أحوال الدنيا

معنى اسرائيل بين مدينتين!!

‏د. فؤاد شربجي

في الأسابيع الماضية ركز جيش العدو الإسرائيلي على قصف مدينة صور وتدمير حاضرتها. كما ركز على حماية مدينة تل أبيب من هجمات المقاومة. وهذه اللحظة من الحرب الجارية، المتمثلة بقصف وتدمير صور مقابل حماية وصيانة تل أبيب، تكشف معنى إسرائيل ومعنى وجودها عبر كشف تضاد معاني كل من صور وتل أبيب.

‏صور من مدن ساحل بلاد الشام التي سارع أهلها لتحويل رموز وصور اللغة الهيروغليفية إلى رموز صوتية تحولت إلى حروف مشكلة الأبجدية كأساس لكتابة الكلمات. وهكذا فإن صور كأحد الحواضر الكنعانية الفنيقية استنبطت وابتكرت أبجدية تتألف من 22 حرفا. كلماتها تكتب من اليمين إلى اليسار، وتمثل الحروف الساكنة الصامتة فيها ما يسبق تدوين الحركات على الحروف. وبسبب نشاطها التجاري إلى أربع جهات العالم حملت صور مع تجارتها أبجديتها ونشرتها في العالم. وهكذا فإن صور كانت إحدى مدن ساحل بلاد الشام التي أهدت الحضارة الإنسانية الأبجدية التي نظمت اللغة كعقل مجسد على الورق. وكحافظ ومطور للعلوم وكمعمق للحياة وموثق للأحداث والتواريخ. صور نبع من ينابيع الحضارة على ساحل بلاد الشام. إسرائيل اليوم تقصفها لتدمر معناها هذا وتلغيه، متوهمة أن العدوان المفترس يمكن أن يلغي الحضارة الإنسانية وانجازاتها.

‏اما تل أبيب فهي مدينة مستحدثة مصطنعة. أقامها اليهود حوالي العام 1905 على شكل جيتو لليهود فقط. وجعلوها مدينة للغة العبرية التي فبركوها من العبرية القديمة دون الوفاء للأصل. وفرضوا على سكان هذه المدينة استخدام هذه العبرية فقط، والتحدث فيها فقط. وكانت الشرطة في تل أبيب تعتقل وتعاقب من لا يتحدث هذه العبرية المصطنعة. وبذلك كانت تل أبيب رمزا للانغلاق اليهودي وللتعسف في اصطناع لغة تخدم عنصريته. وكانت أيضا نموذجا للتعليم القسري للغة مفبركة. مدينة عنصرية قامعة لأهلها ومعادية لجيرانها. غير وفية لأصلها. هذا أصل تل أبيب التي تحميها إسرائيل، والتي تدمر الحواضر الإنسانية الأخرى في بلاد الشام كي تبرزها وترفع مكانتها لتحصن عنصريتها.

‏ صور مدينة الحضارة واحدة من مدن ابتكار الأبجدية والناشطة التجارية التي تتبادل عبر تجارتها المنافع مع العالم. وضمن هذه المنافع نشر صور الأبجدية مع الكون والإنسانية. مقابل تل أبيب المغلقة التعسفية العنصرية المصطنعة للغة عنصرية مغلقة. إن في تضاد معنى صور الحضاري مع معنى تل أبيب العنصري ينكشف سر همجية وعنصرية ووحشية إسرائيل في قصف صور وحواضرها وإنسانيتها.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى