داخل المعتقل، حصلت وتحصل عادة في كل السجون السياسية العربية وغير العربية، وفي هذه الصيرورة توسعت دائرة الأسماء ولم تعد مجوعتنا الأولى كما كانت، وخاصة بعد خروج هيثم عباس وسمير عباس من السجن بعد وقت قصير، وظهرت أسماء سيكون لها الأثر الكبير في الحياة السياسية السورية بعد السجن، لكن اسم المعتقل الشاب الرائع (إحسان عزو) سيرسم ضميرا للجميع، بغض النظر عن اتجاهاتهم الجديدة التي تشكلت في المعتقل، وأقصد أولئك الذين ودعوه ذات يوم وهو في وضعه الصحي المتدهور، ثم يؤخذ من بيننا في سجن صيدنايا الذي انتقلنا إليه ولا يعود حتى الآن ..
(يتبع)
بوابة الشرق الأوسط الجديدة
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر



