الرواية السورية في فترة الحرب والثورة : غزارة في الانتاج ومكانة في سباق الجوائز العربية
عماد نداف
سجلت الرواية السورية في الحقبة الأخيرة مواقع مميزة لها في قوائم المنتج الروائي العربي، ويمكن رصد هذه المواقع من خلال قوائم المشاركة في مسابقات الجوائز العربية الكبرى، ناهيك عن المشاركة الفعالة في مختلف أنواع الجوائز الأخرى.
وتميزت الرواية السورية في أسلوبها ولغتها ومضامينها وخاصة تلك المتعلقة بالثورة السورية والحرب على السوريين إضافة إلى موضوع مسار الهجرة واللجوء والمعاناة الكبرى على هذا الصعيد وخاصة في الهجرة عبر البحر التي أحدثت مستجداتها أصداء عالمية في نشرات الخبار طوال أكثر من عقد من الزمن.
سعى كتاب الرواية السوريون بجدية ودأب إلى منافسة أقرانهم من الكتاب العرب في الحصول على أشهر الجوائز العربية، وأثمر سعيهم الحثيث عن خصول عدد هام منهم على مواقع متقدمة في هذه الجوائز ناهيك عن فوز البعض في المراتب الأولى منها.
وكان موضوع الحرب على السوريين الموضوع الأبرز في محتوى أكثر الروايات المنافسة، والمميز على هذا الصعيد أن الكاتب السوري في الشتات، لم يقلع عن الكتابة، ولم تشغله الغربة وظروف الحياة الجديدة عن تقديم إبداع للعالم، فنجح في فرض مكانة له في الأماكن الجديدة التي هاجر إليها، فكتب ونشر ونافس بحيوية غريبة، وشهدت عواصم العالم نشاطات لافتة على هذا الصعيد، وتدل هذه النشاطات على إصراره على تجاوز ظروف الغربة والسعي إلى تحقيق مكانة إبداعية أدبية له ونشر قضيته في كل أصقاع الأرض.
وفي العديد من الدراسات والندوات التي أقيمت على الرواية السورية في فترة الحرب التي أعقبت إندلاع الثورة، نتعرف على نوعين من الكتابة :
آ ــ الكتابة والنشر داخل سورية : فقد قدم الكاتب السوري نفسه ورؤيته وسرديته تحت وطأة القمع، رغم وجود قيود على موضوعات الحرية والسجون والثورة ، فظهرت كتابات حاكت هذه الموضوعات بطريقة رمزية ولامس بعضها الجوانب المحظورة.
إلا أن الكثير من الكتابات نُشرت سعى إلى تمثيل وجهة نظر النظام البائد في تعاطيه مع الثورة السورية التي انطلقت في مطلع عام 2011، وهذا النوع من الكتابة انضوى تحت عنوان بروباغندا النظام ، وسجلت بعض الكتابات تجاوزا واضحا لمأساة الشعب السوري وحقيقة معاناته والمآسي التي التي تعرض لها. واتجهت كتابات أخرى إلى الجانب الإنساني في معاناة هذا الإنسان لكنها تغاضت على ممارسات النظام لأسباب عديدة يمكن الحديث عنها والتعرف على خلفياتها.
ب ــ الكتابة والنشر خارج سورية، وكانت أكثر تنوعا وغزارة من روايات الداخل، وقد سجل كتاب الرواية الذين فروا من الملاحقة والقمع والسجون أعدادا كبيرة من المنتج الروائي، وخاصة تلك التي حكت عن ظروف السجن والتعذيب ونهلت من فترت تاريخية مارس فيها النظام البائد القمع قبل اندلاع الثورة السورية ، وفي هذه الكتابات تعرف العالم أيضاً على ظروف الهجرة واللجوء في البحر والبر على السواء، وفي إحصائيات لبعض الدراسات زادت نسبة الروايات المنشورة على هذا الصعيد عن المائة والخمسين رواية خلال أقل من عشر سنوات .
ويمكن اعتماد بعض المعلومات المنشورة المتعلقة بالجوائز العربية لمعرفة المكانة التي تسعى إليها الرواية السورية ، وخاصة في الجوائز المعروفة مثل:
- جائزة البوكر للرواية العربية.
- جائزة كتارا للرواية العربية .
- جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية.
- جائزة الشارقة للرواية العربية .
- جائزة القلم الذهبي السعودية الحديثة.
وفي نموذج عن تواجد المنتج الابداعي الروائي السوري في جائزة كتارا تم تصنيف الرواية السورية ضمن المنتج الروائي لما سمي”بلاد الشام والعراق” ففي عام 2026كان هناك 719 منتجا روائيا من هذا التوزع الجغرافي، لكن كتابا سوريين حصلوا على جائزة كتارا في أكثر من موسم ، ونالت رواياتهم الحظة عند القارئ العربي.
وفي تدقيق الأرقام المنشورة لجائزة كتارا نتعرف على الحضور اللافت للكاتب السوري في القوائم الطويلة والقصيرة للسنوات الأخيرة، حيث وصل عدد الكتاب المرشحين في القائمة الطويلة لمسابقة (2024 – 2025)إلى خمسة .
وعلى صعيد المشاركة السورية في جائزة الشيخ زايد للكتاب أشارت إحصائيات بعض الدورات إلى 7% من مشاركات السوريين من نسبة المشاركات الإجمالية. وقد حقق الكتّاب والأدباء السوريون حضوراً بارزاً في القوائم القصيرة لهذه الجائزة .
أما في جائزة البوكر، فقد وصل أربعة روائيين إلى القائمة الطويلة في دورة 2025، وكاتب واحد إلى القائمة الطويلة والقصيرة في دورة 2026.
وفي مصر برزت أعمال وأسماء سورية وأشادت جائزة نجيب محفوظ التي ينظمها المجلس الأعلى للثقافة في مصر بالعيد من الكتاب السوريين وفاز الكاتب الراحل خالد خليفة بالجائزة عن روايته “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”.
هذا يعني أن الروائي السوري، لم يتردد رغم ظروف الكتابة والنشر في تقديم نفسه وأسلوبه وسرديته للقارئ العربي ، وللعالم الغربي، ويمكن الرجوع إلى كثير من الروايات التي نشرها كتاب سوريون في العديد من العواصم الغربية بلغات أخرى غير اللغة العربية.
تحتل الرواية السورية التي ظهرت في فترة الحرب والثورة هوية الإنسان السورية بمعاناته وسعيه إلى الحرية، وترصد بأساليب فذة صورة هذه المعاناة مع أعتى أنظمة الديكتارتورية التي حكمته أكثر من ستين عاما..
وفي الوقت نفسه، لم يكتف المنتج الروائي السوري، بتقديم محتواه الانساني وفق رؤية عميقة للمأساة وأفق واسع للحرية وفهم عميق لظروف بلده وطبيعة مكوناته والصراع فيه، بل ابتكر أساليب سردية في الكتابة سيقف عندها النقاد طويلاً, وأعتقد أن من المفيد عقد مؤتمر للرواية السورية في ظروف الحرب والثورة يؤطر هذا النوع الأدبي ويؤرخ له ، ويسعى إلى ترجمته للعالم .
بوابة الشرق الأوسط الجديدة
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر



