
يُقلق برود الرجل مع زوجته كثيرًا من النساء. يُقلقهن في صمت. ويجعلهن يتساءلن: ما الذي تغيّر؟ وأين ذهب ذلك الزوج الذي كان؟ تبدأ الزوجة عادةً بلوم نفسها. تُراجع كلامها. تُراجع تصرّفاتها. غير أنّ علم النفس الحديث يكشف أنّ برود المشاعر في العلاقة الزوجية كثيرًا ما يكون نتاج عوامل بعيدة كلّ البعد عن الزوجة. وأنّ فهم هذه العوامل يُغيّر كليًا زاوية النظر وطريقة التعامل.
في هذا المقال، نستعرض الأسباب النفسية والصحية والاجتماعية الحقيقية وراء برود الرجل مع زوجته. كما نتناول الإشارات التحذيرية التي تستوجب الانتباه. ثم نُقدّم الطرق العملية للتعامل معه. وبذلك تتضح الصورة بشكل أفضل وتصبح مواجهة المشكلة أكثر وعيًا وفاعلية.
- ما الذي يعنيه برود الرجل مع زوجته علميًا؟
يختلف البرود العاطفي عن فتور المشاعر العابر اختلافًا جوهريًا لا يجوز الخلط بينهما.
يُعرَّف البرود العاطفي علميًا بأنّه حالة من الانسحاب العاطفي المتكرر. ففي هذه الحالة، يُقلّص الشخص تعبيره عن مشاعره. كما يبتعد تدريجيًا عن التواصل الحميم مع الشريك. ومن جهة أخرى، تُشير دراسة نُشرت في مجلة Journal of Marriage and Family إلى أنّ الرجال يميلون أكثر من النساء إلى الانسحاب العاطفي عند التعرّض للضغط. ومع ذلك، لا يعني هذا الانسحاب غياب المشاعر. بل يعكس في كثير من الأحيان صعوبة التعبير عنها أو الإفصاح عنها بوضوح.
إذًا، فإنّ برود الرجل مع زوجته ليس دائمًا رسالةً موجَّهة إليها. بل هو كثيرًا ما يكون رسالةً موجَّهة إلى نفسه. إشارةً تدلّ على شيء يعانيه داخليًا ويعجز عن التعبير عنه بالكلمات.
- الأسباب النفسية وراء برود الرجل مع زوجته
تتعدّد الأسباب النفسية. وتتشابك. وكثيرًا ما تكون مخفيةً حتى عن الرجل نفسه.
يأتي في مقدّمتها الإرهاق النفسي المزمن. فالرجل الذي يحمل ضغوط العمل والمسؤوليات المادية يستنزف طاقته العاطفية قبل أن يصل إلى البيت. وبالتالي، لا يتبقّى لديه ما يمنحه لزوجته. وكما يُفسّر علم النفس تغيّر الزوج بعد الزواج بالتحوّلات الكيميائية في الدماغ، فإنّ الضغط المتراكم يُعيد برمجة الدماغ نحو الانسحاب.
يُضاف إلى ذلك الاكتئاب الصامت. ففي كثير من الأحيان يُعاني عدد كبير من الرجال اكتئابًا حقيقيًا من دون أن يُدركوا ذلك. وعادةً لا يُعبّر الرجل عن ألمه بالبكاء دائمًا، بل على العكس ينسحب ويصمت ويبدو أكثر برودةً وانعزالًا. ومن جهة أخرى تُشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أنّ الرجال يتلقّون تشخيصًا للاكتئاب بنسبة أقلّ بكثير من الواقع، وذلك لأنّ عوارضه لديهم تختلف عمّا هو متعارف عليه. لذلك يكمن هنا خطر حقيقي يستدعي الانتباه. ولهذا السبب تبرز أهمية استشارة الطبيب المختص عند الاشتباه بوجود اكتئاب لدى الزوج، لأنّ التشخيص المبكر يُحدث فارقًا كبيرًا في رحلة العلاج والتعافي.
تندرج كذلك ضمن الأسباب النفسية مشاعر الفشل المهني أو المالي. ففي كثير من الأحيان يرتبط الرجل في ثقافتنا ارتباطًا عميقًا بدوره كمُعيل. ولذلك حين يشعر بالإخفاق في هذا الدور ينسحب عاطفيًا كآليّة دفاع. وفي المقابل، لا يعني هذا أنّه لا يُحبّ. بل على العكس، لا يشعر بأنّه يستحقّ الحبّ في تلك المرحلة.
- الأسباب الصحية وراء برود الرجل مع زوجته
ثمّة أسباب صحية حقيقية تقف وراء هذا البرود. وكثيرًا ما تُغفلها الزوجة تمامًا.
يأتي في مقدّمتها انخفاض هرمون التستوستيرون. فهذا الهرمون يتحمّل مسؤولية الرغبة والطاقة والإقبال على الحياة. ووفقًا لأبحاث المجلة الأمريكية لطب الرجال (AUA)، تنخفض مستويات التستوستيرون بشكل طبيعي بعد سنّ الثلاثين. ونتيجةً لذلك، يتراجع المزاج وتنخفض الرغبة ويضعف التواصل العاطفي. ومن هنا، تبرز أهمية استشارة الطبيب قبل اتخاذ أيّ إجراء. إذ يتطلّب تشخيص هذا الانخفاض فحوصات دقيقة ومتابعة مختصّة. لذلك، لا ينبغي أبدًا الاجتهاد من دون توجيه طبّي مناسب.
يُضاف إلى ذلك اضطرابات النوم المزمنة. ففي الواقع، يُثبت علم الأعصاب أنّ الحرمان من النوم يُضعف قدرة الدماغ على الاستجابة العاطفية. وبالتالي، يُحوّل الشخص إلى نسخة باردة من نفسه. ومن جهة أخرى، يُسهم ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكّري غير المُشخَّص في خفض مستوى الطاقة الجسدية والنفسية. وعندها، ينعكس هذا الأمر مباشرةً على العلاقة الزوجية. لذلك، ينصح الأطباء بإجراء الفحوصات الدورية للرجل، لا سيّما بعد سنّ الأربعين.
- الأسباب الاجتماعية وراء برود الرجل مع زوجته
لا تنبع المشكلة دائمًا من الداخل. بل كثيرًا ما تُولّدها ديناميكيات العلاقة نفسها.
يقع في مقدّمة هذه الأسباب تراكم الخلافات غير المحلولة. إذ يلجأ الرجل في الغالب إلى الصمت كبديل عن المواجهة. فيتراكم الغضب ويتحوّل إلى برود. وهنا تُصبح الكلمات الصحيحة وطريقة التواصل أداةً فعّالة لكسر هذا الجدار الصامت.
يندرج كذلك ضمن الأسباب الاجتماعية الشعور بالخنق داخل العلاقة. فعلى سبيل المثال، حين يشعر الرجل بأنّه فقد استقلاليته أو مساحته الشخصية يبدأ بالانسحاب التدريجي. وفي هذه الحال، لا يهرب من الزوجة، بل على العكس، يبحث عن نفسه ويحاول استعادة توازنه. ومن جهة أخرى، تُؤكّد أبحاث معهد Gottman Institute أنّ الأزواج الذين لا يمنحون بعضهم مساحةً كافية للاستقلالية يُعانون معدّلات أعلى من البرود العاطفي على المدى البعيد. لذلك، يُسهم الحفاظ على مساحة شخصية متوازنة في تعزيز الراحة العاطفية واستمرار التقارب بين الزوجين.
يُضاف إلى ما سبق غياب التقدير المتبادل. إذ يحتاج الرجل إلى الشعور بأنّه موضع اعتراف وتقدير. فحين تغيب هذه المشاعر يُقلّص استثماره العاطفي في العلاقة تدريجيًا.
- متى يستدعي برود الرجل مع زوجته التدخّل المختصّ؟
ليس كلّ برود يستوجب إنذارًا. غير أنّ ثمّة إشارات تستوجب التوقّف والتصرّف.
تستدعي استشارة متخصّص حين يمتدّ البرود لأشهر متواصلة. وحين يُرافقه انعزال عن الأسرة والأصدقاء معًا. وحين يقترن بتغيّرات جسدية ملحوظة كفقدان الوزن أو اضطرابات النوم الحادّة. تُؤكّد الأكاديمية الأمريكية للزواج والأسرة (AAMFT) أنّ التدخّل المبكر للمعالج الزوجي يُحقّق نتائج أفضل بكثير من الانتظار حتى تصبح الهوّة لا يمكن ردمها.
ومن المهمّ أيضًا أن تُدرك الزوجة أنّ دورها ليس إصلاح الزوج. بل مشاركته في الوعي. وفتح الباب للحوار. وتشجيعه على طلب المساعدة من دون أن تشعره بالحرج أو الضعف.
الخلاصة
برود الرجل مع زوجته ليس حكمًا على العلاقة. ولا هو دليل على انتهاء الحبّ بالضرورة. إنّه في الغالب صرخة صامتة من رجل يعاني ولا يعرف كيف يقول ذلك.
الفهم هو أولى خطوات الحلّ. وحين تُقرّرين أن تنظري إلى البرود بعين المحقّقة لا المتّهِمة تتغيّر المعادلة كليًا. وإن كنتِ تبحثين عن فهم أعمق لما يحدث مع الرجل عاطفيًا في مراحل مختلفة، فاطّلعي على ما كشفته الأبحاث حول التغيّرات التي يمرّ بها الرجل في علاقته الزوجية. وتذكّري دائمًا أنّ استشارة الطبيب أو المختص النفسي ليست اعترافًا بالفشل. بل هي أذكى قرار يمكن لزوجين يُريدان إنقاذ علاقتهما أن يتخذاه.
وبرأيي الشخصي كمحرّرة، أرى أنّ أصعب ما في برود الرجل ليس البرود ذاته، بل الصمت الذي يُحيط به. فغالبًا ما تملأ الزوجة هذا الصمت بالتفسيرات الخاطئة والاتهامات الباطنية. لذلك، تعلّمتُ أنّ أقرب طريق إلى قلب رجل بارد ليس المطالبة المستمرة، بل السؤال الهادئ والصادق. وعندها، يمكن أن يتغيّر الكثير. لذا، يبقى سؤال: “ما الذي تشعر به فعلًا؟” من أبسط الأسئلة وأكثرها تأثيرًا. فجربيه، فقد تُفاجئكِ الإجابة.
موقع عائلتي



