ما من لقاء تم بيننا إلا وجاء على سيرتها، وحين نتطرق إلى فكرة ما، يقول لي: لقد فكرت بها العلياء.
هي بالنسبة له تلك الذكية والجميلة والمرأة الاستثناء التي ليس لها من شبيه في هذا الكون، وهو على الأغلب يضع يده على خده ويصفن طويلاً عندما نأتي على ذكرها، ولا أدري هل كنت على خطأ أم على صواب حين سألته ذات لقاء: هل تعرفها؟ سكت يومها وخلت يومها أن دمعات كثيرة قد طفرت من عينيه.
حاولت في تلك الكلمات أن أعبر عما يلوج في داخلي كلما التقيت بمؤلف رواية ” العلياء” الأستاذ سليمان حاج علي، وهو معروف كمترجم عن اللغة الألمانية، فما الذي جاء به إلى الرواية؟ وربما يكون كلامنا أوضح لو سألنا ما الذي دفعه لذلك؟
تعتمد الرواية في بنيتها أو لبنتها الأولى على شخصيتين هما المهندس “سامي” والشاعرة ” العلياء” ويحاول الكاتب من خلال شخصيته الأولى التصدي لقضية كبرى معروفة في مجتمعاتنا هي قضية الفساد ومحاربتها ولكن الحرب شنت عليه والدائرة ضاقت من حوله إلى درجة الاختناق، ثم وجد نفسه مطلوباً، ولم يجد أمامه من سبيل سوى بالهرب إلى الصحراء، وعندما كان في الرمق الأخير تنقذ حياته ” العلياء” التي تحمله إلى مضارب العشيرة التي تعاني الانقسام والخلاف يشقها إلى نصفين متنازعين، وهنا يبدأ دور العلياء التي يتوافق فكرها مع ذلك الرجل الملاحق والهارب من الخطر.
لا تخلو الرواية من المقاطع الشعرية وهذا غير مستغرب لأن البطلة شاعرة من جهة، والكاتب ترجم الكثير من الأشعار الألمانية من جهة أخرى، ونأخذ من تلك الشعرية على سبيل الاستدلال هذه الكلمات: “ذكورية الحياة، وأنثى الأرض علياء، أميرة الأرض، وسيدة العرب” ومن مطرح آخر نأخذ أيضاً: ” حيث كل البشر موتى، أود لو أعود طفلة، خلقة الثياب، حافية القدم ، تقفز راقصة على وقع قيثارتها، تسامر الجنادب والفراشات، عابرة كل الروابي والوهاد بحثاً عن الحب”
العلياء شخصية مضيئة في هذه الرواية، فهي تفعل الكثير من أجل القبيلة وأهلها وناسها ، وتساهم في تهدئة النفوس وفك النشب والنزاع، كما تنجح في بناء المدرسة ونشر الثقافة والعلم، وتشعر بمعاناة الإنسان وتطالبه دائماً بمعرفة نفسه، لأنها تدرك أن الإنسان نظام وعلاقات أكثر مما هو كيان ، وربما لهذا السبب بالذات أقامت تلك العلاقات الطيبة مع الدير ورجاله ومع شخصيات كثيرة لا مجال للتطرق إليها في هذه العجالة، لكن الكاتب سليمان حاج علي أستطاع وبمهارة ودربة أن يمد عمله هذا فوق الفيافي البعيدة على الرغم من حرارة رمال الصحراء، ليقدم لنا نموذجاً فريداً تستحقه تلك المرأة الشاعرة التي عنون روايته باسمها.
نعود مجدداً إلى ما طرحنا في البداية، فقد ترك لنا سامي رسالتين قال أنه وجدهما في دفتر مذكرات البطلة بعد رحيلها، ونحن نشك ونعتقد أن سامي هذا هو الكاتب نفسه، وربما ما يرجح قولنا هو ما كتبه في الإهداء حيث يقول:” إلى سيدة الأرض، التي تنظر متحفزة أمام الفرقة والضياع التي تعتري الإنسان على الأرض”
لقد خطر في بالي مراراً أن أسأل سليمان الحاج علي، ألهذه الدرجة هي جميلة؟ وأقصد بطلته العلياء، وخلته سيرد علي بقول ذلك المطرب الذي غنى يوماً : ” خذوا عيني شوفوا فيها” وقد أجد في ذلك جواباً على سؤال طرحته في البداية.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



