أحوال الدنيا

“المهنة الآثمة” بين الخبيث والهبيل!!

‏ د. فؤاد شربجي

على مدى أكثر من 20 سنة مضت انتبهت جهات الاستخبارات الإسرائيلية المتنوعة إلى اهتمام حزب الله بما تنشره الصحافة الإسرائيلية. ولاحظت هذه الجهات مدى تأثر سياسات الحزب بالمعلومات التي تنشرها الصحافة العبرية. ومن تحليل خطابات السيد حسن نصر الله استنتجت الاستخبارات الإسرائيلية أن قائد حزب الله يتأثر وربما يعتمد المعلومات التي تنشرها الصحافة العبرية. وبناء عليه فقد استغلت المخابرات الإسرائيلية هذه الحقيقة، واستخدمت صحافة بلدها في نشر معلومات أرادت إيصالها إلى الحزب عامة وإلى نصر الله خاصة. حيث أقنعته عبر هذه المواد بأنها (قبل اغتياله) لن تقدم على حرب واسعة في لبنان تصل الى بيروت، ولن تقترف الخطأ باغتياله.

‏هذه الحقيقة أكدها ما رواه وزير لبناني سابق هذا الأسبوع على أحد الشاشات اللبنانية. حيث كشف أن أحد السياسيين الأوروبيين طلب منه إيصال نصيحة إلى السيد حسن نصر الله مفادها (حاج يقرأ الصحف العبرية). والمعنى الذي أراده السياسي الأوروبي أنه بات يستمع لاستنتاجات من نصر الله مبنية على ما تنشره هذه الصحف العبرية دون أن ينتبه نصر الله أنها مواد إعلامية مكتوبة خصيصا له ليقرأها ويقتنع بما فيها من معلومات على انها حقائق. وليتأثر بالأجواء التي تشيعها حول المنطقة. وروى الوزير اللبناني السابق أن السياسي الأوروبي هذا أكد له خبث ما تنشره الصحف العبرية حول استبعاد الحرب (وقتها)، وحول تخوف تل أبيب من تداعيات اغتيال نصر الله. وكلاهما حصل فيهما عكس ما نشرته الصحافة العبرية بالفعل. وما ركن إليه نصر الله حقيقة، وكل ذلك حسب الوزير اللبناني السابق.

‏هذا ما يعني أن الصحافة الإسرائيلية رغم مهنيتها وتطور أساليبها الإعلامية وتفوقها في مجالها، إلا أن بعضها على الاقل انخرطت في أعمال استخباراتية كانت تهدف إلى تضليل حزب الله وأمينه العام نصر الله. وهكذا لم يقتصر دور هذه الصحافة على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي والغربي فقط، ولم يقتصر تأثيرها أيضا على الرأي العام العربي المفتقد لصحافة عربية مؤثرة، بل امتد تأثيرها إلى أحداث تضليل قادة سياسيين وعسكريين مثل نصر الله، وتحميله قناعات زائفة ليتخذ القرارات التي تتيح لإسرائيل تحقيق أهدافها. كما جرى في طمأنته لعدم قيام إسرائيل بحرب واسعة أو قيامها باغتياله. وعبر اطمئنانه هذا شنت إسرائيل حربها. واغتالته تحت عاشر أرض.

‏إن انعدام وجود صحافة عربية حقيقية ومؤثرة يجعل ما يسمى بصحافتنا مضطرة لتترجم عن الصحافة الأجنبية. او تعيد تدوير ما ينشر خاصة في الصحافة الإسرائيلية. ومن يراجع ما كان ينشر في الإعلام العربي حول أحداث طوفان الأقصى وما استتبعته من ابادة لقطاع غزة. مثلا من يراجع ما نشر في الصحافة العربية حول احداث غزة يلاحظ مدى اعتماد الإعلام العربي على ما تنشره الصحافة والمواقع الإسرائيلية. وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية المرجع الأكبر للإعلام العربي، خاصة وإنها كانت معارضة لنتنياهو، ومعارضتها هذه لنتنياهو جعل الإعلام العربي يرتاح لها ويتخدر بها. فلم يبذل أي جهد في تحليل ما يأخذه من مواد إعلامية منها ولم يدرس أي حقيقة أستعارها منها. وهذا ما مرر الكثير من الايحاءات الصهيونية المضمنة في المواد المعارضة لنتنياهو وهي ايحاءات خادمة ومروجة لإسرائيل وللمشروع الصهيوني المعاديان للعرب وحقوقهم.

‏خبث الاستخبارات الصهيونية. ومكر الصحافة العبرية وقوة تأثيرها، وغياب صحافة عربية حقيقية، واستسهال العرب لإعادة تدوير ما ينشر في العالم وخاصة ما تنشره الصحافة الإسرائيلية. كل ذلك جعل العالم العربي خاضعا للقناعات التي يريدها الغرب الصهيوني ودفع حتى القادة النابهين واليقظين للوقوع في التضليل كما حدث لنصر الله. وهذا ما يؤكد أن وجود صحافة قوية ومؤثرة هو جزء أساسي من قوة الدولة. أي دولة. وسلاح قوي من أسلحة القوة الوطنية في صراعاتها المقررة لمصيرها. فهل نحلم بصحافة عربية حقيقية وحرة تبحث عن الحقائق المتعلقة بمصير شعوبها، وتكشف خبث ما ينشر حولنا ويفضح مدى ما يرتكبه الحكام عندما ينساقون في خدمة العدو حفاظا على كراسيهم وسلطانهم.

‏إذا كانت الصحافة الإسرائيلية “مهنة آثمة”، فهي ترتكب الاثم لأنها تخدم الاحتلال والابادة. فإن إثم السياسة والصحافة العربية هو بتأثرهما الأهبل بما تنشره الصحافة الغربية صهيونية وخاصة الإسرائيلية. إثم الصحافة الإسرائيلية “الخبث الشرير”. وإثم السياسة والصحافة العربية هو “هبلها المديد”. وطبعا في صراع الخبيث مع الهبيل تكون النتيجة محسومة كما حدث ويحدث منذ عقود!!!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى