
ليس غريباً أن تنجح الجهود الباكستانية في التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتاريخ الديبلوماسية الباكستانية مشهود له بالنجاحات والإنجازات المتتالية، لا بل إن القائد المؤسس لباكستان “محمد علي جناح” أراد لها أن تكون رقما صعبا ومؤثرا على المستوى الإقليمي والعالمي، ولهذا فلا غرابة أن تنجح الباكستان في إدارة أعقد الملفات وتفكيك كثير من العقد السياسية وإنهاء خلافات كادت أن تشعل حروباً مدمرة في الشرق والغرب على حد سواء.
ولعل نجاح الباكستان في إدارة تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الباردة وعضويتها في التحالفات العسكرية المناهضة للشيوعية، وفي الوقت نفسه طمأنة الصين بأن هذه التحالفات لم تكن موجهة ضدها وإنما الهدف منها تعزيز أمنها، ولهذا فقد حظيت باحترام وتقدير كبيرين من مختلف الفرقاء، بل إن هذا الموقف المتوازن والفعال للباكستان جعلها تقوم بدور رئيسي في التقارب الصيني الأمريكي عام 1971، سواء من خلال زيارة “هنري كسينجر” إلى بيجين أو لاحقا من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي “نيكسون” إلى الصين وما أعقبها من تحولات حقيقية وجذرية في العلاقة بين البلدين.
ولعل هذا التاريخ والثقل الباكستاني لاسيما لجهة الثقة في العلاقة بين مختلف الأطراف كان هو الدافع الرئيسي للباكستان للتحرك تجاه الوساطة بين الولايات المتحدة وايران، لاسيما من توتر الأجواء على كافة الأصعدة واتساع رقعة الحرب، ويبدو أن التوازن والهدوء والرغبة الصادقة في السعي لإيجاد حل للأزمة ووضع حد للحرب لم يكن وليد الصدفة وإنما كان نتيجة استراتيجية انتهجتها القيادة الباكستانية منذ التأسيس على يد القائد “محمد علي جناح” والذي وصفه “عباس محمود العقاد” “بالقائد الألمعي” الذي اجتمعت فيه شروط الزعامة من ثقة كبيرة بالنفس تجاورها ثقة أكبر من الناس الذين تركوا بين يديهم حاضرهم ومستقبلهم أملا في غد أفضل” والحقيقة أن القائد الأعظم أو “أبو الأمة الباكستانية” كما هو معروف كان رمزاً من رموز العظمة الإنسانية، وأستاذاً في التخطيط والاستراتيجية التي أرست دعائم الدولة مستفيداً من التاريخ ودروسه وفلسفته، وكذلك تعمقه بما وراء حركات التاريخ.
وهذا ماسار عليه معظم القادة في الباكستان لاحقاً ومنهم القيادة الحالية ممثلة برئيس وزرائها “شهباز شريف” وقائد الجيش فيها “عاصم منير” والذي استطاع إدارة دفة المفاوضات ونقل الرسائل الحساسة والملغومة أحياناً بين الطرفين واستطاع تجاوز جميع المفخخات التي زرعت في مختلف المضائق والمرتفعات أثناء جولات التفاوض الملتهبة والمفتقرة إلى الثقة بين الطرفين، ولكن الثقة العالية في الوسيط كانت هي بيضة القبان ومركز الثقل في الجهود الباكستانية والتي نجحت في تجاوز التهميش للباكستان من قبل عدد من الزعماء الأمريكيين ومحاولات استضعافها والاعتداء عليها من قبل بعض الدول والجماعات التي أرادت النيل من هيبة قوتها ومركزيتها، إلا أن ما حدث وما تم التوصل إليه بفضل الجهود الباكستانية، رسخ مكانة الباكستان كوسيط إقليمي فاعل وأعاد تسليط الضوء على قدرتها على لعب أدوار دبلوماسية تتجاوز منطقتها، كما أن هذا النجاح الكبير من شأنه أن يفتح أمام الباكستان أبواباً واسعة سواء لجهة تحالفات سياسية وعسكرية جديدة ومهمة، أو لجهة تعاون ونهوض اقتصادي من شأنه أن ينعكس إيجاباً على البلاد والعباد، وكذلك إيجاد حلول جذرية لكل ما يهدد أمن البلاد ووحدتها أو يعصف باستقرارها، لاسيما وأن عدداً من “الأعدقاء” لباكستان لايرون فيها إلا منطقة ملتهبة على صفيح ساخن، وتاريخاً من الصراعات والاضطرابات والفتن والمؤامرات التي أنهكت الدولة وأثقلت كاهل الشعب التواق إلى الازدهار والنهوض والسلام.
إن نجاح الوساطة الباكستانية في وقف الحرب المجنونة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، يجب أن يكون دافعاً للشعب الباكستاني وقيادته إلى مزيد من اللحمة والتفاني في سبيل باكستان التي أرادها محمد علي جناح دولة رائدة في الديمقراطية والإنسانية، دولة مدنية علمانية يسودها القانون ويحتكم أهلها إلى دستور حضاري يفخر عموم أبناء الشعب الباكستاني به، كيف لا؟، وهو المناضل الوطني الاستقلالي، وصاحب الأيادي البيضاء والكفاح بكافة أشكاله لتخليص بلاده من الاحتلال والسير بها إلى فضاءات الحرية والاستقلال، ولعل الكاريزما التي ميزت “محمد علي جناح” عن غيره من كبار القادة في المرحلة التي تلت الاستقلال هي التي جعلت شاعراً وفيلسوفاً ومتصوفاً وقائداً كبيراً مثل ًمحمد إقبال” يقول للزعيم الهندي الكبير “جواهر لال نهرو” عندما أتى لزيارة “إقبال” وهو على فراش الموت محرضاً إياه على “محمد علي جناح” بحجة أن لا أحد يعرفه، وأن “إقبال” هو الأولى بقيادة مسلمي شبه القارة الهندية فأجابه إقبال بكل ثقة ومسؤولية قائلاً: (دعني أخبرك شيئا، محمد علي جناح هو القائد الوحيد لمسلمي شبه القارة الهندية، وما أنا إلا جندي عادي من جنوده)، ولهذا فلا غرابة أن يقترن اسم جناح وإقبال كمؤسسين لدولة باكستان استطاعا دمج العبقرية السياسية لجناح مع الفكر الفلسفي لإقبال في تشكيل حجر الأساس لاستقلال حقيقي يليق بباكستان وشعبها.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



