نوافذ

اتّساع

يمامة كوسى

كان الضوء يتسلل إلى المدينة ببطء، كأنه يخشى أن يوقظها قبل الأوان. ومن الطابق الأعلى، كانت دمشق تبدو أقل صخباً ممّا عهدتها؛ مدينةً تُرى دفعةً واحدة، كما تُرى الذكريات حين نبتعد عنها بما يكفي. صوتُ فيروز كان ينساب في المكان كخيطٍ عتيقٍ من نور، لا يُسمَع بقدر ما يُحَسّ. بينما راحت رائحة القهوة تتصاعد بهدوء وتنسج حول اللحظة دفئاً قديماً يشبه صباحات البيوت التي تختزن في جدرانها حكاياتٍ لا تنتهي.

بدت لي النوافذ واسعة جداً. واسعةً بما يكفي لرؤية مدينة كاملة. لكنني لم أكن أعلم أنها، بعد ساعة ونصف فقط، ستصبح أصغر ما سأخرج به من ذلك المكان.

لا أعرف من أين سأبدأ وصفي لذلك اللقاء لأنّ ما يستقرّ في الروح لا يتّسعُ لهُ ترتيب ولا تسعفهُ الكلمات. كلّ ما أعرفه أنني خرجتُ منه أفتّش عن طريقةٍ أحفظ بها اللحظة. لا المكان، ولا الحديث، ولا التعابير. بل ذلك الشعور الذي امتلأتُ به حتى خشيت أن يضيق به قلبي. كنت أمشي على مهل، كما لو أنني أحمل إناءً مملوءاً حتى حافته بالضوء. أراقب خطواتي بحذر، وأخشى أن تتعثر إحداها، لا لأنني سأقع، بل لأنّ شيئاً لا يُرى قد ينسكب مني، وقد لا أعرف كيف أستعيده!

لطالما ظننتُ أن أكثر ما يمكن أن يدهشني في الإنسان هو ما يحقّقه. لكنني اكتشفت ذلك اليوم أن أكثر ما يدهشني هو ما يحتفظ به، بعد أن يحقق كل شيء.

هناك من يصعد كثيراً حتى لا يعود يرى الأرض. وهناك من يصعد أكثر… فيصبح أقدر على احتضانها!

لقد انهمرت الحوارات بيننا كما ينهمر الماء حين يجد طريقه بعد طول انتظار. لم تكن هناك مسافةٌ تحتاج إلى عبور، ولا أسئلةٌ تحتاج إلى ترتيب. كان الحديث يمضي بخفّةٍ فريدة، كأنّ الكلمات تعرفُ طريقها قبل أن تُقال. بدأنا من أشياء صغيرة وتفاصيل بسيطة لا توحي بشيءٍ استثنائي، ثم وجدتني شيئاً فشيئاً، ودون أن أشعر، أقف أمام سنواتٍ كاملة من حياة إنسان.

إنسانٍ عبر الألم، لكنه لم يورّثه لأحد. عرف قسوة الطريق، لكنه لم يسمح لها أن تغيّر ملامح قلبه. تعلّم من الجراح، دون أن يجعلها لغته؛ بقي فيه امتنانٌ لم تخفت جذوته رغم طول المسافة، ووفاءٌ لم تهزمه الأيام، ورقّةٌ نجت من كل الأسباب التي كان يمكن أن تُطفِئَها.

لا أعرف متى جاءت الدموع. لكنّ ما أعلمه أنها كانت كقطرات المطر الأولى حين تمتلئ الغيوم أكثر مما تستطيع أن تحمله. كانت أشبه بشعورٍ ظلّ في الداخل لأعوام، ثم وجد أخيراً اللغة التي تشبهه.

لم يكن يحدّثني عن القمّة، بل عن الطريق إليها؛ عن تلك الأشياء التي لا تظهر في الصور: الخوف الذي يسبق كل خطوة، والوجوه التي تأتي دون سابق إنذار فتمنح الطريق معنى آخر، وتلك اللحظات الصامتة التي لا يراها أحد، حين يقف الإنسان وحيداً أمام نفسه، ممزّقاً بين أن يترك الطريق أو أن يبدأ من جديد.

للمرة الأولى، بدا لي أن المستحيل ليس جداراً… بل ستاراً يحجب عنّا الطريق قبل أن نخطو نحوه. لقد سمعت كثيراً عن أناسٍ خرجوا من وديانٍ سحيقة ووصلوا إلى حيث لم يكن يتوقع أحد. لكنّ الكلمات مهما بلغت من بلاغة لا تملك قوة التجربة حين نراها حيةً أمامنا.

هذه المرة، لم تكن حكايةً تُروى. كانت إنساناً يجلس أمامي. كان البرهان حاضراً بصوته، بذاكرته، وبالمسافة الهائلة التي قطعها ليصل إلى ما هو عليه.

حين عدتُ إلى البيت، جلست أحكي لأهلي ما حدث. وبينما كنت أحاول أن أصوغ الكلمات، اكتشفت أن ذلك اللقاء كان أكبر من اللغة بكثير. كانت هناك أشياء كثيرة أعرفها في داخلي، لكنني لم أجد لها اسماً.

قالت لي أختي بعد أن انتهيت: “أول مرة بحياتنا منشوفك متأثرة هالقد!!”

في تلك اللحظة بالذات أدركت أنّ اللقاءات العظيمة لا تُعرف بما نقوله عنها. بل بما تبقيه فينا بعد أن تنتهي. وإن كان هناك مَن سيسألني يوماً عمّا بقي من ذلك اللقاء، فأعتقد أنني سأبتسم وأتذكر أنني عندما دخلت ذلك المكان رأيت مدينةً من نافذة… وعندما خرجت رأيتُ العالم من إنسان.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى