في ظلِّ القلاقلِ والتعقيداتِ والاضطراباتِ التي يشهدُها الإقليمُ خصوصاً، والمنطقةُ عموماً، بمشرقِها ومغربِها، شمالِها وجنوبِها، ثمّةَ محاولاتٌ حثيثةٌ من قبلِ بعضِ القوى لتكريسِ نمطٍ حضاريٍّ واحدٍ أو ثقافةٍ واحدةٍ. وهو ما يُشكِّلُ خوفاً على المصيرِ عند معظمِ المكوّناتِ الحضاريةِ والثقافيةِ في المشرقِ العربيّ، ويدفعُها إلى الانعزالِ والتقوّقِ خشيةً على الوجودِ. فقد شهدنا مثلاً كيف جرى تهميشُ اللغةِ الأمازيغيةِ في المغربِ والجزائرِ لعقودٍ طويلةٍ قبل الاعترافِ بها رسميّاً، كما رأينا كيف سعت أنظمةٌ في العراقِ وسوريا إلى فرضِ سردياتٍ أيديولوجيةٍ ودينيةٍ أحاديةٍ أفضت إلى تهميشِ جماعاتٍ واسعةٍ. وهذا النمطُ ليس حكراً على منطقتِنا، بل عرفه العالمُ من قبل، كما في تجربةِ الاستعمارِ الفرنسيّ في أفريقيا الذي حاول فرضَ لغتِه وثقافتِه على شعوبٍ متعدّدةٍ فيها لكنّه فشل أمام إصرارِها على التمسّكِ بلغاتِها الأمّ وهويّاتِها الأصليّة.
ولمّا كان الشبابُ هو الأكثرَ تأثيراً وفاعليّةً وقدرةً على التواصلِ، فإنّه غدا من الضروريّ مساعدةَ هذه الفئةِ على تكريسِ خطابٍ حضاريٍّ مشرِّفٍ أوّلاً وإنسانيٍّ ثانياً، من خلال الجامعاتِ، والإعلامِ، والمؤسّساتِ الثقافيةِ والدينيةِ وغيرها. وقد رأينا بالفعل بعضَ التجاربِ الملهمةِ، مثل المبادراتِ الشبابيةِ في تونس، حيث أنشأ الشبابُ تجمّعاتٍ ثقافيةً مستقلّةً كالجمعيّة التونسيّة للدراسات حول ثقافة الشباب Atecj والمركز الثقافي والرياضي للشباب، وقبلها في نهايات القرن الماضي دار الثقافةِ ابنِ خلدون لاحتضانِ الحواراتِ الفنيّةِ والفكريّةِ بعيداً عن الرقابةِ الأيديولوجيةِ. وعلى الصعيدِ العالميّ يمكن أن نستحضرَ تجربةَ الشبابِ في جنوبِ أفريقيا الذين أسهموا مع مانديلا في عملِ لجانِ “الحقيقةِ والمصالحةِ” لتجاوزِ خطابِ الفصلِ العنصريّ وصياغةِ هويّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ.
إنّ تأسيسَ خطابٍ حضاريٍّ جديدٍ ومتوازن يتطلّب العملَ على محورين متوازيين:
_ محورٌ خارجيّ يتمثّل بدورِ السلطاتِ الرسميّةِ في وضعِ القوانينِ العادلةِ، وتكريسِ ثقافةِ المواطنةِ، وتعزيزِ القيمِ المتعدّدةِ التي تقبل الاختلافَ الدينيَّ والعرقيَّ واللغويَّ والسياسيَّ والاجتماعيَّ.
_محورٌ داخليّ يقوم على التعشيقِ والتشابكِ بين الأسرةِ والمدرسةِ ووسائلِ الإعلامِ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ، لترسيخِ ثقافةِ الحوارِ قولاً وعملاً، عبر استراتيجياتٍ تعليميةٍ تفاعليةٍ ناشطة، وهو ما يعني بالضرورة التعامل مع الشباب، بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم العرقية والطائفية والدينية، كشركاء بعيداً عن لغة الوصاية والإملاء التي تمارسها معظم مؤسساتنا وأحياناً استخدامهم كزينة أو كماليات لبعض اللقاءات والمناسبات.
عندها فقط يمكن الحديثُ عن هويّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ في ظلِّ تعدّدِ الهويّاتِ الثقافيةِ في المجتمعاتِ العربيةِ وخاصةً في المشرقِ. وهو ما يسمح بالانتقالِ من عقليةِ الخوفِ والتباعدِ إلى عقليةِ الاعترافِ المتبادلِ بالمكوّناتِ المتعدّدةِ. وهذا الهدفُ لا يتحقّق إلّا عبر نقدِ ثقافةِ الانعزالِ الحضاريِّ والثقافيِّ، ومقاومةِ محاولاتِ الهيمنةِ ومحوِ الاختلافاتِ، والسعي إلى إثراءِ النقاشِ الفكريِّ في قضايا الانتماءِ والهويّةِ والذاتِ والآخرِ.
لقد نجحت الأحداث الأخيرة، خلال أكثر من عقدين، التي اجتاحت المنطقة العربية على امتدادها في إسقاطِ أنظمةِ حكمٍ والتخلّصِ منها، إلّا أنّها لم تنجحْ في تخليصِ المجتمعِ من الأمراضِ السياسيّةِ والثقافيّةِ والاجتماعيّةِ، بل عمّقتْها وكرّستْها. ففي ليبيا مثلًا.. بدلاً من بناءِ دولةٍ مدنيّةٍ موحّدةٍ، تفاقمتِ الصراعاتُ المسلّحةُ بين الميليشياتِ والقبائلِ، وفي اليمنِ اتّسع الشرخُ المذهبيُّ والسياسيُّ حتّى تحوّل إلى حربٍ طويلةٍ. وكذلك الحال بالنسبة للعراق بعد 2003 وبالنسبة لسورية والمحاولات المحمومة لجرها باتجاه حرب داخلية واقتتال طائفي وعرقي، وهو ما يمكن أن نجد نظيراً عالميّاً له في تجربةِ يوغوسلافيا بعد سقوطِ أنظمتِها الشموليّةِ، حيث أدّى غيابُ مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ إلى صراعاتٍ دمويّةٍ وهويّاتٍ متقاتلةٍ.
في المقابلِ هناك نماذجُ تُثبت أنّ التعدديّةَ ليست عائقاً، وإنّما مصدرُ غنى إذا أُديرت بحكمةٍ. فقد اعترف المغربُ بعد 2011 دستوريّاً بالتعدّدِ اللغويِّ والثقافيِّ (العربيّة والأمازيغيّةِ والحسانيّةِ وغيرها) بوصفِه خطوةً نحو هويّةٍ وطنيّةٍ جامعةٍ. وعلى المستوى العالميّ تقدّم سويسرا مثالاً بارزاً: بلدٌ صغيرٌ بتعدديّتِه اللغويّةِ (الألمانيّةِ، الفرنسيّة، الإيطاليّة، والرومانشيّةِ) بالإضافة إلى التعدّدات الدينيةِ، ومع ذلك نجح في بناءِ وحدةٍ وطنيّةٍ على أساسِ المواطنةِ والديمقراطيّةِ التوافقيّة.
كلُّ ذلك يدفعُنا إلى التساؤلِ عن الخطابِ الذي سلكه الشبابُ العربيُّ خلال العقدين الماضيين تقريباً: هل كان نتاجَ تجربةٍ أصيلةٍ وخلاصةَ وعيٍ جمعيٍّ، أم أنّه نتيجةُ أمراضٍ وترسّباتٍ فكريةٍ ودينيةٍ سقيمةٍ؟ والأهم: ما هو الخطابُ الذي يجب أن يتبنّاه شبابُنا اليوم ليكون ملائماً لمتغيّراتِ الحاضرِ والمستقبلِ، ومنسجماً مع مرتكزاتِنا الحضاريةِ والتاريخيةِ والثقافيةِ؟
إنّ ما استعرضناه من تحدّياتٍ ومخاطرَ فرضِ نمطٍ حضاريٍّ واحدٍ، ومن فرصِ الشبابِ في إعادةِ صياغةِ خطابٍ حضاريٍّ جامعٍ، يؤكّد أنّ المستقبلَ الثقافيَّ والاجتماعيَّ والسياسيَّ للمجتمعاتِ العربيةِ مرهونٌ بقدرةِ الشبابِ على استيعابِ تعدّديةِ المكوّناتِ والعملِ على التعايشِ والتكاملِ بين الهويّاتِ المختلفةِ. فالتاريخُ أظهر لنا أنّ المجتمعاتِ التي حاولت طمسَ اختلافاتِها أو فرضَ ثقافةٍ واحدةٍ عليها غالباً ما واجهتْ صراعاتٍ طويلةً وتراجعاً في التنميةِ، بينما المجتمعاتُ التي أحسنتْ إدارةَ التنوعِ، واحتضنتْ الحوارَ والمواطنةَ الفاعلةَ، استطاعتْ أن تبني كياناتٍ وطنيةً صلبةً وقادرةً على مواجهةِ التحدّياتِ.
إنّ الشبابَ بقدرتِهم على التواصلِ وإشعالِ المبادراتِ الإبداعيةِ، هم الحلقةُ الأهمُّ في هذه المعادلةِ. فمن خلال الجامعاتِ، والمؤسّساتِ الثقافيةِ، ووسائلِ الإعلامِ، وفضاءاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ، يمكن ترسيخُ ثقافةِ الحوارِ، وتعميقُ الفهمِ المتبادلِ، وغرسُ قيمِ المواطنةِ التي تتجاوز الانتماءاتِ الضيّقةَ، سواءٌ كانت دينيةً أو عرقيةً أو لغويةً أو اجتماعيةً. إنّ هذه العمليةَ لا تتحقّق بين ليلةٍ وضحاها، لكنّها ممكنةٌ عبر استراتيجياتٍ تعليميةٍ وتربويةٍ متكاملةٍ، وسياساتٍ تشاركيةٍ تتيح للشبابِ ممارسةَ الحريةِ ضمن إطارٍ مسؤولٍ، وتشجّعهم على ابتكارِ مشاريعَ مجتمعيةٍ وثقافيةٍ تحترم الاختلافَ وتُثري الحياةَ العامةَ.
وفي ضوءِ التجاربِ العربيةِ والعالميةِ، ندرك أنّ الهويّةَ الوطنيةَ الجامعةَ لا تعني محوَ الهويّاتِ الفرعيةِ، بل هي القدرةُ على الجمعِ بينها، وإيجادُ أرضيةٍ مشتركةٍ من القيمِ والمبادئِ التي تحفظُ المجتمعَ من الانقساماتِ والصراعاتِ. المغربُ بعد 2011، وسويسرا عبر عقودٍ من التعدديّةِ المدروسةِ، يشكّلان نموذجاً حيّاً لهذا التوازنِ، بينما ليبيا واليمن ويوغوسلافيا يُذكّروننا بثمنِ الفشلِ في إدارةِ الاختلافِ.
ومن هنا فإنّ الخطابَ الواجبَ اعتمادُه اليوم يجب أن يكون خطاباً واعياً وفاعلاً، يقوم على الانفتاحِ والتفاعلِ مع التاريخِ والتراثِ، وعلى نقدِ كلِّ أشكالِ الانغلاقِ الثقافيِّ والانتهازيةِ الفكريةِ، وعلى تعزيزِ القدرةِ على الحوارِ والتفاهمِ بدلاً من التناحرِ والهيمنةِ. ويجب أن يحملَ هذا الخطابُ أفقاً حضاريّاً ينقلُ المجتمعَ من عقليةِ الخوفِ والتباعدِ إلى عقليةِ الاعترافِ المتبادلِ والتعاونِ البنّاءِ، ويُعيد إشعالَ الأملِ في المستقبلِ.
أخيراً إنّ مسؤوليةَ الشبابِ اليوم ليست مجرّدَ تحدٍّ سياسيٍّ أو ثقافيٍّ، بل هي مهمّةٌ حضاريةٌ، تقوم على إدراكِ أنّ التعدديّةَ ليست ضعفاً بل قوّةٌ، وأنّ الحوارَ ضرورةٌ لا رفاهيةٌ، وأنّ الهويّةَ الجامعةَ ليست محواً للاختلافِ وإنّما تكاملٌ يُعبّر عن أصالةِ المجتمعِ وعظمتِه. فبناءُ مستقبلٍ عربيٍّ متماسكٍ ومزدهرٍ يبدأ من الشبابِ، ومن قدرتِهم على تحويلِ المعرفةِ إلى سلوكٍ، والفكرِ إلى عملٍ، والاختلافِ إلى إثراءٍ، والحلمِ الوطنيِّ إلى واقعٍ ملموسٍ.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



