
الكتابة في فنون الأدب الساخر قليلة، وعندما تجد كاتباً من هذا النوع لا تتردد في متابعة نصوصه، سواء كانت في القصة أو المقالة الصحفية. وقد أعتدتُ على متابعة هذا النوع من الكتابة لأني أشعر بالراحة عند قراءته، ولأنه غالباً ما يلتقط مالم تراه العين العادية، ثم وجدت نفسي، في حياتي المهنية الصحفية، أكتب بين الحين والآخر شيئاً منه.
وصل الأمر فيما بعد إلى المواظبة على كتابة زاوية (عين على الفنون ) في مجلة فنون، استمرت عقدا من الزمن، وبتوقيع عين .
وتزامن ذلك مع كتابة زاوية ساخرة في صحيفة تشرين (الحرية الآن)، من دون أن أكتب اسمي الحقيقي، وأدى هذا السلوك من قبلي إلى شهرة الزاوية التي أكتبها، وسعى كثيرون إلى معرفة من يختفي حول اسم وهمي وضعته لها وهو (حديدان)، ولم يصلوا إلى نتيجة، واضطر الصحفي المعروف نجم الدين السمان إلى كتابة مقال عنوانه : والله العظيم أنا لست حديدان، وذلك بعد أن ظن بعض الصحفيين أنه هو من يكتب بالاسم الوهمي.
استمرت زاويتي عدة سنوات، ثم انتقلت إلى صحيفة أخرى بعنوان جديد هو ع الطالع والنازل) وحرف من اسمي. وفي إحدى المرات وجهتُ انتقاداً لمذيعة من مذيعات التلفزيون، مقربة من وزير الإعلام وقتها المرحوم عمران الزعبي، فاتصل بي مكتبه وحدد لي موعدا في اليوم التالي موضحاً أن الوزير يريدني لأمر ما.
خمنت ماذا يريد الوزير مني، فهذا لم يحصل من قبل، وصرت أضرب أخماساً بأسداس، ولم أجد إلا سبباً واحداً يدفعه إلى طلبي، وهو محاولة إقناعي بمنصب سبق وعُرض علي، وهو أني رفضت طلباً من المدير العام للإذاعة والتلفزيون وقتها المهندس محمد رامز ترجمان لتولي منصب مدير الفضائية أو مدير قناة دراما، فهذا يعني أنني سأدخل في دوامة ظروف الحرب، وكان ردي بالاعتذار، والقول إنني كاتب ومعد برامج جيد كما أدعي، لكني سأكون مديراً فاشلاً لو قبلت، لذلك رجوته بقبول اعتذاري، وقبل الأستاذ رامز اعتذاري بالفعل، لكنه أثنى على موقفي في جلسة عامة عندما أصبح وزيراً، وقال كل من حولي يطلب منصباُ، إلا عماد نداف يعتذر!
قررتُ وأنا أتجه إلى موعد الوزير الزعبي أن أصر على موقفي، فعمران الزعبي رحمه الله كان صديقي ثم صار وزيراً، وكان ودوداً، وعندما ذهبت إليه وجدتُ مكتب الانتظار يغص بالزائرين، فشعرت بالرهبة، فهذا يعني أنني سأنتظر ساعات ريثما يأتي دوري.
ما أن دخلت حتى شاهدني مدير مكتبه، فناداني تفضل أستاذ، السيد الوزير بانتظارك.. وأدت هذه العبارات إلى التفات الجميع نحوي ، فمن هذا الذي جاء من البرية ليأخذ الأولوية ، وأيقنت عندها أن الأمر هام وضروري، فدعوت الله أن يحميني مما هو آت!
استقبلني الوزير مرحباً ودعاني إلى الجلوس، وعلى الفور أخذ من طاولته صحيفة الوطن ، وقرأ لي شيئاً من زاويتي، ثم سألني، هل أنت من يكتب هذه الزاوية. نفيت بحكم ضرورة إخفاء الاسم، لكنه قال : رئيس التحرير أخبرني بذلك، فهل يكذب ؟!
لم يكن أمامي سوى الاعتراف، وعندها احتج على ما كتبته عن تلك المذيعة، وطلب مني أن أعرض عليه زاويتي قبل نشرها (!!) فرفعت صوتي بالاحتجاج قائلاً : إن من صلاحية الصحيفة ، وصلاحية الوزير منعي من الكتابة، أو على الأقل منع أي زاوية من الزوايا التي أكتبها، أما أن أقدمها لكم قبل إرسالها للصحيفة فهذا لايمكن أن يحصل، ويضر باسمي وأنت لاتقبله، فماذا سيقول عني رئيس التجرير وماذا سيقول عني زملائي؟
أصغى إليّ باهتمام ، فمضيت باحتجاجي :
أستاذ عمران ، أنا منذ ربع ساعة وأنت تسألني وأنا أجيب، من دون أن تطلب لي فنجان قهوة، فهل أنا في تحقيق!
ارتبك عمران الزعبي، ثم وضع الصحيفة جانبا، وقال لي : أنا آسف !
وضغط زر الجرس، فجاء الموظف على الفور، فقال الوزير الراحل :
أحضر إفطاري لتناول الدواء، والأستاذ عماد سيشاركني الإفطار والشاي معاً .
وهز رأسه كأنه صحا من غفوة ، وأضاف :
ــ من جهة ماتقوله حول الزاوية، هذا حقك. سأخبرك بصراحة، المذيعة شاهدتني في سهرة عائلية واحتجت على ماكُتب عنها؟
أجبته : أنا أكتب رأياً .
وكان جوابه الأخير ” اكتب أنى شئت ولن يتدخل بك أحد !
(يتبع .. )
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



