نوافذ

العيد والحب والشجار| خوث الأولاد و حصيوة الذلال

محمد الحفري

أعيادنا المتواضعة كانت تقتصر على مصافحة بعض الأقارب والمعارف وتقبيلهم وأخذ بعض قطع من الحلوى، ثم وداعاً أيها العيد، وإلى سنة جديدة فيها عيد يخلو من البهجة والفرح.

كنا نعود مسرعين إلى ذلك الشارع، لنكمل ما بدأنا من لعب، يتحول في نهاية المطاف إلى نوع من الشجار الذي أحاول تجنبه والهروب منه، ولكنني غالباً ما كنت أجد نفسي مدفوعاً إليه رغماً عني، خشية أن أنعت بالجبان، وعلى كل الأحوال هذا لم يكن يتسنى لأحد مادام ” متعب ” الذي يكبرنا بعدة سنوات بالمرصاد لمثل تلك الحالات، فقد كان يمسك بحصى، ويقف بين كل متشاجرين يوشك خصامهما أن ينتهي، حيث يتف أو يبلل ببصاقه تلك الحصى أو كما يطلقون عليها “حصيوة الذلال” ثم يرميها بينهما، ومن يتجرأ منهما على مسحها بثياب الآخر يكون هو الأشجع، لكنه يجب أن يتحمل ردة الفعل أو الهجوم الأول الذي قد يكون عنيفاً إلى حد لا يوصف.

أذكر مرة أنني تجرأت ومسحتها على ثياب مرعي الجواد، وعندها شج رأسي، فعدت ودمائي تسيل باكياً إلى المنزل، لكن استقبالي في المنزل لم يكن كما توقعت، فلقد أخرجت  أمي عصاً كانت تخبئها داخل الفراش، وراحت تضربني بكل عنف وقسوة، ولم يسلمني من ذلك إلا قدماي وهروبي خارج المنزل، ناجياً بجلدي من ضرباتها، حيث أطلت خلفي وقالت وهي تضيق عينيها بغضب : “لا تعد إلى المنزل إلا بعد أن تضرب من ضربك”

توقفت بعيداً عنها أتلمس آثار ضرباتها، ناسياً جرحي ودمي الذي يسيل منه, رأيتها تسير نحوي بخطوات قريبة إلى الهرولة، وهي تزمجر والعصا في يدها، فعدت مجدداً إلى الهرب خشية الوقوع مرة أخرى بين يديها، فلقد كانت قوية وشديدة البأس على الرغم من قصر قامتها. لكنني وقبل أن أبعد كثيراً عنها سمعتها تردد بحنق : ” كن رجلاً وخذ بثأرك ” ثم أضافت : ” عيب عليك أن تبكي وأنت رجل “.

أيامها لم أكن رجلاً ولا هم يحزنون ، كنت طفلاً يقل حجمه عن بقية أقرانه بكثير.

أذكر يومها وبعد عودتي إلى ذلك  الشارع، أنني اقتربت من ساحته الصغيرة فوجدتها خالية، وقد انفض عنها الأولاد المتشاجرون إلى حارة أخرى، لكن كواكب التي تصغرني بعدة أعوام وتساويني حجماً، كانت تجلس وحيدة هناك، وعندما رأتني مقبلاً، ركضت نحوي وبيدها خرقة كبيرة ،شقتها إلى نصفين، وعصبت جرحي، ثم أخبرتني أن ابن عمها مرعي قد ضربني من أجلها، لأنه يغار عليها مني، دلتني بعدها على مكانه لأثأر لي ولها منه، وحينما تلطيت له عند إحدى الزوايا وباغته بحجر على رأسه من الخلف سقط أرضاً، وعندها قبلتني كواكب بين عيني قبلة عيشتني دهراً من النشوة اللذيذة التي لا أنساها، ويومها لمحت الأمل من جدولتها الصغيرة، ومن عتمة شعرها أبصرت ليلاً طويل كان عليَ أن أدوس ظلمته، كي أتعثر، وربما كي أسقط سقطتي الأخيرة.

كواكب هي رائحة حنيني الأول منذ الطفولة الطازجة المرصعة بالمتاهة والأماني البعيدة ،حيث كانت الأسئلة غماماً يتوعد بالمطر، وبمجرد أن أراها أشعر بشيء يشتعل داخلي، وذكر اسمها فقط يسبب لي الكثير من الارتباك والإحراج.

اليوم وأنا أكتب اسمها لأول مرة فوق الورق بعد أن خبأته طويلاً في قلبي، أشعر أنني أرتعد خوفاً، فهي طليقة مرعي الجواد، وهو في نهاية الأمر ابن عمها، ولو علم بهذا  فسوف يقيم الدنيا ولا يقعدها فوق رأسي، ولا بد سيلاحقني إلى كل مكان، ولن أنجو من عقابه، فلقد سمعت بأنه قد غدا رجلاً مهماً وذا يد طويلة يحسب حسابه من أجلها أينما حل وارتحل. سمعت ! هه .. ما هذا الكلام الذي أهذر به ؟ أنا أقصد أنني سمعت ورأيت وجربت يده التي قد تصل إلى أبعد مدى يمكن أن نتخيله.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى