مكاشفات

العلاقات السورية اللبنانية… هل تنجحُ محاولاتُ بناء الثقة؟

محمد الحوراني

تأتي أهمية الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية إلى لبنان بعد سلسلة من التصريحات والتصريحات المضادّة حول العلاقة بين سورية ولبنان، ومن ثم فإن أهمية الزيارة تأتي من إمكان أن تحملَ الطمأنينةَ إلى لبنان، وأن تنجح في تبديد المخاوف وجَعْل العلاقة بين البلدين قائمة على الاحترام المتبادل وعدم تدخل أي دولة في الشؤون الداخلية للدولة الأخرى.

ولهذا، فلا غرابة أن تحمل لقاءات الشيباني شيئاً من التناقض الظاهر، خاصة بعد اللقاءات التي جمعته ببري وجعجع وجنبلاط والبطريرك والمفتي كُلاً على حدة، وكذلك زيارته طرابلس التي حظي فيها باستقبال (شعبيّ) لافت، وهو الأمر الذي أثار انتقادات واسعة عند شريحة من الشعب اللبناني وعند ثلة من السياسيين والإعلاميين غير المُصنّفين حزبياً وغير المؤدلجين بالمعنى السلبي للأدلجة، ولا سيما بسبب بعض الهتافات التي رافقت استقبال الشيباني في طرابلس، ولكنْ مهما يكن من أمر فإن زيارة الشيباني لبنان في الثاني من تموز 2026 حملت رسائل تدلُّ على تغيير في الموقف السوري، خاصةً بعد اللقاء الذي جمعه برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الحليف التاريخي والإستراتيجي لحزب الله، وهو الحزب الذي يُصَنَّفُ على قائمة الأعداء أو الخصوم للنظام السوري الحالي.

ولعل المفاجأة الثانية كانت بتصريحات الوزير الشيباني الذي ترك الباب موارباً أمام إمكان حدوث لقاء بين نظام دمشق وحزب الله إن اقتضت الحاجة، وهذا يدل على براغماتية عالية، وربما غير متوقعة، عند الحكومة السورية، وهو مؤشر أيضاً على رغبة كبيرة عند بعض الدول الإقليمية في تصفير المشكلات وتجفيف منابع الكراهية والخصومة بين الفرقاء، أو على الأقل التخفيف منها قدر الإمكان.

وتأتي هذه الزيارة بعد آراء متناقضة بشأن احتمالية التدخل السوري في لبنان، وهو ما أجّجته التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي ترامب حول طلبه من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع التدخل في لبنان للمساهمة في نزع سلاح حزب الله، وهو الأمر الذي نفى الشرع الرغبة في الإقدام عليه، والحرص على علاقة متوازنة مع الدولة اللبنانية، ذلك أن من شأن التدخل السوري في لبنان، إن حدث، أن يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل لبنان وإلى مزيد من الانقسام، وربما الانفجار، داخل سورية.

ولعل الرأي الذي اقتنع به الرئيس الشرع، حتى اللحظة، ينحاز إلى الواقعية السياسية، بدلاً من الثأر والانتقام، بعيداً عن الرغبة الأميركية ورغبات بعض الأطراف في لبنان وسورية والمنطقة، وهذه الرؤية تنسجم تماماً مع ما طرحه الشرع وما أكده، وهو أولوية بالنسبة إليه تقوم على إعادة الإعمار والتنمية وبناء الاقتصاد والعمل على استعادة الدور الإقليمي والعربي والعالمي لسورية بوصفها دولة فاعلة في اتخاذ القرار والتأثير فيه، والحقيقة الواضحة من كلام الشرع هو أنه التقط ما يريده ترامب من دفع سورية إلى التدخل العسكري في لبنان، وهو الضغط الموجه إلى الأطراف الداخلية والخارجية على حد سواء، واعتقاده أن الدولة اللبنانية مترددة في نزع سلاح حزب الله، ومن ثم فإنه يريد الانتهاء من هذا الملف وهذه القضية بأي طريقة كانت وبأيدي أي طرف من الأطراف، حتى ولو أدى ذلك إلى حمّامات من الدم، ولا سيما أن هذا التدخل من شأنه أن يخلق ردودَ فعل إقليمية ودولية، وأن يحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة، بل إلى حرب استنزاف تُدمّر ما بقي من المنطقة، وتجعلها بيئة خصبة للتيارات والجماعات التكفيرية المتناحرة من دول العالم كلها ومن الأطراف كافة.

وإذا كان التدخل السوري الذي حدث سابقاً في لبنان زمن الأسد الأب قد تم بغطاء دولي أو توافق عربي، فإن غياب هذا الغطاء والتوافق اليوم من شأنه أن يجعل الأمر أكثر تعقيداً والمنطقة أكثر تفخيخاً، وأن يفتح أبواب الجحيم على لبنان وسورية على حد سواء.

ولعل السلوك السوري في أثناء الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية يؤكد الحذر السوري من مسألة التدخل في لبنان، إذ كان في إمكان النظام الحاكم في دمشق استغلال الفرصة ودخولَ لبنانَ لضرب الحزب أو المساهمة في نزع سلاحه، لكنّ هذا لم يحدث، بل إن سورية عزّزت وجود قوات لها على الحدود لمنع تداعيات الحرب من الامتداد إلى الداخل السوري.

وإذا كان بعضهم يعتقد أن فكرة الدخول السوري إلى لبنان فكرة جذابة ومقنعة، بل ومغرية في أحيان كثيرة، وأنها جزء من تصفية الحساب مع الحزب بعد أن حدث ما حدث خلال أكثر من عشر سنوات، لكنّ القارئ الحصيف والعارف الخبير بواقع المنطقة وحالها يدرك تماماً أن مخاطر هذا التدخل ستكون عالية بالنسبة إلى الطرفين، كما أن عوائدها ستكون مختلفة تماماً عمّا يُروّج له بعض الراغبين في رؤية شلالات الدم تغمر المنطقة وتعصف بوحدة مجتمعها واستقرارها، ويجعلها مستنقعاً للنزاعات بين مختلف الأطراف.

لقد أثبتت المماحكات والتصريحات الأخيرة رغبة بعض الأطراف في صَبّ الزيت على النار ومحاولة تأجيج الفتنة بين المُكوّنات في البلدين، لكنّ إدراك مخاطر المساعدة في إضرام النار بين البلدين دفع في اتجاه إيجاد مخارج لكثير من الأزمات وتقديم تنازلات من شأنها أن تضع حداً للعداوة والبغضاء التي يريد بعضُهم إذكاءَها بين الشعبين الشقيقين، والعمل على تحقيق نوع من الاستقرار في العلاقة والاستفادة من موقع كل بلد وإمكانيته من الآخر بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد، ويساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، وإعادة بناء علاقة صحّيّة وسليمة بين المكونات الدينية على اختلافها بما يُفوّت الفرصة أمام الراغبين في تحويل المنطقة إلى مستنقع دم طائفيّ تعوم عليه كلُّ أشكال الحقد والبغضاء التاريخيّة.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى