أحوال الدنيا

جدير بالنقاش . . . لا بالثرثرة الفارغة ؟؟!!

‏د. فؤاد شربجي

يعتقد البعض أن زمن السلم الأمريكي (باكسا أميركانا) قد بدأ ويرى هؤلاء أن إيران ستكون جزءا من هذا السلم الأميركي. لا تستغرب في السياسة كل شيء جائز وممكن.! يرى أصحاب هذا الرأي أن إيران بعد سماح الخزانة الأمريكية لها بتصدير النفط ورفع الحظر عن شراء نفط إيران. ستبيع طهران نفطها بالدولار الأمريكي، والمعنى واضح. كما أن الأموال الإيرانية المجمدة ستبدأ أمريكا بإعادتها لأصحابها الإيرانيين لكن بشرط أن تشتري طهران بها قمحا وصويا ومنتجات غذائية أمريكية. أي ستشتري إيران بالأموال المستعادة بضائع ومواد أمريكية. بيع النفط الإيراني بالدولار. وشراء المنتجات الأمريكية بالأموال المستعادة. علامات بارزة عن معنى ما يجري. كما أن الاستجابة الأمريكية لطلب طهران وقف النار في لبنان ودفع إسرائيل للانسحاب من الجنوب ومبادرة الرئيس ترامب للضغط على نتنياهو لينفذ هذه الطلبات الإيرانية، كل هذه الأمور ما هي إلا عناوين للمرحلة التي بدأت بعد الحرب، والتي يعتبرها أصحاب هذه الرؤية سيادة لـ (الباكسا أميركانا) وما يستتبعها وما ينتج عنها من أحوال وأوضاع.

‏الظاهر أن إسرائيل غير راضية تماما عن التفاهم مع إيران. لكن أمريكا تجري هندسة جيوإستراتيجية للمنطقة تحقق مصالحها. وضمن هذه الاستراتيجية سيكون لإيران منزوعة النووي والصواريخ والأذرع دورا فيها. هذه الهندسة على المدى الطويل مفيدة وحافظة لإسرائيل كما ترى أمريكا. رغم أن نتنياهو يرى فيها ضررا كبيرا له في الانتخابات القادمة، ويخشى من هزيمة انتخابية تبعده عن رئاسة الحكومة.

‏إذا تقدم هذا المسار ضمن هذه الرؤية، فإن إيران ستساعد في دفع حزب الله لتسليم سلاحه. حيث سيكون له بالمقابل دور فاعل في الدولة كتعويض عن ذلك حيث سيعمد إلى تعديل النظام وربما الدستور في طائف جديد أو دوحة جديدة. وبذلك تتحول إيران من وجهة النظر الأمريكية من مشكلة في لبنان إلى أحد عوامل الحل فيه. كما أن لبنان يبقى جزءاً من حضور إيران على سواحل المتوسط. وهذا يستدعي من حزب الله من جهة، وخصومه من جهة أخرى أن يسارعوا إلى حوار فيما بينهم كي يتوصلوا إلى حلول وطنية موحدة قبل أن تفرض مثل هذه الحلول عليهم من أمريكا وايرأن. وطبعا علينا ألا ننسى أن مثل هذا اللبنان مريح لإسرائيل ومطمئن لها، لأنه سيكون بلا سلاح وبلا مقاومة وربما لا عداء في المستقبل. وكل شيء وفق الرؤية الأمريكية. وما أن نتج عن الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الأمريكية بالأمس إلا تأكيد لهذه المسائل، هذا لو قيض لهذا الاتفاق إمكانية الحياة والاستمرار.

‏أصحاب هذه الرؤية يجدون أن مهلة الستين يوما للمفاوضات حول التفاصيل التنفيذية للتفاهم ما هي إلا فرصة تتيح للملالي في طهران وللمسؤولين في البيت الأبيض إقناع شارعهما وتبليع شعبيهما الاتفاق الذي توصلا إليه حول ترتيبات المنطقة الجديدة. ويبدو أن كلا الشارعين الإيراني والأمريكي غير مرتاح لهذه الرؤية. فالإيرانيون يختنقون ببلع الشيطان الأكبر الأمريكي كمتعاون معهم. كما أن الأمريكيين لا يقتنعون بأي دور للملالي الذين لا يثقون بعهودهم. فهل تسكت سلطات البلدين أصوات الاحتجاجات المعارضة؟؟ وهل تستطيع فتح الطريق رغما عن الشعوب والمحتجين لتنفيذ هذه الرؤية في المنطقة؟؟

‏تحويل إيران إلى دولة طبيعية بدون نووي وبدون صواريخ وبدون عقيدة تصدير الثورة. إيران الطبيعية هذه لو نجح الباكسا اميركانا مريحة لدول الخليج ومطمئنة امنيا لهم إلى حد. ويبقى التنافس معها تجاريا وسياسيا واقتصاديا، وهذا طبيعي ومقدور عليه. ولكن إلى أي حد سيصل اطمئنان الخليج تجاه دور ايران الجديد؟؟ وإلى أي مدى ستستمر إيران كدولة طبيعية لا تطمح في توسيع نفوذها على الآخرين؟؟؟ وماذا عن التكتل المولود بين تركيا ومصر والسعودية وباكستان؟؟ هل صحيح أنه تحالف سني يستعد لمواجهة أي عدوان من إيران الشيعية؟؟ ان فهم مآلات كل ذلك يتطلب جهدا لمتابعته ومعالجة تطوراته باستمرار. دون نسيان العامل المسيطر والقائد لكل شيء في المنطقة والذي اسمه ترامب.

‏هذه الرؤية المقترحة تصب ضد مصلحة الصين وروسيا. حيث ستدور إيران في فلك الباكسا أمريكانا دون إعلان تحالف أوشراكة. سيتأثر نفوذ كل من الصين وروسيا في المنطقة والعالم، ويبدو إنهما ستقبلان الأمر بسبب ميزان القوى مقابل أمريكا.

‏هذه الرؤية تدعي وتبشر بهدوء المنطقة. والمتفائلون يرون أنه سلام شامل في الإقليم يتيح مجال للتنمية والازدهار برعاية أمريكية. فهل يمكن لإيران أن تسير مع الشيطان الأكبر قاتل المرشد؟؟ وهل يمكن لإيران من أجل بقاء نظام الملالي التخلي عن واجبها الديني في تهيئة الظروف لعودة المهدي المنتظر؟؟ وهل ستقتنع إسرائيل بدور لإيران اقتصادي وسياسي وطاقوي في المنطقة؟؟ وهل ستتراجع إسرائيل عن مشروعها اللاهوتي الغيبي المتمثل بإسرائيل العظمى؟؟ كل ذلك من السلام الأميركي (البكسا أميركانا) إلى بقاء مشروع إيران وإسرائيل في عودة المهدي للأولى ن وظهور المسيح اليهودي للثانية. إلى ما يقال عن التنمية والازدهار. كلها أمور جديرة بالنقاش. وجدير بالنقاش أيضا معنى السياسة التي تنتج كل ما تقدم… الأمر جدير بالنقاش إن كان مسموحا لشعوبنا النقاش فيما يدور بحياتها نوبما يحيق بمستقبلها وبما يحدد مصيرها!!

طبعا النقاش ليس الثرثرة الفارغة التي تملأ الفضاء الإعلامي!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى