دوريس – ألبانيا | في القرى القديمة، حيث كانت الليالي تُضاء على ضوء القناديل، وكانت المجالس تتكئ على بساطة الحياة وصدقها، لم تكن السهرات مجرد عادة يومية، بل كانت مدرسةً للحكمة والذاكرة. هناك، في “المضافات” التي تجمع الجيران والأهل حول فنجان قهوة مرة وأحاديث تمتد حتى آخر الليل، كانت الحكايات الصغيرة تتحول إلى دروس كبيرة، وتغدو الفوازير وسيلة للتفكير، لا للترفيه فقط.
وفي إحدى تلك الليالي، حضر طفل صغير إلى مجلس جده، يتابع بصمت ما يدور بين الرجال من كلام وأمثال وأسئلة. ثم أُطلقت فزورة غريبة في ظاهرها: “صحن لبن في الطاقة، لا هو جمل ولا ناقة، فما هو؟”. تناثرت الإجابات، وكل واحد حاول أن يذهب بالخيال بعيدًا، لكن الجواب كان أبسط مما ظنوا: إنه صحن اللبن نفسه. عندها أدرك الصغير، وربما أدرك معه الحاضرون، أن بعض الألغاز لا تحتاج إلى تعقيد، بل إلى نظرة مباشرة إلى المعنى القريب الذي نغفله حين نبالغ في البحث.
ثم جاء السؤال الأعمق، حين التفت الجد إلى الحاضرين وسألهم عن معنى كلمة “الشوك”. بدا السؤال لغويًا في أول الأمر، لكنه سرعان ما اتسع ليصبح سؤالًا عن الحياة نفسها. فالشوك، كما شرح الجد، ليس مجرد نبات يجرح الأقدام، بل كلمة تحمل في حروفها معاني الألم: الشين للشراكة، والواو للوكالة، والكاف للكفالة. وهكذا تحولت الكلمة من رمزٍ لغوي إلى مرآةٍ لعلاقات اجتماعية قد تبدأ بالثقة وتنتهي بالوجع.
كم من شراكة بدأت بوعد جميل ثم انتهت إلى نزاع وخذلان؟ وكم من وكالة أُعطيت على أساس الأمانة، فإذا بها تودي إلى التقصير أو الاستغلال؟ وكم من كفالة أثقلت صاحبها بالديون والالتزامات حتى صار أسيرا ً لما ظنه يومًا معروفا ًأو واجبا ً؟ هنا يصبح الشوك أكثر من استعارة؛ يصبح صورةً لكل علاقة يختل فيها الميزان، وكل التزام يفقد روحه، وكل ثقة تُكسر مـن الـداخـل.
ولا يقف المعنى عند ذلك الحد. فالشوك في زماننا هذا قد يكون جهلًا يحجب الرؤية، أو فسادًا ينخر في جسد المجتمع، أو رشوة تفسد العدالة، أو تضييعا ً للمال العام يسرق من المستقبل حقه في النمو.
المجتمع، في جوهره، حديقة واسعة، لا تزهر إلا إذا اقتُلعت منها الأشواك التي تخدشها. ومن هنا تأتي الحاجة إلى نور العلم في مواجهة الجهل، وإلى الوفاء في مواجهة الغدر، وإلى الضمير في مواجهة الفساد.
هذه الحكاية، التي بدأت من مجلس ريفي بسيط، تكشف كيف يمكن لكلمة واحدة أن تحمل عالمًا كاملًا من المعاني. فالشوك ليس ما يجرح الأقدام فقط، بل ما يجرح القيم، ويترك في القلب أثرًا لا يُنسى.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك
لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر



