أعتقدُ بأنَّ الحديثَ عن الأطفال وتربيتهم وثقافتهم في هذه الأيام هو الحديثُ الأسمى، ولا سيّما في المرحلة التي يغدو الأطفالُ فيها قادِرِينَ على اكتسابِ فهمٍ أعلى للعمليّات العقليّة، وعلى التَّفكيرِ منطقيّاً في الأحداث الملموسة، كما أنَّ الاشتغالَ على تكوينِهم وإعمارِ عقولهم وأفكارهم هو الأشَقُّ والأصعبُ في زمنِ التَّفاهَةِ ومُحاولاتِ بَعْضِهم جَعْلَ خِطابِ الكراهيةِ الخِطابَ المُتَسَيِّدَ والأكثرَ رواجاً على الأصعدة كافّة.
من هُنا تأتي الأهمّيّةُ الكُبرى للفعل التربويِّ الواعي المُستَنِدِ على أُسُسٍ صحيحةٍ ومعرفةٍ عالية يُمكِنُ من خلالها مُساعدةُ الطُّلّاب، الأطفال، في إدراكِ المفاهيم المُجرَّدةِ أو الافتراضيّة، والحقيقةُ أنَّ هذه المسؤوليّةَ مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ ينبغي أن تنبريَ لِحَمْلِها والاضطلاعِ بها وزاراتُ التربيةِ والثقافةِ والإعلام وَفْقَ رُؤيةٍ إستراتيجيّةٍ ومنهجيّةٍ وطنيّةٍ عالية، وحينَ تكونُ التّحدّياتُ كبيرةً فإنّ هذه المسؤوليّةَ تغدو في منزلةِ فَرْضٍ على كُلِّ مسؤولٍ عن جانبٍ من هذه الجوانب، أيّاً كانَ موقعُه ومكانتُه، عملاً بالواجبِ التربويِّ والأخلاقيِّ والدّينيّ في “كُلُّكم راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عن رَعِيّتِه”.
الحقيقة أنّ ثمّةً عدداً من المدارس الخاصّةِ التي أخذَتْ على عاتقها القِيامَ بما يجبُ عليها القيامُ به، ومنها “مدرسةُ آفاق المُستقبَل الخاصّة” في جبلة، هذه المدرسةُ التي شَعّبَتْ اهتماماتِها وعنايتَها بطُلّابِها، حتّى شملتْ مُختلفَ الجوانب التربويّة والأخلاقيّة والثقافيّة والرياضيّة والتعليميّة المُنوَّعة، ودخلَتْ إطارَ المُنافَساتِ الرفيعةِ والعاليةِ بمُستواها وحُضورِها وتَفوُّقِ المُشارِكينَ فيها، والحقيقةُ أنَّ هذا الحُضورَ ما كانَ ليتَحقَّقَ لولا الوَعْيُ والنباهةُ وحِسُّ المسؤوليّة الذي تتميّزُ به إدارةُ المدرسة وفريقُها التعليميُّ كما هو حالُ بعضِ المدارس في طُولِ البلاد وعَرْضِها، فهيَ تُسْهِمُ إسهاماً كبيراً في بناء أجيالٍ واعيةٍ وقادرةٍ على تحمُّلِ مسؤوليّاتِها الجِسَامِ في ظِلِّ التَّحدّياتِ التي يعيشُها أطفالُنا خصوصاً، وأجيالُنا عموماً، وذلكَ بمُتابَعَةِ اهتماماتِ الأطفال والوُقوفِ على مواهِبِهِم ورعايتِها، أو بمعنى آخر متابعة خيوط التفكير لدى الأطفال والاهتمام ببنية الحجج المُقدَّمة لمُراقبةِ الجوانب العلائقيّة، بحسبِ ما تذهبُ إليه “كريستينا كمارنو” أستاذةُ الفلسفة في جامعةِ “سالزبوري” في الولايات المُتّحدة الأميركيّة.
وبمعنى آخر، يُمكِنُنا القول: إنَّ مِنَ الواجبِ على كُلِّ مَعْنِيٍّ بالفعل التربويِّ في أيّامِنا هذه أن يَحرِصَ على بناءِ الرَّكيزةِ المعرفيّةِ والأخلاقيّةِ لدى الأطفالِ وتعزيزِها وتدعيمِها، حتى يكتملَ النُّموُّ البدنيُّ والمعرفيُّ واللغويُّ والأخلاقيُّ والاجتماعيّ وسواهُ من احتياجاتٍ أساسيّة للأطفال في هذه المراحل بالغةِ الحساسية من أعمارهم، ولا سيّما معَ ثورةِ التكنولوجيا، والفوضى الهائلة في الألعابِ المُوجَّهةِ إلى الأطفالِ المُختلفةِ تماماً عن فضاءاتِ التربيةِ والألعاب التقليديّةِ التي نشأتْ ورُبِّيَتْ عليها الأجيالُ السابقة، وهو ما يعني أنّ المعرفةَ والثقافةَ والتربيةَ التي ينشأ عليها أطفالُ اليوم مختلفةٌ جذريّاً عمّا كانَ عليه الحالُ في السابق، كما أنّها في أمسِّ الحاجة إلى ضوابِطَ ورعايةٍ واهتمامٍ وانتباهٍ أيضاً، ورُبّما كان الأخير هو الأهمّ، ولا سيّما معَ التَّطوُّر الهائلِ والمُتَسارعِ في شخصيّةِ الطفل، وهو ما يُؤكِّدُهُ عالمُ النَّفْس الإنكليزيّ “هادفيلد” بقولِه: “الطّفلُ في الثانية عالِمٌ، وفي الرابعةِ فيلسوفٌ”، ولهذا فلا غرابةَ أن يطرحَ الطفلُ في أحيان كثيرة أسئلةً رُبّما يَعْجِزُ الكِبارُ والفلاسفةُ عن الإجابةِ عنها، إضافةً إلى الإحاطةِ بأفكار الأطفال وسَبْرِ عوالمِهم ومعرفتهم المعرفةَ الحقيقيّةَ، وهذا ما طالبَ به “جان جاك روسو” قبلَ أكثرَ من ثلاثةِ قرون بقوله: “اعْرِفُوا أطفالَكُمْ فإنَّكُم حَتْماً لا تَعْرِفُونَهُم”، وهو ما يتقاطَعُ معَ مقولةٍ أقدم بكثير يَنْسِبُها بعضُهم إلى سقراط، وآخرون إلى الإمام عليّ بن أبي طالب، عليهِ السَّلامُ، وهي: “لا تُكْرِهُوا أولادَكُمْ على آثارِكم، فإنَّهُم مَخْلُوقُونَ لزمانٍ غيرِ زمانِكم”، وهو ما لا ينسحبُ بالتأكيد على الأخلاق والقِيَمِ النبيلة التي تتّفِقُ عليها غالبيّةُ الشُّعوب في مختلف الأزمان والعصور.
ختاماً، لا بُدَّ مِنَ تأكيدِ أنَّ أهمَّ ما يحتاجُ إليهِ أطفالُنا في أيّامنا هذه هو الاحتضانُ الحقيقيُّ والواعي وعدمُ تهميش آرائهم وأفكارهم، وإنّما رعايتها على نحوٍ صحيحٍ وَفْقَ مُقْتَضياتِ العصر وثورة التكنولوجيا والمعلومات المُتسارِعة، وهذه المهمّةُ ليستْ سهلةً على الإطلاق، لكنْ مِنَ المُمكِنِ الاشتغالُ عليها والسَّيْرُ فيها، خاصّةً حينَ يكونُ المستقبلُ الذي نُريدُهُ لأطفالنا مُستقبلاً يليقُ بالتَّحدّيات التي نُواجِهُها جميعاً.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



