
كإنسانٍ لا يكفّ كلّ ليلة عن محاولةِ فهم ذاته؛ وجدت نفسي منذ أيام سعيدةً للغاية باكتشاف جديد عنها لم أكن أعرفه سابقاً، وهو أنّ أكثر ما يجذبني في الناس؛ أصواتُهم.
اكتشفت ذلك بعد أن لاحظت أنني استطعت سماع الصوت في بعض رسائل الواتساب المكتوبة، كانت مجرد حروف على الشاشة بلا نبرة أو اهتزاز ولكن مع ذلك تسلّل صوتُ كاتبها إلى أذني بطريقة غريبة لم أفهمها في البداية، أعدت القراءة مجدّداً وتأكّدتُ بأنني أستطيع سماع طريقة لفظه للحروف، نبرة بدايته، التردد الخفيف بين الجملة والأخرى، وحتى الصمت الذي يختبئ بين سطوره. ومن هنا بدأت أفكّر بأنني حين أتعرّف على الأشخاص قد أنسى الشكل بسهولة، قد تغيب عني الوجوه، وقد تخونني ذاكرتي في استرجاع الملامح كأنها صور تبهت مع الوقت لكنّ الصوت لا يفعل بي ذلك على الإطلاق. الصوت يبقى حيّاً في داخلي، ثابتاً بطريقة لا أفهمها تماماً لكنها تجعلني أقول بثقة غريبة عندما يأتيني صوت أحدهم من بعيد: أعرف ذلك الصوت جيداً… حتى لو نسيت وجه صاحبه.
أحياناً أشعر أن الصوت أشبه بالروح، بينما الشكل ليس إلا قشرتها المرئية. الوجه يقدّمنا للعالم كصورة، كشيء يمكن تثبيته وتكراره، أمّا الصوت فلا يقبل التجميد؛ إنه يتحرّك، يتنفّس، يتبدّل مع كل شعور، كأنّه الروح وهي تحاول أن تُسمِع نفسها للعالم.
وبينما كنت أتأمّل في ذلك راودتني فكرة أنّ بعض التجارب الإنسانية الكبرى لم تبدأ من “الرؤية”بل من “النداء” وتذكّرتُ قصة موسى كليم الله وكيف أنّ التحوّل الأكبر لم يكن بصريّاً، بل سمعياً وكأنّ المعنى الأعمق يُقِرّ بأنّ أقرب ما يلامس الإنسان ليس ما يراه، وإنّما ما يُخاطبه!
أرى الآن بأنّ الأصوات تميّز الإنسان أكثر مما تميّزه ملامحه. الوجه قد يتشابه، قد يتبدّل، قد يخدع وقد يُعاد ترتيبه كل صباح أمام المرآة، أمّا الصوت فلا يخضع لهذا القدر من التجميل. إنه يهرب من السيطرة، ويتسرّب من بين نوايا صاحبه دون إذن.
هناك أصوات تُشعرني بالأمان قبل أن أفهم كلماتها، وأخرى تُربكني رغم بساطة ما تقول. ليست المشكلة إذاً في اللغة، بل فيما يتخفّى خلفها!
أحياناً أسمع الخوف في صوتٍ لا يعترف به، إنّه يتسلل إلى النبرة بهدوء خفيّ ويجعلها أسرع قليلاً مما ينبغي وكأنّ المتكلم يحاول أن يسبق ارتباكه أو أن ينجو من خطأ لم يقع بعد. أرى في ذلك التسرّع شيئاً من الانتباه الزائد للنفس كأنّ المرء لا يقول فقط، وإنما يراقب نفسه وهو يقول.
أما الطمأنينة، فهي لا تحتاج إلى إثبات. إنّها أقرب ما تكون إلى روحٍ جلست في مكانها، لا ترفع نفسها، لا تتصنّع حضورها، لكنها تمنح من يسمعها شعوراً عذباً بالاستقرار، وما بين الكلمة والأخرى هناك مساحة صغيرة من الصمت ليست فراغاً بقدر ما هي راحة خالصة تجاه كل ما يقبع في الخارج.
الحزن لا يرفع صوته غالباً، ليس لأن الكلمات قليلة، بل لأن ثقلها أكبر من أن يُحمَل بسهولة. أسمعه يمشي ببطء كأنّ كل جملة تحتاج إلى جهد لكي تُقال، أراه في مواضع أخرى يلعب الغمّيضة ويختبئ خلف الكلمات الاعتياديّة الباردة في محاولةٍ بسيطة للتماسك لا أكثر.
أرى الانكسار شيئاً آخر.. لا كامتدادٍ للحزن، بل كتعبٍ منه، فيه جملةٌ تبدأ بثبات ثم تتعثّر في منتصف الطريق وكأنّ الصوت نفسه يتعب من الاستمرار بنفس الشكل، فيكشف ما لا يريد صاحبه أن ينكشف.
أما الفرح فهو ذلك الهادئُ الرّزينُ الذي يخفّف من ثقل الصوت دون أن يُفقده اتزانه، إنّه يجعله أكثر انفتاحاً وأقلّ صلابةً وكأن الداخل قد اتسع فجأة فلم يعد بحاجة للضغط على الكلمات لكي يخرجها.
وأما التردّد فيأتي واضحاً جليّاً، يكفي أن أسمع الكلمات وهي تُستبدل، والجمل وهي تُعاد صياغتها في اللحظة نفسها وكأنّ الفكر لم يستقر بعد، فينعكس اضطرابه على الحنجرة بلا إرادة من صاحبه.
الثقة كلامٌ آخر، فهي ثباتٌ صريح لا يخطئ مُرادَه، جمل قصيرة أحياناً لكنها مكتفية بذاتها، لا تحتاج أن تتّكئ إلى شروحات إضافية أو تنميقات، صوت الواثق لا يقنِع بالقوة، بل هو فقط يريح سامعه من الحاجة إلى الشك.
ويبقى الحنين ذلك الصوت الذي لا يُلاحظ بسهولة. أسمعه في امتداد بعض الحروف وكأنّ الصوت يرفض أن ينتهي بسرعة، أو في دفءٍ خفيف يتسلّل إلى نبرة لا يبدو أن سياقها يبرّره. إنّ الحنين لا يقال وإنّما ينجو من القول ولهذا هو بحاجةٍ لأذنٍ رصينةٍ لكي تلتقطه.
وما بين كل هذه الحالات، لا يبدو الصوت مجرد حاملٍ للمشاعر بل كاشفاً للنيّة الأعمق التي تختفي وراءها. هل يتكلم هذا الإنسان ليُسمَع؟ أم ليحمي نفسه؟ أم ليُقنِع؟ أم ليهرب قليلاً من نفسه وهو يظن أنه يشرحها؟
هنا، صرت أعلم أنّ أكثر ما يجذبني في الإنسان هو صوته، فهو أكثر من الشكل، وأعمق من النص، ويبدو لي أقرب شيء إلى الروح، تلك التي لا تُرى، لكنها تُحَسّ، وتبقى عالقةً فينا حتى بعد أن ينتهي كل شيء.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة


