تحرك أممي يدفع لتسوية ملف الصحراء المغربية وفق المقاربة المغربية
أعلن مكتب ستفان دي ميستورا المبعوث الأممي الخاص للأمم المتحدة للصحراء المغربية عزمه القيام بجولة تشمل المغرب والجزائر وموريتانيا وكذلك مخيمات تندوف التي تضم مقر جبهة بوليساريو الانفصالية وتؤوي آلاف الصحراويين بين موالين ومعارضين للطرح الانفصالي.
وتأتي هذه الجولة في إطار مشاورات واسعة مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع. تمهيدا لإطلاق جولة جديدة من المحادثات الرباعية تحت رعاية الأمم المتحدة وإعطاء دفعة للمسار السياسي وهو المسار الذي أخذ من فترة منحى أكثر واقعية مع تبني مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 والذي تبنى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية التي أطلقتها الرباط منذ 2007، كمبادرة واقعية وقابلة للتنفيذ يمكن البناء عليها كأساس لإنهاء عقود من النزاع.
كما تأتي هذه الجولة في سياق مساع أممية متواصلة لإعادة إحياء العملية السياسية بعد أشهر من المشاورات واللقاءات التي احتضنتها عواصم دولية عدة، من بينها مدريد وواشنطن.
قضية الصحراء المغربية تتجه نحو مرحلة جديدة
ويظهر من خلال هذه التطورات أن قضية الصحراء المغربية تتجه نحو مرحلة جديدة من الحراك الدبلوماسي والأممي أيضا. في ظل تحركات يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء. لإعادة تنشيط المسار السياسي، وسط مؤشرات متزايدة على وجود إرادة دولية لدفع الملف نحو تسوية نهائية تستند إلى المقاربة الواقعية التي قدمها المغرب.
ويعتقد أن دي ميستورا الذي سبق أن واجه انتقادات لتعثر مهمته واستمرار الجمود، بات يتحرك بأريحية أكبر استنادا إلى رؤية واضحة باتت تكتسب زخما دوليا مهما. وهي مبادرة الحكم الذاتي كأساس وحيد لأي مسار تفاوضي. وهو ما يعني أن المبعوث الأممي خرج وفق للرؤية المغربية للحل، من متاهة الشد والجذب والتعطيل.
واللافت أن الجولة تشمل الجزائر كطرف في الأزمة وليس كطرف مراقب كما كان يسوق النظام الجزائري لذلك في السنوات الماضية.
وتشير معطيات دبلوماسية إلى أن المبعوث الأممي يحمل خلال جولته رسائل واضحة تدعو الأطراف إلى الانخراط الجدي في العملية السياسية وفق المرجعيات التي حددتها قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2797 الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي يعد محطة مفصلية في تطور مقاربة الأمم المتحدة للنزاع.
الوقت بات مناسبا للدفع نحو حلول قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
ويكتسب هذا التحرك زخما إضافيا في ظل ضغط أميركي متواصل باتجاه الانتقال من مرحلة النقاشات السياسية إلى اتخاذ خطوات عملية على طريق تنزيل مقترح الحكم الذاتي ل الصحراء المغربية تحت السيادة المغربية. ويقود هذا التوجه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، في إطار رؤية أميركية تعتبر أن استمرار النزاع لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، وأن الوقت بات مناسبا للدفع نحو حلول قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
وتعكس التحركات الأممية الحالية إدراكا متزايدا لدى القوى الدولية بأن المقاربات التقليدية التي طبعت الملف لعقود لم تعد قادرة على إنتاج تسوية نهائية. ولهذا السبب يبرز في الخطاب الأممي والدولي مفهوم “الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم” باعتباره الإطار الأكثر تداولا خلال السنوات الأخيرة، وهو توصيف يتقاطع بشكل مباشر مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وخلال إحاطات مغلقة أمام مجلس الأمن، تحدث دي ميستورا عن وجود “زخم حقيقي” يمكن استثماره لتحقيق تقدم في الملف، مشيرا إلى أن الظرف الدولي والإقليمي الحالي يوفر فرصة لإعادة إطلاق العملية السياسية. كما أظهرت الإحاطات التي قدمها المبعوث الأممي ورئيس بعثة المينورسو مؤشرات وصفت بالإيجابية نسبيا على المستويين السياسي والميداني، بما قد يهيئ الظروف لاستئناف المفاوضات.
تأجيل جولة مشاورات كانت مقررة في واشنطن
وتأتي هذه التطورات بعد فترة من التوتر الميداني أعقبت الهجمات الإرهابية التي استهدفت مدينة السمارة والتي تبنتها عناصر من جبهة بوليساريو، ما أدى إلى تأجيل جولة مشاورات كانت مقررة في واشنطن، إلا أن الإدانات الدولية الواسعة لتلك الهجمات، بما في ذلك مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية، أعادت التأكيد على أولوية الحل السياسي وضرورة تجنب أي تصعيد عسكري من شأنه تعطيل جهود التسوية.
وفي موازاة الحراك الأممي، تبرز مؤشرات أخرى تعزز موقع المغرب داخل أروقة الأمم المتحدة، بعد انتخاب خمسة أعضاء جدد غير دائمين في مجلس الأمن للفترة الممتدة بين 2027 و2028. ويرى مراقبون أن تركيبة المجلس الجديدة تصب في صالح المقاربة المغربية، خاصة مع انتخاب دول مثل البرتغال والنمسا اللتين عبرتا في مناسبات عدة عن دعمهما للحلول الواقعية وعن تقديرهما لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية للتوصل إلى تسوية دائمة.
كما ينظر إلى انضمام قيرغيزستان باعتباره عاملا داعما للتوجه الأممي القائم على البحث عن حلول عملية وقابلة للتنفيذ، في حين لا يتوقع أن يشكل وجود ترينيداد وتوباغو تأثيرا حاسما على موازين النقاش داخل المجلس، بالنظر إلى طبيعة آليات اتخاذ القرار القائمة على التوافقات الدولية الواسعة.
منح الصحراء المغربية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
وتزداد أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى استمرار عضوية دول أخرى داخل المجلس خلال عام 2027، من بينها البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي دول تبنت في مناسبات مختلفة مواقف منسجمة مع الرؤية المغربية بشأن منح الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
ويرى متابعون. أن القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن شكل نقطة تحول بارزة في مسار الملف. بعدما عزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي بوصفها أساسا جديا وواقعيا للحل. كما كرّس مقاربة أكثر وضوحا تجاه أدوار مختلف الأطراف المعنية بالنزاع.
وفي ظل هذا الحراك الأممي والدولي المتسارع. تبدو قضية الصحراء أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن آليات عملية لتسويته. وبينما يواصل دي ميستورا جولاته ومشاوراته استعدادا لجولة جديدة من المحادثات، تتزايد المؤشرات على أن المجتمع الدولي بات أكثر ميلا إلى دعم حل سياسي واقعي يطوي واحدا من أقدم النزاعات الإقليمية في المنطقة، ويمنح دفعة جديدة للاستقرار والتعاون في شمال إفريقيا.
ميدل إيست أون لاين</strong>



