
فرنسا – باريس| قلت: وأنا أراقب ملامحها، حيث يعود إلى دفء الذكريات، من الصعب تصديق الأمر، بعد خمس سنوات ما زلتِ تحتفظين في عينيك بنفس الصفاء. لكن، ما جذبني هو وشم الوردة على كتفك. ماذا يعني لك؟
أجابت وعلى شفتيها ابتسامة: الوردة ليست مجرد رسم. هي رسالة نجاة من خلال الألم الذي مررت به… حين كنت أبحث عن نفسي في هذا العالم، وجدتها على جلدي.
أنا: أفهمك. ولكن، دعيني أكون صريحًا مثل صحفي يبحث عن الفهم وليس الجرح: الكثيرون يرون الوشم تشويهاً للجسد، كأن الجسد ملك للخالق لا يجوز المساس به.
هي: صحيح، هذا ما سمعته كثيرًا… وفي بعض الأحيان، كنت أصدقه أيضًا. لكن عندما تتداعى حياتك وتفقد خياراتك، يصبح الجسد هو المجال الأخير الذي يمكنك التحكم فيه. كانت الوردة هي الحد بيني وبين من حاولوا اختزالي.
أنا بصوت خافت: فهل تعني أن الوشم يمثل الحرية؟
هي: الحرية ليست دائمًا رفاهية. فهي أن أختار الألم الذي أتحمله. بدلاً من أن يعيش الألم في يد من يظنون أنهم يتحكمون في مصيري، اخترت أنا أن أضع علامة.
أنا: لكن… هل تخافين أن يتحول ذلك الاختيار إلى مجرد موضة؟ أجيال كاملة تتبع الاتجاهات ثم تنسى معاني اختياراتها.
هي: صحيح، الموضة موجودة، وأنا لا أنكر ذلك. بعض الناس يضعون وشمًا لجذب الانتباه، أو لأن أجسادهم أصبحت كلوحات. لكن، هل كل ما هو جميل مجرد عبث؟
الاختلاف ليس في الوردة… إنما في القلب الذي يحملها. الوشم يشبه كلمة في رسالة: قد تكون إعلان حب، أو قد تكون زخرفة فارغة.
أنا بعد تأمل: إذن، أنتِ لا ترين الوشم تحديًا للدين أو للخالق، بل إعادة تعريف للجسد؟
هي: ليس تحديًا. لا أقول إن الجسد بلا قداسة. الجسد هو نعمة، نعم. لكن، هل القداسة تعني أن نتجاهل رغبتنا في التعبير؟
يعتقد البعض أن الاحترام هو الامتناع عن التعبير. لكنني أرى أن الاحترام الحقيقي هو الصدق: ألا نخدع أنفسنا أو أجسادنا.
أنا: جميل… لكن ماذا عن مفهوم “حدود الجسد”؟
هي بعد تفكير: الحدود ليست فقط جرح أو حبر. الحدود هي نواياك.
عندما أرى وشمي، أرى امرأة نالت حريتها. ولا أراه تحديًا لوجودها، بل تأكيدًا لها. في زمن سُرقت فيه الخيارات، أصبحت أنا من يقرر نهاية حكاية الألم وبداية حكاية الحياة.
ابتسمتُ: بعضهم يقول: الوشم يمثّل الألم على الجلد…
هي: وأنا أؤمن أن الوشم يوجه الألم. بدل أن يكون الجرح مصدر خوف، صار “زهرة” تفتح باب الذاكرة.
ثم إن الجسم، كالقلب، يتغير بمرور الزمن. تظهر علامات العمر، والخطوط تقول حقائقها، حتى الوجوه تتغير… فكيف يُعتبر شيئًا يمثل معنى، شيئًا غير مقبول؟
أنا: لكن هل كل وشم يحمل هذا المعنى؟
هي: لا. ليس كل وشم يحمل حكمة. هناك من يفعل ليقلد، أو ليهرب من فراغ. وهناك من يفعل لإيذاء نفسه أو لمعاقبتها.
الفرق بين الوشم كتحرر والوشم كدمار يكمن في سؤال واحد: هل يقربك من حياتك أم يبعدك عنها؟
قلت وأنا أكتب ملاحظاتي: أريد أن ألخص لكِ ما أشعر به: ربما ليست القضية “وشم أم لا”، بل “كيف نقرأ ما على الجسد”.
هي: بالضبط. الجسد ليس مجرد قماش، لكنه ليس أيضًا صمتًا مفروضًا. نحن نعيش، والعَيش يحمل رسائل.
عندما تختار المرأة أن ترسم وردة على جسدها، قد تقول: “أنا هنا… رغم كل شيء.”
أنا: إذن، الوشم ليس تشويهاً افتراضيًا؟
هي: لا. الوشم يمكن أن يكون تشويهاً حين يكون بلا وعي أو بدون احترام… وقد يكون حرية حين يتم باحترام وبمعنى.
الوردة ليست المشكلة. المشكلة هي أن نحكم على الآخرين دون أن نسألهم: من أنتِ؟ ولماذا وضعتِها؟
هززت برأسي وأنا أنظر إلى ضوء المساء على نهر السين : يبدو أن السؤال الذي بدأناه – هل هو تشويه أم حرية – ليس له جواب واحد.
هي: لأن الإنسان لا يُقاس بجلده فقط.
والجسد… هو بداية الحكاية، وليس نهايتها.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



