فن و ثقافة

انتبهوا : نزيه أبو عفش يغلق بوابة الأمل!

عندما ظهر اسم الشاعر السوري نزيه أبو عفش في ثمانينيات القرن الماضي، شكل أفقاً جديداً في الشعر السوري، وحقق شهرة محلية وعربية ساعدت عليها جرأته الشعرية وتميزه في أوساط الشعراء المعاصرين له كممدوح عدوان وفايز خضور وعلي الجندي وعادل محمود وأيمن أبو شعر وغيرهم .

وقد أثارت كتابات الشاعر أبو عفش اهتماماً كبيراً عند النقاد، وخاصة تلك التي أعقبت موجة (الربيع العربي)، التي كانت الحرب على سورية والسوريين أحد أبرز وجوهها ، ونُشرت تلك النصوص تباعاً، وينشرها اليوم في كتب، وإن استخدم نزيه الصحافة لتوريدها إلى جمهور القارئ العربي والسوري يوماً بيوم.

لكن ما الذي اتصفت به موجة كتاباته الأخيرة، ولماذا تحمل تلك النصوص توابع موجات اليأس العربي الثقافي بمجمله، هل هي نبوءات شاعر سوداوي، أم تحليلات سياسي محبط؟

عندما تقرأ آخر نص له، نشره على صفحته، ترى أنه يعيدك إلى عام 2018 ، ويمكنك عندها أن تبادر إلى ملاحقة الكتابات السابقة لتتأكد أنك لست على خطأ :

” طااااالْ.. / طالْ.. / طالَ وطالَ اللّيـــلْ.

طالَ اللّيلُ ولا زالَ يَطولُ؛ وطَـقَّتْ أرواحُ الموتى.”

وفي المقاطع التي سبقت هذه (السوداوية)، والتي كان أهداها إلى المخرج السينمائي محمد ملص،  تراه وهو يبحث عن ديك الصباح الذي لم يأت بعد .

هناك نحيب ، وصراخ ، وألم في كل عبارة كتبها ويكتبها هذا الشاعر الذي سحرَ جيلاً كاملاً بقصائده وتمرده على السائد، وإشعال موجة الشعر التقدمي الطامح إلى الحرية، وإن حذر من الثمن .

هذه الأيام ، يردد نزيه أبو عفش ، في خطابات شعرية تشاؤماته المتلاحقة :

أُبَشِّركم: الأسوأ لم يأتِ بعد.

سيأتي يومٌ (يومٌ – أيامٌ) تلتَمِسون فيها دموعاً تعجزون عن ذرفِها، وتزداد فيها حاجتُكم لاقترافِ معصيةِ الأمل.

سيأتي الأرذلُ، والأظلَمُ، والأشَدّ.

سيأتي؟ /  أتى…

اِستعِدّوا!

ياللمصيبة، يقول القراء ، أي نبوءة للشاعر الذي نحب، للشاعر الذي بشر بالحرية، ونبه الجميع إلى ثمنها الفادح، أي نبوءة لمسيح الشعر السوري الذي حمل صليب الحرية ولم يرمه طيلة العقود التي سبقت (جحيم الحرية العربي) .

منذ عام 2000 ، كانت النبوءة واضحة عنده، وهو لم يبن على السياسة، بل بنى على إحساس الشاعر ورؤية مثقف يمتلك عينا ثاقبة، فالبلاد تخبئ الدم تحت قميصها كما كتب في حزيران عام 2000 :

أيتها البنتُ الأسيرة، يا بلادي, لا تحلمي!

تحت قميصكِ الأبيض

أشمُّ  رائحةَ  دم.

وإلى اليوم ،  ترتدي البلاد في ما يكتبه نزيه صورة مأساوية ، وهي صورة حقيقية واقعية لما عاشه الناس خلال حقبة الحرب، وكأن نبوءته تحققت،  لكن هذه الحقبة ينبغي أن تنتهي، وعند نزيه لا تنتهي :

في الثامن عشر من أيلول 2021 الساعة ‏٩:١٨ مساء يكتب نزيه أبو عفش : ‏  ·

لم يبقَ مِن حصتي في هذه الديار إلّا رصاصتُها وَ دمعةُ خوفي.

حسناً! ها أنا أرفع يديّ مستسلماً وأتهيّأ.

أرجوكم!

أما مِن سفّاحٍ رحيم  يَعدّ إلى ثلاثة ويقول:

أيها الرماةُ البواسل:

نار  !…

نزيه أبو عفش ليس غجريا يرمي أصدافه ويقرأ ، بل هو شاعر حساس:

أكثر ما أفلحتُ بتحصيله، في جميع معارك حياتي:

أن أخرج خاسراً و مهزوماً.

لا ، أبداً، لست نادماً.

تلك كانت مشيئتي؛ وهذا وسامُ نصري .

نقطة.

ويقول أيضاً:

بذلتُ كلّ ما بوسعي، وأهدرتُ كاملَ ما ادّخَرتُه من الفوسفور  في دماغي وقلبي ومفاصلي وأدوات جنوني ويأسي، لأفهم هذه البلاد السقيمةَ المسقِمة.. فما استطعت.

: بلاد عصيّةٌ على الفهم (كما على الحياة).

بلادٌ أُحجية.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى